بعد سنة ونيف من إسقاط نظام البعث ــ الأسدين، أهلَّ علينا العام الجديد 2026 بسلسلة من النواظم للمجال العام في سورية. وتمثّل ذلك بـ(ميثاق شرف الأعضاء المنتسبين إلى اتحاد الكتاب العرب)، و(ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي)، و(ميثاق شرف للإعلاميين السوريين). وفي هذا السياق، يستذكر المرء (وثيقة عهد وميثاق) التي أصدرها الإخوان المسلمون في سورية في 25/3/2025 "من أجل السوريين جميعًا"، كما ابتدأت الوثيقة القول. ومن هذا القول إن المراد هو دولة مدنية حديثة تقوم على دستور مدني تضعه جمعية تأسيسية منتخبة، دولة ديمقراطية تعددية تداولية ذات نظام حكم جمهوري نيابي، تلتزم بحقوق الإنسان، ومنها حرية الاعتقاد والعبادة.
ولئن كان حديث هذه الوثيقة وأصحابها ذا شجون، فالمقام هنا ليس لذلك، بل لاتحاد الكتّاب العرب الذي تأسس عام 1969. وكان في عضوية مكاتبه التنفيذية خلال سبعينيات القرن الماضي نجوم الثقافة، مثل أنطون مقدسي، وسعد الله ونوس، وزكريا تامر، ومحي الدين صبحي، وحنا مينة، وخلدون الشمعة. ومن هؤلاء من عمل لفترة مع علي عقلة عرسان عندما تولى الاتحاد عام 1977، وظلّ مهيمنًا عليه حتى عام 2005، فأغرق الاتحاد خلال ثمانية وعشرين عامًا بجحافل ــ مئات الأعضاء من (البعثيين)، وجلهّم من المستويات الأدبية الدنيا. والمهم من هذا الآن أن هؤلاء هم سرّ ما يبدو عليه الاتحاد من انتفاخ (تضخم) وترهّل، فلا يقدم ولا يؤخر في الأمر أن تعين أو تبدل (الأمانة العامة للشؤون السياسية) في وزارة الخارجية مكتبًا تنفيذيًا، أو رئيسًا. وكانت إدارة الشؤون السياسية قد عينت (مجلس تسيير أعمال اتحاد الكتاب العرب) في 10/4/2025 برئاسة الشاعر والناشر محمد طه العثمان، الذي وعد بانتخابات ديمقراطية في الاتحاد خلال سنة. لكن العثمان استقال قبل أن يكمل شهره السادس، وعينت الإدارة نفسها بدلًا منه أحمد جاسم الحسين، وكل ذلك في غياب للشفافية وللاستقلالية، مثلما هي الحال في اتحاد الناشرين، أو نقابة الفنانين، أو نقابة المحامين، أو نقابة الأطباء، أو نقابة المهندسين... إلى آخر تعيينات إدارة الشؤون السياسية، والتعيين في النهاية، ومهما تكن ضروراته الانتقالية، ينال من المهنية والاستقلالية، وينادي التبعية للسلطة.
من المعلوم أن ثمة تجمعات نقابية أخرى للكتّاب خارج سورية لا تزال بعيدة عما يجري في الداخل نقابيًا. ولم يتأخر الاتحاد في إعلانه (ميثاق شرف للأعضاء المنتسبين إلى اتحاد الكتاب العرب). وقد جرى تعميم الإعلان على الأعضاء ــ وهم أعضاء ما قبل السقوط ما عدا عدد محدود جرى تنسيبهم، أو آخرين جرى فصلهم بعد تكليف أحمد جاسم الحسين ــ وطُلب التوقيع على الميثاق الذي تضمّن مبادئ عامة، والتزامات. أما المبادئ العامة فأولها "الالتزام برسالة الاتحاد في خدمة الأدب والفكر والثقافة، والدفاع عن حرية الكلمة المسؤولة". وهنا أسرع إلى إعلان تخوّفي من كلمة (المسؤولة)، وكلمة (المسؤولية)، مثلهما مثل كلمة (البنّاء) في القول الشهير المجلجل بـ(النقد البنّاء). وسرّ التخوف، بل والتشكك، هو ببساطة، ما تعنيه كلمة (مسؤولة)، أو كلمة (المسؤولية)؟ ومن يحدد هذا الذي تعنيه؟ فكل نظام يردد هاتين الكلمتين ويحمّلهما من المعنى/ المعاني ما يناسبه ويحتاجه. ولئن سُئلتُ عن البديل، فإنني أُعلن جهلي بفخر. ومهما يكن من أمر فإنني أفضل أن تبقى (الكلمة) مطلقة وحرة بلا توصيف يقيدها.
