ليس عسيرًا على المتابع لأعمال القصف والتدمير والقتل التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي منذ عامين بشكل يومي على غزة، أن يتأكد أنها الأعنف والأشرس في تاريخ الحروب. والنتيجة هذه ليست توصيفًا ضمن جملة التوصيفات التي تتردد منذ بداية الحرب، بقدر ما هي وقائع محسوبة لما أصاب غزة والغزيون، إن كان لجهة الدمار في البنى التحتية، أو لجهة عدد الضحايا، أو استطالة المدة الزمنية التي استغرقتها الحرب التي دخلت عامها الثالث، أو ما خلفته الحرب من معوّقين ومفقودين لا أعداد نهائية عنهم بعد. فالآلة الفتاكة التي لا زالت تهدر في الأجواء وعلى الأرض تنبئنا أن أعدادًا كثيرة من البشر لن يكون لها حياة آمنة ومستقبل. رغم أن السيناريوهات التي تحيكها أفكار المحللين كثيرة، إلا أنها جميعها لم تصغِ تصورًا لما ستؤول إليه الأمور في غزة.
نعم، إنها الحرب الأعنف والأشرس في تاريخ الحروب، وخطر للكثيرين أمام أهوالها أن يقارنها بما حدث في هيروشيما في السادس من آب/ أغسطس من عام 1945، حيث ألقت القاذفة الأميركية على المدينة قنبلة ذرية "ليتل بوي" بلغت قوتها التدميرية آنذاك 16 كيلو طن من مادة "تي إن تي". آنذاك، قُدِّر الذين قتلوا نتيجة الضربة والإشعاعات التي خلفها الانفجار النووي بحوالي 140 ألف إلى 200 ألف، واعتُبرت أنها الضربة الأعنف في العالم. بعد ثلاثة أيام من الحادثة الأولى، ألقت قاذفة أميركية أخرى قنبلة من البلوتونيوم على مدينة ناغازاكي أسفرت عن مقتل 74 ألف شخص.
تسببت القنبلة الذرية في دمار ثلثي مدينة هيروشيما، وشملت البنية الثقافية والاجتماعية للمدينة، وتركت جراحًا وندوبًا امتدت لأجيال. ولا يزال اليابانيون يستذكرون في السادس والتاسع من شهر آب/ أغسطس من كل عام ما حدث لمدينتيهما هيروشيما وناغازاكي.
هذا العام، حلّت الذكرى الثمانون للقنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي، وتزامن تاريخها مع مرور عامين على اندلاع الحرب على غزة، وما استدعاء المقارنة بين المدينتين سوى لتوصيف الدمار الذي حل في غزة والذي ورد ذكره في وصف مقتضب للأمم المتحدة بأنه "غير مسبوق في التاريخ الحديث". تظهر الإحصاءات والمسوح التي هي أيضًا غير نهائية بسبب استمرار الحرب، أن الدمار طاول البنى التحتية كلها في غزة: المدارس والجامعات والأسواق التجارية والمباني السكنية والأحياء والأبراج والمستشفيات والأراضي الزراعية والمواشي، والمؤسسات الرسمية والحكومية، والطرقات، وقطاعات الاتصالات والكهرباء والمياه، ومعامل الصناعات الصغيرة. كما أن مناطق كثيرة امّحت حدودها، وبات من الصعب التعرف على مواقع المباني التي كانت فيها.
| |
| تسببت القنبلة الذرية في دمار ثلثي مدينة هيروشيما، وشملت البنية الثقافية والاجتماعية للمدينة، وتركت جراحًا وندوبًا امتدت لأجيال (Getty) |
أما الضحايا فلا أعداد نهائية لهم طالما أن الحرب مستمرة، وتشير المصادر إلى أن عددهم تجاوز الستين ألف شهيد. منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شكّلت النساء والأطفال نسبة 59% منهم، فيما بيّنت دراسة نشرتها مجلة "لانسيت الطبية" أن حصيلة الشهداء في قطاع غزة هي أعلى بنسبة 40% مقارنة بأرقام وزارة الصحة في القطاع، ويرجح المراقبون واقع الأرقام التي أوردتها مجلة "لانسيت"، بسبب استمرار القصف وأطنان المتفجرات العشوائية التي يلقيها جيش الاحتلال، ليل نهار في كل أنحاء القطاع، والتي يذهب ضحيتها كل يوم بمعدل وسطي بين 40 إلى 50 فلسطينيًا. هذا عدا عن المفقودين، ومثلهم الذين يقضون نتيجة إصابتهم بجراح خطيرة، ومثلهم أيضًا أصحاب الأمراض المستعصية التي عجّلت ظروف الحرب في موتهم، من بينهم مرضى الكلى والمعدة والقلب والسرطان بسبب صعوبة الوصول إلى المستشفيات والنزوح المتكرر.
