}

استعمار الزمن: الهندسة الخفيّة للوجود الفلسطيني

مليحة مسلماني 9 يناير 2026
آراء استعمار الزمن: الهندسة الخفيّة للوجود الفلسطيني
المخيمات الفلسطينية تمثل فكرة الزمن المعلق (Getty)
بينما يحتفل العالم ببداية العام الجديد، تظلّ الحياة الفلسطينية معلّقة بين لحظات الانتظار والخطر: أطفال في خيام غزة ينتظرون الغذاء والدواء، آخرون يولَدون على الحواجز العسكرية، مرضى وجرحى ينتظرون العبور للعلاج، شهداء يسقطون عن جدار الفصل العنصري، وأجيال تكبر في مخيمات اللجوء لتقيم في الزمن المعلّق في النكبة. هذه الفجوة بين زمن الاحتفال وزمن الواقع الفلسطيني تكشف عن استعمار الزمن كحقل للتحكّم والسيطرة، قبل أن يكون مجرد إطار لتمرير الأحداث.
لا يقتصر الاستعمار على مصادرة الأرض وإعادة ترسيم الجغرافيا، بل يمتد إلى مستوى أعمق وأشدّ خفاءً، يتمثل في السيطرة على الشروط التي تُعاش داخلها الحياة ذاتها. في التجربة الفلسطينية، يتجلى هذا المستوى في استعمار الزمن، بوصفه بنية تنظيمية للوجود اليومي، لا مجرد إطار محايد تمر داخله الأحداث. فالزمن هنا لا يعمل كامتداد طبيعي للحياة، بل كحقل مُدار خارجيًّا، تُحدَّد إيقاعاته وحدوده وفق منطق السيطرة لا وفق الاحتياجات الإنسانية ولوازم العيش.
منذ النكبة، تَشكّل الزمن الفلسطيني بوصفه تجربة وجودية خاصّة، لا تشبه الأزمنة التي تعرفها المجتمعات المستقرة، ولا تخضع إلى منطق التقدّم الخطّي. الزمن هنا كيان متداخل مع الواقع السياسي، والهوية، والجغرافيا، يتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويعيد صياغة الوعي الفردي والجماعي على حدّ سواء. لم يعد الوقت إطارًا محايدًا تجري داخله الحياة، بل صار بنية تُدار وتُراقَب وتُستنزَف، حتى غدا جزءًا من منظومة السيطرة الشاملة.

النكبة كمنعطف زمني

فتحت النكبة شرخًا في مسار الزمن الفلسطيني، فجعلته مفتوحًا على مفاهيم "الزمن المعلّق" و"الانتظار" و"المؤقّت" و"المؤجّل"، كما عبّر ناجي العلي في رمز حنظلة، الطفل الذي توقف عمره عند العاشرة منذ عام 1948. ومنذ النكبة، دخل الفلسطينيون في حالة انتظار طويلة، ألقت بظلالها الثقيلة على هويتهم وحيواتهم. اللاجئ الذي هُجِّر من قريته حمل معه الزمن كما هو: زمنًا متوقفًا عند لحظة التهجير، طائفًا حول فكرة العودة، متوترًا بين ذاكرة حاضرة ومستقبل مؤجّل. هكذا تحوّل الزمن إلى عبء ثقيل، ومسؤولية تُورَّث كما تُورَّث المفاتيح والصور والخرائط القديمة.

مع تشظّي الجغرافيا الفلسطينية، تشكّلت أزمنة متعدّدة داخل التجربة الواحدة (Getty)


في الوعي الفلسطيني، لا تَظهر النكبة بوصفها حدثًا تاريخيًّا منتهيًا، بل بوصفها لحظة تأسيسية للزمن المعاش. كل ما تلاها تَشكّل داخل ظلّها. المخيمات التي نشأت على أطراف المدن حملت في بنيتها فكرة المؤقّت ــ الدائم، حيث يعيش اللاجئون في مساكن صُمّمت لأيام، فتحوّلت إلى أحياء تمتد لعقود. لا يتراكم الزمن في المخيم/ المنفى بوصفه تاريخًا، بل يتمدّد بوصفه انتظارًا، ويُعاد إنتاجه في تفاصيل الحياة اليومية، في التعليم، والعمل، والزواج، وحتى في الأحلام. هذا التوقّف الزمني لم يبقَ محصورًا في المخيم، بل تسلّل إلى كامل التجربة الفلسطينية. صار الماضي حاضرًا بقوة، وصار المستقبل فكرة هشّة، قابلة للانكسار عند كل صدمة سياسية تعترض مسار التحرّر.

