لطالما كانت الحرب الميدان الأكثر قسوة لاختبار الأخلاق. حيث تصطدم ما تسمّى "الضرورة العسكرية" بمبادئ الحد من العنف وحماية الأبرياء، لتكشف عن هشاشة المفاهيم الأخلاقية أمام واقع الصراع. غير أن هذا العصر حيث الصراعات دائمة، يهدد اليوم بتحطيم هذا الاختبار نفسه. فرغم أن النقاش حول أخلاق الحرب ليس حديثًا، إلا أنه، وفي السنوات الأخيرة، وبعد حرب غزة، ومع الحرب المفتوحة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى لا بد أن يعود إلى الواجهة بقوة. إذ لم تعد الأسئلة الأخلاقية شأنًا نظريًا يقتصر على دوائر الفلسفة السياسية، بل أصبحت جزءًا من الصراع على تبرير الحرب أخلاقيًا وقانونيًا. وإننا نرى أن الحروب المعاصرة لا تخاض في ساحات القتال فقط، بل عبر المفاهيم التي تستخدم لتبريرها أيضًا. والمشكلة هنا أن اللغة الأخلاقية التي صاغها الفلاسفة لتنظيم الحروب لم تعد تعمل بالوضوح نفسه في الصراعات اليوم. ولهذا فإن الحروب المعاصرة لا تختبر أخلاق الحرب فحسب، بل تكشف أيضًا حدود النظرية التي صيغت لتنظيمها.
نشأت نظرية الحرب العادلة عبر قرون طويلة من التفكير الفلسفي، من القديسين أوغسطين وتوما الأكويني وصولًا إلى فلاسفة معاصرين مثل مايكل والتسر وجيف مكماهن. والفكرة الأساسية للنظرية بسيطة في ظاهرها: فالحرب رغم عنفها، لا تعفي الفاعلين من الحكم الأخلاقي، بل تجعل هذا الحكم أكثر ضرورة. وهكذا تشكّلت مجموعتان من القواعد: jus ad bellum، التي تحدّد شروط مشروعية اللجوء إلى الحرب، وjus in bello التي تحدّد القواعد الأخلاقية لسلوك الأطراف أثناء القتال.
ويقدّم والتسر أحد أكثر الأطر تأثيرًا في هذا المجال. فهو يربط أخلاق الحرب بحقوق الجماعات السياسية، ويرى أن العدوان يمثل الجريمة الأساسية لأنه ينتهك سيادة المجتمعات. ومن هذا المنطلق يصبح الدفاع عن النفس مبررًا أخلاقيًا. وتنشأ عن هذا المبدأ قواعد: التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في استخدام القوة، وحصانة غير المقاتلين. كما يدافع والتسر عن فكرة مثيرة للجدل تعرف بـ"التماثل الأخلاقي بين المقاتلين". إذ يجب أن يعامَل المقاتلون على الجانبين تبعًا لهذا المبدأ بالطريقة نفسها حتى لو اختلفت عدالة القضايا التي يقاتلون من أجلها. ويحافظ هذا التماثل، في رأيه، على الحد الأدنى من النظام في الحرب ويمنعها من الانزلاق إلى فوضى مطلقة. وجدير بالذكر أن والتسر استند في تحليلاته إلى أمثلة تاريخية من الحرب العالمية الثانية، حيث اعتبر مقاومة الاحتلال النازي نموذجًا واضحًا للحرب الدفاعية المشروعة.
وقد واجه تصور والتسر نقدًا فلسفيًا عميقًا في السنوات الأخيرة. فقد جادل الفيلسوف جيف مكماهن بأن العدالة لا يمكن أن تكون محايدة بين المعتدي والمدافع؛ فالمقاتل الذي يقاتل في حرب عدوانية لا يمتلك الحق الأخلاقي نفسه في القتل الذي يمتلكه من يدافع عن نفسه. وتبرز هنا بوضوح الهشاشة داخل نظرية الحرب العادلة؛ فعندما نشدد على التماثل الأخلاقي بين المقاتلين، فقد نفقد القدرة على إدانة العدوان بوضوح، أما إذا رفضنا هذا التماثل فقد نهدد الإطار القانوني الذي يقيد العنف في زمن الحرب.
