يهدف تدريس الأدب وتعلّمه اليوم، من الناحية المبدئية العامة، إلى تنمية التفكير النقدي، والتواصل، واكتساب المهارات اللغوية، وفهم العالم لدى الطلاب، من خلال منحهم تجربة غنية في تنوع وجهات النظر، وتعريفهم بتحليل النصوص المعقدة، ونقل القيم الإنسانية العالمية. كما يُمكّن الأدب الطلاب من اكتساب معارف عامة، والتعبير عن أنفسهم بشكل أفضل، والانفتاح على الثقافات الأخرى، وتنمية ردود أفعال فكرية تُرافقهم طوال حياتهم.
لم تكن مسألة مبررات تدريس الأدب يومًا موضع تركيز التربويين كما هي اليوم في بداية القرن الحادي والعشرين. وقد ألّفت حوله عدة كتب فردية وجماعية، إضافة إلى مؤتمرات وندوات... حاولت كلها الإجابة عن سؤال: "تدريس وتعلم الأدب، لماذا؟". وقد جعلت جميع هذه الأعمال من دراسة معنى تدريس الأدب غايةً حقيقية.
وإلى جانب المتخصّصين في التدريس والديداكتيك، أثار العديد من الباحثين والنقاد تساؤلاتٍ عميقة حول مكانة عملهم في التدريس أو المشاركة من موقع معين في وضع المقررات الدراسية في مختلف أسلاك التعليم. بدءًا من تودوروف، وصولًا إلى فانسان جوف، ودومينيك مانغينو، ثم أنطوان كامبانيون، وبيير بايار، وإيف سيتون، وجان ماري شايفر.
جاء كتاب تودوروف "الأدب في خطر" (2007) في وقت ضاق فيه الخناق على الأدب وعلى مدرّسي الأدب. إن كتاب تودوروف هو في المقام الأول ملاحظة؛ ملاحظة محبَطَة من باحث يعتقد أن النقد الأدبي والتدريس، فضلًا عن عدد معين من الكتاب والأدباء، قد فرضوا على العالم، من خلال رغبتهم في قطع الأدب عن العالم، أطروحة أن يصبح الأدب أكثر تحرّرًا. كما أن فانسان جوف، من خلال كتابه "لماذا ندرس الأدب؟" (2010)، أثبت قناعة واضحة وكبيرة مفادها أن النص، آخر فضاءات الحرية، يتمتّع بمرونة استثنائية تُمكّنه من استكشاف احتمالات الوجود واستشراف المعرفة المستقبلية. أما كتاب "الأدب لأي غرض؟" فهو عنوان محاضرة افتتاحية لأنطوان كومبانيون، أُلقيت عام 2006، ونُشرت في كتاب عام 2007، شكّك فيه كومبانيون في وظيفة الأدب وفائدته في المجتمع المعاصر. يستكشف هذا العمل المبررات المختلفة لوجود الأدب، ودوره الجمالي والأخلاقي والسياسي، وكيف يُمكنه أن "يمنحنا مساحة للتنفس" أو فرصة "لتزجية وقتنا".
بناءً على تجربة أُجريت مع طلاب السنة الثالثة الذين يستخدمون سجلات القراءة بانتظام داخل الفصل، قام بيير بايار بالتشكيك في قراءتهم الفعلية، بل بالأحرى في حديثهم عن كتب لم يُثبت صحتها. وقد سمح لنا عمل بيير بايار، وخاصةً كتابه "كيف نتحدث عن كتب لم نقرأها؟"، بمناقشة الحدود بين ما قرأناه وما لم نقرأه. وخلافًا للاعتقاد السائد، يرى بيير بايار أن الحديث عن كتاب لم نقرأه هو موقفٌ محترم تجاه الكتب تمامًا كالحديث عن كتاب قرأناه بالفعل. وبناءً على هذا التأكيد، أراد معرفة ما إذا كانت دفاتر الطلاب تحتوي على آثار قراءات حقيقية أم زائفة، صادقة أم مقتضبة. وهكذا، فإن الاعتراف بأن دفاتر القراءة هي أيضًا مكان لما لم يُقرأ يسمح لنا بمحو التمييز الواضح بين القراءة وعدم القراءة.
لقد بدأنا في السنوات الأخيرة نسمع بأطروحة "نهاية الأدب". يشير مفهوم "نهاية الأدب" إلى عدة معانٍ؛ فمن جهة، يشير إلى توقّف الإنتاج الأدبي أو نهاية النوع الأدبي، كما هي الحال في الجدل الدائر حول "موت الرواية"؛ ومن جهة أخرى، نهاية العمل الأدبي بمعنى الخاتمة أو الحل، أو حتى العمل المتعلق بشيخوخة المؤلف؛ وأخيرًا، نهاية هالته الاجتماعية ومكانته في المجتمع. وهناك أيضًا تفسير أكثر إيجابية، يستحضر فرضية حدوث تجديد أو تنوع في الأشكال الأدبية المعاصرة والمؤلفين المعاصرين.
لقد تشبّعنا بقناعة هذه النهايات المحتملة، أو على الأقل بقناعة أننا ندرّس وندْرُس نوعًا معرفيًا هو في طريقه إلى الانقراض حسب القول المحبط لتودوروف. ربما لم يكن الأدب يومًا أسوأ حالًا مما هو عليه اليوم. وفي ذلك تشير جميع الدلائل إلى هذا الضعف. ولكن بدلًا من التوقف عند وصف الشرّ المعاصر المحيط بالأدب، والذي لا يشك فيه أحد، يقترح كتاب "في وداع الأدب" لويليام ماركس اكتشاف الأسباب الجذرية لهذا التراجع في التأثير، والذي ينتج عن تطور طويل الأمد. الأطروحة بسيطة: بين القرنين الثامن عشر والعشرين، حدث تحول جذري في الأدب في أوروبا؛ فقد انقلب شكله وفكرته ووظيفته ورسالته رأسًا على عقب. لقد تمّ فعلًا تقديم قصة تحولات الأدب في لوحة جدارية أوروبية ضخمة، تسلّط الضّوء على مراحل التدهور المتتالية.
مع مطلع القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ازدادت أهمية الأدب بشكل غير متناسب: فقد كان بمثابة "دين ثانٍ". وفي منتصف القرن التاسع عشر، أحدث الأدب انقسامًا وانحصر في تقديس الشكل، كان ذلك هو عصر ما عُرف بـ "الفن للفن". في هذا العصر بدأ باب النفور من الأدب وعدم الاعتراف بجدواه يُفتح ولو بشكل موارَب. ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، ومع معاناتهم من الوضع الهامشي الذي وضعوا أنفسهم فيه، بدأ الكُتّاب في التقليل من شأن فنهم: كان ذلك بمثابة وداع الأدب. التوسع، والتمكين، ثم الانحطاط، هذه هي الجدلية التي قادته حتمًا من القمة إلى الهاوية. كيف نُقنع طُلّابنا فعلًا بهذا المسار المتحوّل؟ هذه هي مهمة مدرّس الأدب قبل منتج الأدب.


تحميل المقال التالي...