جغرافيا التشظّي وتعدّد الأزمنة

مع تشظّي الجغرافيا الفلسطينية، تشكّلت أزمنة متعدّدة داخل التجربة الواحدة. في قطاع غزة، يعيش الزمن تحت ضغط كثيف، يتحرّك بإيقاع الحصار وحروب الإبادة. تُقاس الأيام بقدرتها على الاحتمال، والأسابيع تُحدَّد وفق ما يصل من ماء وغذاء ودواء وكهرباء ووقود. التخطيط للمستقبل يتحوّل إلى مهارة مؤقتة، مرتبطة بمدى الاستقرار الآني. يحمل الزمن هنا طابع الطوارئ المستمرة، حيث تتقلّص المسافة بين الحياة والنجاة. الزمن في غزة هو بإيجاز: احتمالٌ بين موتٍ ونجاة.
داخل الخط الأخضر، يتشكّل الزمن بصيغة أخرى، حيث يعيش الفلسطيني في توتر دائم بين اندماج قسريّ وذاكرة حاضرة. الزمن هنا مزدوج: "زمن مدنيّ" يُطلب الالتزام به و"الانسجام" معه، وزمن تاريخي يحمل رواية مختلفة ــ سيرة المأساة. هذا الانقسام يخلق وعيًا زمنيًّا مشوّشًا، يُدار فيه الحاضر بحذر، وتُستعاد الذاكرة بوصفها مساحة مقاومة رمزية.
أمّا في الشتات، فيأخذ الزمن شكل الحنين المؤجّل. تمرّ عقود في بلدان اللجوء، لكن الزمن الداخلي يبقى مشدودًا إلى نقطة الانفصال الأولى. تتقدّم الأعمار، تتبدّل الأجيال، وتتغيّر الأمكنة، فيما تبقى فلسطين زمنًا ثابتًا في الوعي، يُستحضَر في اللغة والعادات والسرديات العائلية وفي هوية المخيم.
ربما تُشكّل كل من الضفة الغربية والقدس النموذج الأوضح للاستعمار الزمني، إذ يتجسّد الزمن هنا في شكله البيروقراطي المجزّأ. الحواجز والبوابات العسكرية، جدار الفصل العنصري، والطرق الالتفافية، ونظام التصاريح، الاعتقال اليومي، جميعها تعيد تنظيم اليوم الفلسطيني وفق منطق السيطرة. ساعات طويلة تُستنزَف في الانتقال بين نقطة وأخرى، ويُعاد رسم الخريطة الزمنية لليوم بناءً على احتمالات المرور والتأخير وعلى أوامر فتحِ أو إغلاقِ البوابات والحواجز العسكرية. تُحمَّل الذات الفردية بتوتر دائم، وتضعف الروابط الاجتماعية، كما تتآكل الإنتاجية تحت وطأة هذا الاستنزاف، وتتحوّل الطاقة الإنسانية إلى جهد مُهدَر في الحفاظ على سَيْر الحياة الأساسية.

الانتظار كثقافة جمعية

مع مرور العقود، تحوّل الانتظار إلى عنصر مركزي في الثقافة الفلسطينية. انتظار العودة، انتظار انتهاء الحرب، انتظار الهدنة، انتظار إعادة الإعمار، انتظار تصاريح الخروج والسفر، انتظار الإفراج عن الأسرى، انتظار تسليم جثامين الشهداء، انتظار الوصول إلى مكان البيت أو العمل، انتظار الحلول الشاملة للقضية. هذا التراكم يجعل من الانتظار بنية نفسية واجتماعية، تؤثّر في تشكيل الذات الفردية والجماعية، وفي طريقة التفكير، واتخاذ القرار، وبناء المشاريع الفردية والجماعية، بل تؤثر على تماسك الهوية الفلسطينية بشموليتها.
في هذا السياق، يحتل الانتظار موقعًا مركزيًّا في بنية الزمن المستعمَر. الانتظار لا يظهر كفاصل عابر بين لحظتين، بل كحالة زمنية قائمة بذاتها، تُنتج توترًا متراكمًا وتعيد تشكيل علاقة الإنسان بيومه. الزمن الذي يُقضى في الانتظار لا يُعترف به بوصفه جهدًا، ولا يُحتسب ضمن العمل أو الحياة، لكنه يستنزف الطاقة الذهنية ويُبقي الجسد في حالة استعداد دائم. ومع تكراره، يتحول الانتظار إلى نمط عيش، تُدار فيه الحياة وفق منطق الاحتمال وتفادي الخطر والخسارة، لا وفق منطق التقدم أو البناء.