في المبدأ الثاني من المبادئ العامة جاء ما هو أساسي لأي تجمع أو نشاط عام أو فردي، وهو "احترام القيم الإنسانية العليا التي أقرتها الشرائع الدولية، وتعزيز روح الانتماء الوطني، والوقوف ضد كل أشكال التعصب والتفرقة، وخطاب الكراهية والطائفية". ولا يخفى صدى ما تمور به سورية منذ أكثر من سنة في هذا المبدأ الثاني. أما المبدأ الثالث والأخير فهو "المحافظة على سمعة الاتحاد وهيبته، والامتناع عن أي فعل أو قول يسيئ إلى مكانته الأدبية والثقافية". وهنا يعاجلني التخوف من كلمة (يسيئ)، لأنها تلتبس بدرجات معارضة العضو للمؤسسة، واختلافه معها في بعض مبادئها، واختلافه مع إدارتها، وأشكال وتدرجات هذا الاختلاف، والتعبيرات عنه. وما دام لا يمكن وضع مقياس حرارة جامع مانع هنا، أليس الأفضل هو الحذف، أو الاكتفاء بالجملة الأولى من هذا المبدأ الثالث؟
بالانتقال إلى ما جاء في ميثاق الشرف من الالتزامات الأخلاقية، يبقى التخوف والتشكيك مع البند الأول منها، وهو: "الالتزام بأخلاقيات المهنة الأدبية، والابتعاد عن الإساءة، أو التشهير، أو التحريض". أليس للمرء/ العضو(ة) أن يتساءل عن أي إساءة يجري الحديث؟ عن أي تشهير بمن، وتحريض على من؟ هل يتردد في هذا البند صدى المرحلة السياسية التي تمر بها سورية؟ ألا يمكن اعتبار أي نقد، أو اعتراض، أو تساؤل، لإدارة المؤسسة، أو لسياساتها تشهيرًا أو تحريضًا؟ أين هو ميزان الذهب؟ هل يشمل هذا البند ما قد يصدر عن العضو(ة) بصدد قيادات ومؤسسات السلطة والدولة؟ وهل هذا كله من قبيل (التنظيم)، أم (التقييد)؟
تشكل بقية الالتزامات الأخلاقية في ميثاق الشرف ألف ياء ــ وليس فقط ألف باء ــ الكاتب(ة) والكتابة والثقافة بعامة، من احترام حقوق الملكية الفكرية، وعدم الانخراط في أي نشاط ينتهك حقوق الآخرين (البند الثاني)، ومن التحلي بالنزاهة الفكرية، والامتناع عن السرقات الأدبية، أو الانتحال، أو التزييف (البند الثالث)، حتى إذا بلغنا البند الرابع والأخير ــ وهو (الالتزام بالموضوعية والصدق في التعبير، والابتعاد عن التضليل أو نشر الأخبار الكاذبة) ــ عاد عاليًا صدى ما تمور به سورية منذ أكثر من سنة، بعد سقوط نظام البعث ــ الأسدين.
| |
| محمد طه العثمان أول رئيس معين لاتحاد الكتاب العرب في سورية في فترة ما بعد سقوط النظام الأسدي استقال بعد ستة أشهر فقط من تعيينه |
هل يتعلق هذا البند من الالتزامات الأخلاقية بالكتابة؟ وإذا كان كذلك فأين هو ميزان الذهب في متاهة الصدق في التعبير، وبالتالي: متاهة التخييل والمجاز والأدبية والجمالية؟ وإذا كان الأمر يتعلق فقط بممارسة عضو الاتحاد للعضوية، فماذا عن الاختلاف والمعارضة والنزاهة في الحكم على الممارسة؟ أين هو ميزان الذهب، للمرة الثالثة؟
بالوصول إلى الالتزامات المهنية في ميثاق الشرف، ينتأ البند الثالث الذي يكرّس بجلاء وبفجاجة هيمنة الإدارة، حيث على العضو(ة)، ليس فقط "الالتزام بقرارات الهيئات الإدارية والتنظيمية في الاتحاد"، بل أيضًا: "العمل وفق ما يصدر عنها من تعليمات وتوجيهات". وأخيرًا، تأتي الالتزامات القانونية، فالميثاق، وإن يكن (ميثاق شرف) لا يكفي معه أن يعطي العضو(ة) كلمة شرف، ولا يكفي أن يعد، ولا حتى أن يقسم بشرفه. على العضو التزامات قانونية قد تصل به إلى المحاكم فيما يلتبس بصيغة الوعيد، وليس فقط التحذير. على العضو في البند الثاني من الالتزامات القانونية: "احترام القوانين والأنظمة النافذة في الدولة، وعدم استخدام الاتحاد كمنبر لأي نشاط غير قانوني".