ومن زاوية أخرى، ذهب بعض فلاسفة الحرب المعاصرين إلى التشكيك في افتراض أعمق داخل النظرية نفسها، وهي المقارنة بين حق الفرد في الدفاع عن نفسه وحق الدولة في خوض الحرب. فقد جادل الفيلسوف النيوزيلندي ديفيد رودن بأن هذا التماثل، الذي استندت إليه تقاليد طويلة من التفكير في الحرب العادلة، ليس بديهيًا كما يبدو. فالدفاع الفردي عن النفس يفترض تهديدًا مباشرًا لشخص محدد، بينما تمارس الدول الحرب باسم كيانات سياسية معقدة لا يمكن اختزالها في شخص واحد. ومن هنا يرى رودن أن استخدام مفهوم "الدفاع عن النفس" لتبرير الحروب قد يكون مضللًا في كثير من الأحيان، لأن الدول لا تتعرض للتهديد بالطريقة نفسها التي يتعرض لها الأفراد. ويقود هذا التشكيك إلى نتيجة مقلقة: إذا كان أساس القياس بين الدفاع الفردي والحرب ضعيفًا، فإن كثيرًا من التبريرات الأخلاقية التقليدية للحروب قد تكون أقل صلابة مما كان يُعتقد.
غير أن حروب المنطقة تكشف مشكلة أعمق من هذا الخلاف النظري والقواعدي. فقد صُمّمت نظرية الحرب العادلة أساسًا لتنظيم النزاعات بين دول ذات سيادة. وهو أمر يختلف عن واقع يعيش فيه مجتمع بكامله تحت احتلال طويل الأمد وسيادة مقيدة. كما هو الواقع بالنسبة للشعب الفلسطيني، حيث لا يواجه المجتمع مجرد نزاع عسكري عابر، بل نظامًا ممتدًا من السيطرة العسكرية والتفاوت البنيوي في القوة. وتبرز هنا تعقيدات جديدة؛ إذ لا يعود السؤال هو: ما الذي ينبغي فعله وفقًا لقواعد jus ad bellum، بل يصبح المطلوب مساءلة إمكان هذه القواعد على العمل من الأساس في ظل غياب السيادة السياسية لأحد الأطراف.
وقد أصبح هذا السؤال محوريًا في النقاشات الفلسفية المعاصرة. فقد جادلت الفيلسوفة سيسيل فابري بأن الأفراد الذين يعيشون تحت هيمنة سياسية قاسية قد يمتلكون حقوق مقاومة لا يمكن فهمها ضمن الإطار التقليدي الذي يركز على حقوق الدول فقط. فالمفاهيم الأخلاقية المصممة لتنظيم الحروب بين الدول قد تصبح قاصرة عندما يتعلق الأمر بصراعات تُبنى أساسًا على الاحتلال وعدم المساواة السياسية.
لا يجعل هذا النقد كل أشكال العنف مشروعة. فاستهداف المدنيين تبعًا للنظرية يظل غير مبرر أخلاقيًا وفق قواعد jus in bello. إلا أن اختزال الصراع في إدانة الهجمات التي تصدر عن الطرف الواقع تحت الاحتلال وحدها، بمعزل عن التاريخ، ينطوي على تجاهل البنية السياسية التي تنتج العنف في المقام الأول.
ومع ذلك، فإن موقع المدنيين في الخطاب الأخلاقي المعاصر يكشف مفارقة لافتة. إذ تُقدَّم حمايتهم باعتبارها المعيار الأعلى للحرب العادلة، لكن استدعاء معاناتهم في النقاش العام غالبًا ما يجري بصورة انتقائية. فمعاناة المدنيين تُرفَع أحيانًا بوصفها الدليل القاطع على لا شرعية العنف عندما يصدر عن خصوم القوى الغربية، بينما يُعاد توصيف سقوط مدنيين آخرين في سياقات مختلفة باعتباره "أضرارًا جانبية" مؤسفة، لكنها حتمية. وهكذا يتحول المدنيون، الذين يُفترض بهم أن يكونوا مركز الحكم الأخلاقي، إلى أدوات في معركة الروايات.