تلعب الحواجز العسكرية والجدار والطرق الالتفافية دورًا حاسمًا في هذا الاستعمار الزمني (Getty)


تلعب الحواجز العسكرية والجدار والطرق الالتفافية دورًا حاسمًا في هذا الاستعمار الزمني، إذ تعمل بوصفها آلية تفكيك للزمن المنتِج. الرحلة اليومية الطويلة، بما تحمله من توتر وترقّب وتقطّع، لا تستهلك الوقود والوقت فحسب، بل تستنزف القدرة على التركيز والاستعداد الذهني. يصل الإنسان إلى عمله، أو إلى بيته، أو إلى مناسبة اجتماعية، وقد استُهلك جزء أساسي من طاقته الداخلية، فيبدأ يومه داخل زمن منقوص. العمل يُنجَز بعد أن يكون الجهد قد صُرف مسبقًا، فتتقلص المساحة المتاحة للإنتاج، بينما تُحمَّل النتائج على الفرد وحده.

زمنٌ أسير ووعيٌ قلِق

ينعكس هذا البناء الزمني مباشرة على الصحة النفسية. يتكوّن وعيٌ قلقٌ لا يرتبط بحدث استثنائي محدّد، بل بإيقاع الحياة ذاته. القلق يصبح حالة شبه دائمة، والإرهاق يتخذ طابعًا مزمنًا. الشعور بعدم السيطرة على الوقت يتسرّب إلى تفاصيل الحياة، ويُضعف القدرة على التوازن الذاتي الحقيقي. الزمن لا يُعاش بوصفه مساحة أمان، بل بوصفه مجالًا قابلًا للانقطاع في أي لحظة. هذا التوتر المستمر لا ينفجر، بل يترسّب، فيُنتج إنهاكًا نفسيًّا طويل الأمد يصعب تحديد مصدره بدقة.
على المستوى الاقتصادي، يتجلّى ذلك في تأجيل المشاريع، وفي هشاشة التخطيط طويل الأمد، وفي صعوبة بناء استقرار اقتصادي متين. الإنتاجية لا تتراجع بسبب نقص القدرة، بل بسبب استنزاف الزمن في مساحات لا تُنتج قيمة، بل تحافظ على الحدّ الأدنى من الاستمرار.
على المستوى الاجتماعي، يُعاد تشكيل العلاقات داخل هذا الإيقاع غير المستقر. المواعيد تُدار ضمن هامش واسع من الاحتمال، والالتزام يصبح جهدًا إضافيًّا لا ممارسة طبيعية. الحياة المشتركة تُبنى على افتراض الانقطاع، لا على استمرارية الزمن وبديهيات التواصل العائلي والاجتماعي. الذهاب إلى عرس أو جنازة يعني التزامًا مضاعفًا، وتوترًا، ونقاشًا مسبقًا حول إمكانية الوصول وزمن الوصول. ومع الوقت، يتسلل هذا الإيقاع إلى النسيج الاجتماعي نفسه، فيُضعف الثقة بالقدرة على التواصل الاجتماعي، ويُجزّئ التجربة الجماعية إلى لحظات مؤقتة.
أما على المستوى الوجودي، فينتج عن استعمار الزمن تقلُّص واضح في الأفق الزمني. المستقبل لا يُعامل كمسار قابل للبناء، بل كفرضية هشّة. التخطيط يتحول إلى تقدير مخاطر، والمشاريع الطويلة تُؤجَّل، والاستثمار في اللحظة يُخفَّف، لأن الزمن ذاته غير مضمون الاستمرار. هكذا يتكوّن نمط عيش قائم على حاضر مؤقّت، تُعاش فيه اللحظة دون قدرة على الإقامة فيها أو التراكم فوقها، فيغدو الزمن سلسلة وحدات منفصلة لا تُنتج سيرة متصلة.
ضمن هذا السياق، تُطرح مسألة الإنتاجية بوصفها إشكالًا أخلاقيًّا زائفًا. يُحمَّل الفرد مسؤولية نتائج زمن لا يملكه، ويُفسَّر التعب على أنه ضعف ذاتي، بينما يكمن الخلل في بنية زمنية مُستعمَرة تُصادر الجهد قبل أن يتحول إلى إنجاز. الوقت المستنزف في الوصول والانتظار والترقّب لا يظهر في الحسابات، لكنه يحدد فعليًّا سقف القدرة على العمل والإبداع. تنشأ فجوة دائمة بين ما يُبذل وما يتحقق، تُقرأ اجتماعيًّا بوصفها تقصيرًا، بينما هي نتاج مباشر لهدر زمني منظَّم.
الأخطر في هذا الاستعمار لا يكمن فقط في آلياته، بل في تطبيعه. مع التكرار، يتحول الإنهاك إلى حالة مألوفة، ويُستوعب الانتظار بوصفه جزءًا طبيعيًّا من الحياة. عند هذه النقطة، يؤدي الزمن ذاته وظيفة السيطرة، دون حاجة إلى عنف مباشر. الإطالة، التأجيل، التعليق، والاستنزاف البطيء تصبح أدوات فعّالة لإدارة الوجود وإفراغه من قدرته على التراكم والمعنى.