جانب آخر من معاناة الغزيين يتجسّد في الأعداد المرتفعة للذين يعانون من الإعاقة، بسبب الحرب أو بغيرها. بلغ أعداد المعوقين قبل حرب 7 أكتوبر حوالي 58 ألفًا، أُضِف إليهم 21 ألف إصابة جديدة بسبب الحرب، معظمهم بتر في اليد أو في القدم. يعود السبب في حالات البتر إلى انهيار المنظومة الصحية التي استهدفتها إسرائيل بشكل منهجي. وتشير التقارير إلى أن بين 30 إلى 40 فلسطينيًا يصابون يوميًا جراء الحرب على غزة، كما وصف أحد المسؤولين في المكاتب الأممية لتنسيق الشؤون الإنسانية، أن "عدد الأطفال مبتوري الأطراف في غزة هو الأعلى في التاريخ الحديث". يتداول الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صورًا لمبتوري الأطراف بدون أطراف اصطناعية، ومن بينها صورة لفتى يضع مكان قدمه المبتورة قسطلًا يستخدم للمياه أو للمجاري. هذا عدا عن التشوهات التي أصيب بها عدد كبير من الغزيين في أنحاء مختلفة من أجسادهم، منها في الوجه والعينين، وتفاقم الأمراض المعوية والجلدية بسبب سوء التغذية وقلة المياه، لا سيما الصالحة للشرب منها، إضافة إلى الاضطرابات المعيشية الناتجة عن السكن في الخيم، والنزوح المتكرر وقلة النوم والشعور بانعدام الأمان.
النزوح هو أيضًا حالة متفاقمة في غزة، وتشير الإحصاءات إلى أن 90% من السكان هم نازحون، أي ما يقارب مليونًا وتسعمائة ألف شخص نزحوا إلى مكان آخر، وكثير من أهالي غزة لم يعرفوا الاستقرار في خيمة أو في منطقة محددة أو في مدرسة منذ بداية الحرب. روى نازحون أنهم، في الأشهر الأخيرة من الحرب، نزحوا بمعدل أربع مرات أو خمس مرات إلى أماكن كانوا قد نزحوا منها سابقًا، وللسبب المذكور، لم يعودوا راغبين في تثبيت خيامهم، لأن إنذارات الجيش الإسرائيلي بالإخلاء لا توقيت محددًا لها. إضافة إلى أن الخيام معظمها أصابها التلف والتمزق نتيجة الفك وإعادة التركيب، وتعرضها للشمس والريح، ما يستدعي شراء بديل عنها، وهذا ما أصبح يؤخذ بالحسبان لدى الغزيين الذين يذوقون يوميًا عناء تأمين القوت لعائلاتهم التي فقد الكثير منها معيلها. ناهيك عن محدودية المساحات التي يشار إليها بأنها آمنة والمخصصة للخيم، والتي تضيق يومًا بعد يوم بسبب الازدحام الشديد، كما هي حال مخيمات خان يونس والمواصي التي شهدت اكتظاظًا غير مسبوق دفع بالمسؤولين عنها أن يتدبروا أمور العائلات النازحة لدى عائلات أخرى.
وإذا كان النزوح من غزة هو نصيب المقهورين، فإن القهر لدى عدد كبير من العائلات ليس بسبب النزوح، بل لأسباب أكثر قسوة منه، كما قالت امرأة تعيش في إحدى المناطق الغربية للمدينة، من بينها أنها تريد أن تخرج أطفالها من تحت الركام لتدفنهم، ثم تعود وتنزح.
اليوم، ينزح الغزيون عن غزة، والعالم يتفرج، لا كلمات ولا مصطلحات ولا عبارات تفي مشهد النزوح الذي غصّت به الشاشات. صور تجسد كل أنواع القهر والألم، صور ثقيلة وقاسية تؤلّف بين الماضي والحاضر، منها بالأبيض والأسود عن التهجير القسري للفلسطينيين من قراهم عام 1948، والثانية عن نزوح الغزيين اليوم. والصورتان تستدعيان من الذاكرة خوفًا متجذرًا في النفوس منذ القديم وحتى اليوم، خوفًا حيال مصير شعب يُباد ويُهجّر ويُقتلع من أرضه علنًا في ظل صمت عالمي مريب.
ما يحدث في غزة اليوم، يضعنا أمام حقيقة انهيار منظومة أخلاقية وقيمية كانت مرجعًا لمجتمعات ودول العالم. ومع هذا الانهيار فقدت الإنسانية أسمى وظائفها وأرقى معاييرها، ألا وهي إنسانية الإنسان وحقه بالعيش في أرضه ووطنه. وإذ كانت مأساة غزة قد تجلّت كمعيار وميزان لقياس مدى الإنسانية والتوحش لدى البشر، فهي في الوقت ذاته تحمل دعوة إلى صوغ معايير وقيم إنسانية جديدة لعالم أصبح فارغًا منها.


تحميل المقال التالي...