وتجسد غزة هذه المعضلة بأكثر صورها مأساوية. فغالبًا ما تُعرَض العمليات العسكرية الإسرائيلية باعتبارها دفاعًا عن النفس أو حربًا على الإرهاب، من دون النظر بجدية إلى الواقع الميداني الذي يجعل العبء الأخلاقي لاستخدام القوة أثقل بكثير. فالكثافة السكانية العالية والتداخل بين المدني والعسكري يضعان أي استخدام للقوة تحت تدقيق أخلاقي شديد. إن الأسلحة الدقيقة القادرة على التمييز بين الأهداف بدقة، تزيد أيضًا المسؤولية الأخلاقية. فكلما ازدادت القدرة التقنية على تجنب المدنيين، ازداد العبء الأخلاقي لتبرير سقوطهم.
أما الصراع الإقليمي الأوسع فيكشف مستوى آخر من التعقيد. فالحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، تم تبريرها بلغة الضربات الاستباقية ومنع التهديدات المستقبلية. غير أن نظرية الحرب العادلة تضع شروطًا صارمة لمثل هذه الحروب الوقائية: الحتمية، والضرورة، والتناسب. وهي شروط نادرة التحقق في الواقع. وعندما تتحول الحرب الوقائية إلى قاعدة، فإنها تميل إلى أن تصبح أداة لإدارة التوازنات الاستراتيجية أكثر من كونها استجابة لتهديد وشيك.
ويزداد هذا التناقض وضوحًا في النقاش حول الأسلحة النووية. فمحاولة بعض الدول منع دول أخرى من امتلاك قدرات ردع نووية، بينما تحتفظ هي بها، تكشف عن معايير مزدوجة وإمبريالية متجذرة في النظام الدولي. ففي هذه الحالة يتحول خطاب الأمن إلى آلية لإعادة إنتاج عدم المساواة في توزيع القوة.
لكن الأخلاق لا تنتهي عند لحظة إطلاق النار. فهناك أيضًا مفهوم jus post bellum، أي العدالة بعد الحرب. إذ لا تُقاس الشرعية الأخلاقية لأي صراع بنتائجه العسكرية فقط، بل بما يحدث بعده أيضًا؛ من إعادة الإعمار، والمساءلة، إلى استعادة الكرامة السياسية للمجتمعات المتضررة. ومن دون هذه العناصر يتحول النصر العسكري إلى مجرد محطة أخرى في دورة عنف لا تنتهي.
ومع ذلك، قد لا يكمن الخطر الأكبر في وحشية الحرب نفسها، بل في شيء أكثر خفاءً، وهو انهيار اللغة الأخلاقية التي يُفترض بها أن تضبطها. فعندما تتحول مفاهيم مثل العدوان والسيادة والدفاع عن النفس إلى أدوات خطابية تُستخدَم بانتقائية لتبرير سياسات القوة، تفقد نظرية الحرب العادلة قدرتها على أداء وظيفتها الأساسية، أي وضع حدود أخلاقية للعنف.
وفي الحالة الفلسطينية يظهر هذا الشرخ داخل النظرية بوضوح خاص. فالشعب يعيش منذ عقود تحت الاحتلال والحرمان من السيادة. ورغم أن هذا الواقع لا يبرر استهداف المدنيين، لكنه يذكّر بأن العنف لا ينشأ من فراغ أخلاقي أو سياسي. فمدنيو غزة يدفعون اليوم الثمن الأفدح لصراع يدور في سياق من عدم التكافؤ العميق في القوة والسيادة. وإذا كانت نظرية الحرب العادلة تريد أن تبقى إطارًا ذا معنى في عالمنا المعاصر، فعليها أن تكون قادرة في الوقت نفسه على حماية المدنيين، وعلى تسمية العدوان باسمه، وعلى مواجهة البنى السياسية التي تجعل بعض حياة البشر أكثر هشاشة من غيرها.
وتكمن المفارقة الأعمق في أن نظرية الحرب العادلة وُلدت أصلًا لتقييد العنف، بينما هي تُستدعى اليوم لتبريره.


تحميل المقال التالي...