تحرير الزمن الفلسطيني

استعادة الزمن، في هذا الإطار، لا تُختزل في تحسين شروط الحركة أو تقليص فترات الانتظار، بل تمثّل شرطًا تحرريًّا أساسيًّا. امتلاك القدرة على الحركة، والتخطيط، وعلى بناء المستقبل، وعلى الإقامة في اللحظة دون خوف من انقطاعها، يشكل جوهر الحياة الإنسانية الكاملة. استعمار الزمن يحوّل الحياة إلى جهد بلا أفق، فيما تعني استعادته إعادة فتح إمكانية المعنى والتراكم، بل تعني إعادة فرض الحضور الفلسطيني في مواجهة محاولات طمسه.
حين يُدار الزمن من خارج إرادة الإنسان، يبقى الوجود مجزّأً مهما بدا حاضرًا. وحين يُستعاد الزمن، تُستعاد معه القدرة على الوجود، والهوية، والمعنى الحقيقي للحياة. تحرير الزمن يعني أن تتحرر الحياة الفلسطينية من كونها مجرد سيرة انتظار طويل.

من أعمال ناجي العلي (Getty)


ولا يمكن فهم استعادة الزمن الفلسطيني بوصفها فعلًا واحدًا أو حلًّا مباشرًا، بل بوصفها عملية مقاومة مركّبة، تبدأ أولًا بالوعي بأن الزمن نفسه مُستعمَر، من هنا تبدأ عملية مقاومة استعمار الزمن. ما لا يُفْهم لا يُرى أثره ولا يُصنَّف ولا يُسمّى، وما يُفهم بوصفه "قدرًا يوميًّا" يتحول إلى عبء صامت بدل أن يُرى كأداة سيطرة. الوعي بأن الانتظار، والهدر، والمعلّق، والمؤجّل والمؤقّت، ليست خصائص طبيعية للحياة، بل نتائج هندسة استعمارية، يشكّل الخطوة الأولى في كسر التطبيع مع الزمن المسلوب.
على المستوى الفردي، لا تعني استعادة الزمن القدرة على التحكّم الكامل به، فهذا محض وهم في سياق السيطرة القائمة، لكنها تعني إعادة تعريف العلاقة معه. حين يتوقف الفلسطيني عن تحميل ذاته ذنب التعب والتأجيل والانقطاع، ويتعامل مع المخاطر والإرهاق بوصفها نتيجة بنية استعمارية قسرية لا خللًا أخلاقيًّا خاصًّا به، يبدأ باسترداد جزء من الزمن النفسي. الزمن لا يُستعاد فقط بعدد الساعات والأيام، بل بالمعنى الذي يُعطى لما تبقّى منها. تحويل بعض أزمنة الانتظار إلى مساحات وعي، أو كتابة، أو تفكير، أو إعادة تنظيم داخلي، لا يحرر الزمن ماديًّا، لكنه يمنع الاستعمار من السيطرة الكاملة على التجربة الداخلية ــ التوازن النفسي للفلسطيني.
اجتماعيًّا، تبدأ استعادة الزمن حين يُعاد بناء العلاقات خارج منطق الاستعجال والتبرير الدائم. الاعترافُ الجماعي بأن التأخير، والانقطاع، وعدم الالتزام أحيانًا هي نتائج نظام زمني قسري، يخفف الضغط الأخلاقي عن الأفراد، ويعيد للزمن طابعه الإنساني. حين تُدار العلاقات بتفهّم الإيقاع المفروض بدل محاكاته، يتكوّن زمن اجتماعي بديل، أقل قسوة، وأكثر واقعية.
