أطلق الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في أوائل شهر أيلول/ سبتمبر الماضي بطولة كأس الـ 1000 شهيد في الضفة الغربية وغزة ومخيمات اللاجئين في لبنان، كأول نشاط رياضي وكروي منذ نهاية عام 2023، لتكريم وتخليد الضحايا الرياضيين لحرب الإبادة في غزة، الذين تجاوز عددهم 1000 شهيد، بينما تم اعتماد الرقم مجازًا.
بدايةً يمكن تفهم توقف النشاط الرياضي مع انطلاق حرب الإبادة قبل ثلاث سنوات، واستنساخها، ولو بوتيرة أخف، في الضفة الغربية، لكنها، أي الحرب، انتهت عمليًا العام الماضي، ونظريًا حتى قبل ذلك، وما كان يجب أن يتواصل توقف النشاط الرياضي بشكل عام، وكرة القدم بشكل خاص، طوال هذه المدة، بمعنى أن انطلاق هذه البطولة قد تأخر لسنة تقريبًا.
هنا لا بد من التذكير بأهمية الرياضة، وكرة القدم تحديدًا، التي كانت دومًا أكثر من مجرد لعبة في فلسطين والعالم، الذي كان قد تحول فعلًا إلى قرية صغيرة بالمعنى الرياضي قبل أن يحدث ذلك تكنولوجيًا بسنوات، بل عقود طويلة، علمًا أن فكرة الأولمبياد -1896- والمونديال -1930- كانت ولا تزال أممية بامتياز، وقائمة على هذه القاعدة أساسًا.
في السياق الفلسطيني كانت الرياضة ولا تزال واحدة من أساليب وأشكال العناد والصمود في مواجهة الاحتلال، وجزءًا أصيلًا من الرواية والذاكرة في مواجهته، وبعد تأسيس السلطة منذ ثلاثة عقود باتت ركنًا أساسيًا من أركان تجسيد الكينونة الفلسطينية على كافة المستويات، وحق الشعب الصامد والعنيد في تحقيق آماله الوطنية بالسيادة والاستقلال وتقرير المصير.
هذا ينقلنا إلى التذكير بجرائم الاحتلال بحق الرياضيين في الضفة وغزة طوال سنوات، بل عقود، وبالسياق، كان بالإمكان أفضل لمواجهتها مما كان، مع ضرورة تقليب كل حجر واستنفار الجهود بظل بيئة رياضية دولية مهيأة لمعاقبة إسرائيل ومحاسبتها على جرائمها بغزة وبالضفة والقدس كذلك، مع التذكير، على سبيل المثال، بتدمير ملعب اليرموك، أكبر وأعرق ملاعب القطاع، وتحويله إلى سجن كبير للاعتقال والتحقيق، كما بمشهد إلقاء القنابل المسيلة للدموع داخل حرم أحد الملاعب بالقدس المحتلة، وقبل ذلك وبعده العدد الكبير من الشهداء الرياضيين بحرب الإبادة.
وعليه فالبطولة جاءت متأخرة وأقل مما ينبغي، مع انطلاقها بمشاركة 232 ناديًا في الضفة الغربية -146- وغزة -50- ومخيمات لبنان -36-، واستثناء غير مبرر لمخيمات سورية، رغم اهتمام السلطة وقيادتها المستجد والمثير بملف الفلسطينيين أو، للدقة، ممتلكاتهم هناك، ومع تفهم الحساسية تجاه إمكانية إجرائها بالأردن، لكن بما لا يلغي توسيع الدائرة لتشمل الشتات الفلسطيني الجديد بعد الحرب والثورات العربية، بظل الحديث عن وجود ربع مليون فلسطيني بمصر - قال لي أحد المسؤولين إنه صدم عندما سمع من أحد المعنيين أن الرقم الفعلي قد يلامس حدود نصف مليون - كما أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية وآسيا - ماليزيا مثلًا - حيث توجد جالية فلسطينية معتبرة.