والأمر كذلك، كان على منظمي الميثاق تحديد ما هو النشاط القانوني والنشاط غير القانوني، فقد يكون هذا المواطن (المشكوك بأمره؟) العضو(ة) لم يدرس الحقوق، ولا يحفظ القوانين، بل قد يكون معترضًا ومعارضًا لقانون، أو أكثر من قوانين الدولة. وقد يكون جاهلًا بتبدلات وتعديلات القوانين. وقد يكون عضوًا في حزب، أو تجمّع، أو منظمة ــ مما سينشأ عندما يصبح مسموحًا للأحزاب والتنظيمات السياسية بالعمل ــ له مواقف وتعبيرات سلمية معارضة لقانون، أو لقوانين. ولكن السؤال الأوْلى هو: ما شأن الاتحاد بكل ذلك؟ هل هو تابع للدولة، أم محام لها، أم داعية، أم هو كيان مستقلّ، من دون أن تعني الاستقلالية مروقًا على القانون والنظام العام؟
والآن، بالنظر إلى الميثاق بجملته، وبالتالي بالنظر إلى الأسئلة والتساؤلات السابقة بجملتها، يبدو لي كأنما ينطلق الميثاق من التشكك بالعضو(ة)، من الارتياب به، لذلك ترى الميثاق يحوّط العضو(ة) ويتحوَّط له، فيحسب كاتب مثلي أنه أمام الكاتب بالعدل في غرفة شحيحة الضوء، يوقّع عقدًا مع شركة يتعاظم صاحبها، بينما يتقزم الكاتب. وبعبارات أخرى، يبدو أن الميثاق لا يقدر أية خصوصية لـ(حرفة الشوم)، للكتابة، للإبداع، للكاتب(ة) المبدع. وبالطبع، لست أعني بالخصوصية أية امتيازات تقلل من المسؤولية المجتمعية، بل أذكّر ــ فقط ــ بأن الحكم الأول والأخير في (حرفة الشوم) هو الضمير. ومن يخون ضميره أو يبيعه أو يخدره بمال أو منصب أو بالخوف أو أي مخدر، لن يلجمه تعهّد كالتعهد الذي تطلب إدارة الاتحاد من الأعضاء التوقيع عليه. وما دام الأمر كذلك، لا أدري لماذا لم ينظم الاتحاد حفلًا للتوقيع على ميثاق الشرف كما كان مع ميثاق الشرف للإعلاميين السوريين.
من بين ما في المجال العام مما هو أقرب إلى اتحاد الكتاب، يأتي اتحاد الناشرين. وكما كان في اتحاد الكتاب، عيّنت إدارة الشؤون السياسية مكتبًا تنفيذيًا ورئيسًا لاتحاد الناشرين بعد سقوط النظام البعثي الأسدي. وسُمّي التعيين في 22/5/2025 تكليفًا لإدارة مرحلة انتقالية إلى حين (جهوزية الانتخابات القانونية). غير أن عبد الحميد الغوثاني، رئيس الاتحاد الجديد، نقل إلى مدير النقابات (مسؤول النقابات في إدارة الشؤون السياسية) في 1/20/ 2026 رغبته في الاستقالة، وأجّل تقديمها إلى ما بعد معرض دمشق الدولي للكتاب (5 ــ 16/ 1/ 2026). وقد علمت بالأمر فقط عندما أعلنه الغوثاني على الواتس، وبرر عزمه على الاستقالة ــ وهو ما دعاه كثيرون إلى العودة عنها ــ بتأخر عدد من المتطلبات الأساسية لنجاح العمل، ومن ذلك عدم توفر مقر مناسب، وتأخر الدعم للملفات الحيوية كتراخيص دور النشر، وتأشيرات الناشرين السوريين إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب دورة 2026، وكذلك التدخل الذي وصفه الغوثاني بغير المنطقي في أمر الترشح لاتحاد الناشرين العرب، وأمور أخرى. وكتب عبد الله الشلاح: "لاحظنا جميعًا حالة من الجمود مع الوزارتين (يقصد وزارة الثقافة ووزارة الإعلام) ومع الإدارة السياسية، تجلت في عدم تمكننا من عقد اجتماع عمل موسع واحد مع كلا الوزيرين الثقافة والإعلام، بالرغم من الطلبات المتكررة، وتقديم خطط عمل عدة رائدة على مستوى المنطقة". وإذ اقترح ناشر على مجموعة الواتس المعنية التصويت على من يوافق على استقالة رئيس الاتحاد ومن لا يوافق، كتب ناشر أن رئيس الاتحاد الغوثاني مكلف من الحكومة، وليس منتخبًا، وبالتالي ليست المجموعة (الواتسية) صالحة قانونيًا للتصويت.
تنادي رغبة رئيس اتحاد الناشرين عبد الحميد الغوثاني بالاستقالة استقالةَ محمد طه العثمان الرئيس السابق لاتحاد الكتاب خلال شهور معدودة من تكليفهما بالرئاسة، ومن دون أن يقطع الاتحادان خطوة واحدة نحو الانتخابات الموعودة، بينما يصدعنا السؤال عما إذا كنا أمام تنظيم وضبط أم نحن أمام تطويب السلطة السياسية لهذين الاتحادين كخطوة من خطى حثيثة لتنظيم، أو ضبط، أو تطويب المجال العام في سورية؟ هل هذا من قبيل توسيع الحريات النقابية والحياة العامة أم من قبيل التضييق؟


تحميل المقال التالي...