ثقافيًّا، تُستعاد السيطرة على الزمن عبر تفكيك خطاب الإنتاجية القسري. مقاومة فكرة أن قيمة الإنسان تُقاس بما يُنتجه داخل زمن مسروق هي فعل ثقافي عميق. الاعتراف بالتعب، وبالإنهاك، وبالبطء القسري، بوصفها تجارب مشروعة لا فشلًا، يعيد للزمن بعده الإنساني. الثقافة التي تسمح بالبطء، وبالتأمل، وباللااكتمال، تُقاوم استعمار الزمن بقدر ما تُقاوم استعمار المكان.
سياسيًّا، لا يمكن استعادة الزمن دون تفكيك البُنى التي تحاصره وتسلبه. الحواجز والحصار والإغلاق، والتصاريح، والطرق الالتفافية، ليست مجرد عوائق حركة، بل أدوات سيطرة زمنية. أي مشروع تحرري جاد لا يضع الزمن في قلب مطالبه، يبقى مشروعًا ناقصًا. استعادة القدرة على التخطيط، على الحركة والوصول، على بناء يوم يمكن التنبؤ به، هي في جوهرها استعادة لجزء من السيادة على الحياة.

تحول حنظلة إلى رمز عالمي للتحرر من الاستعمار (Getty)


وجوديًّا، تُستعاد أجزاء من الزمن حين يُرفض اختزال الحياة في الانتظار، حين يُصرّ الإنسان على خلق معنى داخل الزمن المعلّق، لا بوصفه تعويضًا، بل بوصفه فعل بقاء واعٍ. هذا لا يُنهي الاستعمار، لكنه يمنعه من تحويل الوجود كله إلى فراغ مؤجّل. استعادة الزمن الفلسطيني ليست وعدًا قريبًا، ولا فعلًا كاملًا في ظل السيطرة القائمة. لكنها تبدأ حين يُفهم أن الزمن ليس محايدًا، وأن استعماره ليس قدرًا، وأن مقاومته لا تعني السيطرة عليه بالكامل، بل منع تحويل الحياة إلى انتظار صرف. فالتحرر الحقيقي لا يبدأ حين تُستعاد الأرض فقط، بل حين يعود الزمن صالحًا لأن يُعاش.
في مواجهة هذا الواقع، تبرز مسألة تحرير الزمن بوصفها أفقًا للتحرّر الوجودي، قبل أن تكون برنامجًا سياسيًّا. استعادة الزمن تعني إعادة وصل الحاضر بالمستقبل، وتحويل الذاكرة من عبء إلى طاقة دافعة. تعني إعادة الاعتبار للقدرة على التخطيط، وعلى تخيّل أفق يتجاوز الانتظار. هذه الاستعادة تبدأ على مستوى الوعي، عبر تفكيك ثقافة التعليق والتأجيل، وإعادة تعريف الصبر بوصفه فعلًا واعيًا، لا حالة شلل. يمكن أن تتجلّى هذه الاستعادة في الممارسات اليومية الصغيرة: التعليم، والإنتاج الثقافي، وبناء المبادرات، وحفظ السردية، وصناعة المعنى داخل الزمن المتاح.
حين يحرّر الفلسطينيُّ زمنَه، فإنه يستعيد قدرته على الفعل، ويحوّل الانتظار من حالة مفروضة إلى وعي تاريخي مؤقّت، مشدود نحو المستقبل. في هذا الأفق، يصبح الزمن مساحة مقاومة، وتغدو الحياة فعل حضور، لا مجرّد محاولة بقاء. 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.