وبالعودة إلى البطولة المهمة لكن المتأخرة، تجب قراءتها عبر وضعها في ثلاثة سياقات أساسية، على رأسها السياق الوطني، لتسليط الضوء على البعد الرياضي لجرائم الإبادة الإسرائيلية في غزة والعدد الكبير من الشهداء الرياضيين، ضمن عملية وسيرورة مستمرة، مع رموز كالشهيد سليمان عبيد - بيليه فلسطين - وملعب اليرموك، مع عدم تجاهل الجرائم في الضفة الغربية عبر التضييق على حركة الرياضيين وتدمير وانتهاك حرمة المؤسسات والملاعب الرياضية ومنع إقامة المسابقات بوجود 1000 حاجز للاحتلال، في انتهاك فظ للوائح فيفا والميثاق الأوليمبي المؤسس للعمل والنشاط الرياضي بالعالم.
انتهاكات الاحتلال تشمل أيضًا إقامة بطولات رسمية برعاية الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، ومشاركة أندية المستوطنات غير الشرعية المقامة على أراضٍ محتلة ووفق القانون الدولي.
إلى ذلك لا بد من التأكيد على أنه لا خلاف على البعد الوطني للبطولة وعنوانها العام، لكنها مع ذلك بدت مسيسة، أو للدقة حزبية وفئوية، أكثر من اللازم، بمشاركة نائب الرئيس حسين الشيخ (السيد النائب - على طريقة صدام حسين بالعراق منتصف السبعينيات)، وعلى غير عادته في حفل الافتتاح كان يدًا بيد مع جبريل الرجوب في مشهد بدا أشبه بالعراضة الانتخابية. وثمة قرائن متزايدة على أن انطلاقة ورعاية البطولة كانت جزءًا من تفاهم أوسع مع الرجوب لعودته إلى أمانة سر اللجنة المركزية لحركة فتح، بعد "حرد" استمر لشهور، مقابل الإقرار برئاسة حسين الشيخ لها، التي رفضها الرجوب بعد المؤتمر الثامن للحركة في منتصف أيار/ مايو الماضي.
بدت البطولة مسيسة، أو للدقة حزبية وفئوية، في غزة ولبنان، مع رعاية عضو مركزية فتح أمين السر للحركة في القطاع أحمد حلس، وركله الكرة الافتتاحية للبطولة رغم عدم امتلاكه أي صفة رسمية ومؤسساتية للقيام بذلك.
وفيما يخص الرجوب فهو يحتل منذ سنوات طويلة، وبشكل غير منطقي، برأيي، الرئاسات الرياضية المركزية الثلاث: اتحاد كرة القدم، واللجنة الأولمبية، والمجلس الأعلى للشباب والرياضة، واستثمار هذه المناصب لتكريس ثقله ونفوذه بحركة فتح والساحة السياسية والحزبية بشكل عام، علمًا أن مهامه الثقيلة بأمانة سر الحركة ونشاطه السياسي والحزبي، وتوليه لفترة حوارات المصالحة مع حماس، واستعداده للانتخابات والسيناريوهات تجاه إجرائها وفق الخطة أ أو إلغائها وفق الخطة ب، وإعادة تشكيل المؤسسات الفلسطينية بالتوافق، تمنعه، أو بالحد الأدنى لا توفر له، مساحة مناسبة لسبعيني -73 سنة- للاهتمام بالرياضة وأزماتها ومقارعة الاحتلال بالساحات والميادين العالمية.
في كل الأحوال، وبنظرة عامة على المشهد الفلسطيني بكافة أبعاده وجوانبه، بما في ذلك العجز عن عزل إسرائيل ومحاسبتها على جرائمها بحق الرياضة والرياضيين في غزة وفلسطين بشكل عام، رغم البيئة الدولية المواتية، والبطولة المتأخرة أكثر من اللازم والأقل من اللازم، والتي جرى تجييرها فئويًا وشخصيًا، فإننا نجد أنفسنا أمام برهان إضافي على ضرورة القيام بإصلاح شامل "لا طريق التفافي عليه"، وتغيير شامل للقيادات السبعينية والثمانينية والتسعينية المترهلة والمتحكمة بالساحة الفلسطينية سياسيًا ورياضيًا منذ عقود طويلة.


تحميل المقال التالي...