أجيال كثيرة كتبت الرواية، فتكوّنت لها ملامح تاريخية، وأصبحت ظاهرة ثقافية جديرة بالاهتمام مع مرور الوقت. لقد انقضت الدهشة والاستياء الأوليان، وبات بإمكاننا اليوم مناقشتها بدون الحاجة بالضرورة إلى الدفاع عنها أو مهاجمتها؛ فوجود الرواية أصبح حقيقة راسخة، لا تقبل النقد. لم يعد الروائيون هم من يدافعون عنها بل قراء الرواية أيضًا. يقول دانيال بينّاك وهو يثبت أهميتها: ""كتاب" يعني "رواية"".
علينا ألا ننسى التيارات التي دافعت عنها، مثل تيار "الرواية الجديدة". أيضًا علينا تذكّر نقد السورياليين لها. كان رولان بارت ينتقدها بشدة، أحيانًا في السرّ وأخرى في الظاهر. وقد تمّ ذلك من خلال نقد ومناهضة مفهوم الجنس الأدبي والنص، والنص المفتوح الذي أفاض فيه أمبرتو إيكو. لقد جعل الأدب والنقد في الستينيات، في سياق الرواية الجديدة، ورولان بارت، والتيار المدافع عن النص الذي دافع عنه فيليب سوليرز ومجموعة "تيل كيل"، جعلوا كلهم من مفهوم "جنس أدبي" عدوًا رئيسيًا، باسم "النص"، الذي من المفترض أن ينتبه للعمل الحديث.
وصف أمبرتو إيكو النص بأنه "عمل مفتوح" وبفضله أصبح التمييز القديم بين أجناس الأدب، والذي قاد الأدب حتى نهاية القرن الماضي، فاقدًا للصلاحية، من حيث إنه عجز عن تصنيف أعمال أدبية مثل: "أناشيد مالدورور" للشاعر الفرنسي لوتريامون، "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست و"عوليس" لجيمس جويس.
وقد ظلّت هذه حال الأدب على الأقل في القرنين الماضيين. حيث فرض دراسته بتأمّل أكبر، وتفحّص طبيعة كل نوع جديد من الكتابة الأدبية، الروائية منها على الخصوص، والبحث في آلياتها، ومعناها؛ وقد اكتسبت النضالات التي قامت بها التيارات الأدبية زخمًا، وجرى تطوير نظرية لتأمينها. وقد ظل ذلك يتضح جليًا من المؤتمرات والندوات والدراسات، وغيرها. ولعل القيام بهذا كان من أجل توضيح الوضع الواقعي لكل جنس أدبي؛ أما الوضع القانوني فهو ما ظل تسليط الضوء عليه همًّا من الهموم الدائمة. يتعلق الأمر هنا بالأخلاق، والأسئلة نحن مدعوون إلى مناقشتها وهي، على سبيل المثال، على هذا المنوال: لمن ولأي غاية يخدم التيارات، النصوص، الروايات الجديدة؟ وبأي حق؟ هذه أسئلة أظن أن الكثير منها خارجة عن نطاق الأدب. إننا نعلم مدى الحماس الذي يدافع به الأدباء عادةً عن مجال نشاطهم ضد ما يعتبرونه تدخلات غير مشروعة للتفسيرات الاجتماعية. يزعمون أن الأدب لا يندرج ضمن نطاق علم الاجتماع أو التاريخ أو علم النفس إلا عرضًا. لا أريد إعادة إثارة نقاش معروف، بل سأكتفي بالقول: إن الأدب بطبيعته فعل تبادل، وبالتالي فهو اجتماعي، وأي نظرية أدبية تدّعي إهمال هذا البُعد ما هي إلا تضليل.
للعودة إلى سؤال الرواية والمآزق التي مرّت منها، باعتبارها جنسًا كان وظل إشكاليًا على الدوام، يكفي أن نعود إلى بدايات ظهورها حتى نتعرّف على جميع أصناف النقد التي وُجّهت إليها. إذا عدنا إلى تاريخ الرواية نجد أن الخطر كان يتهدّدها في كل قرن أو جيل، بل إن الكلام السيّء يحيط بها من كل جانب، ومن خلال مكوّناتها نفسها: خيالها، شخصياتها، أفعال شخصياتها، ترجمتها للتاريخ والواقع والمجتمع والنفس.
لكن دعونا نتأمّل هذا النفاق الصارخ الذي يتمثّل في قول كلام سيّء عن هذا الجنس الأدبي الذي يتابع أخباره ويقرأه ملايين القراء في العالم، وتخصّص له الدول والمؤسسات والجمعيات ملايين الجوائز. في نهاية القرن الثامن عشر فضح بيير أمبرواز دي لاكلو هذا النفاق الذي تُعامَل به الرواية، رغم أن الجميع يجري وراءها بلهفة. فمن بين كل الأجناس التي ينتجها الأدب فإن الرواية هي الجنس الوحيد المحاط بسوء التقدير، مع أنها الأكثر متابعة وقراءة، فكيف، يتساءل ب. أ. دي لاكلو، نقول بعدم أهمية أعمال تمنحنا المعرفة؟
إن فعل القراءة يُعتبر مدخلًا من مداخل فهم المخاطر المحيطة بالرواية منذ ولادتها. إن قراءة الروايات ظلّت محلّ اشتباه. فهناك سمّ خطير يحتوي عليه هذا النوع من الكتب: "الخيال". هناك ما أسمته ناثالي بييغي غروس: "ازدواجية نقد الرواية". فتاريخ الرواية مطبوع بهذه الازدواجية: "الرواية تتكوّن في تعارض مع ما يمكن أن يحدّدها".
| |
| انتحار إيمّا بوفاري هو نتيجة منطقية لوهم أصلي: لقد خلطت، بسبب غُلُوّ في التخيُّل، بين الأدب والحياة الواقعية! |
لنراجع بسرعة هذه الاتهامات الموجّهة للرواية منذ ظهورها إلى اليوم:
1- الرواية انحراف أخلاقي: هذا الانتقاد الذي اعتُبر أساسيًّا، فبحكم حرية مضمونها، فإن الرواية يمكن أن تمسّ العادات الجيدة. في مقدمته لـ"هيلواز الجديدة" (عنوانها الأصلي: رسائل بين عاشقين) ردّد جان جاك روسو صدى هذا الخطر: "لا يمكن لفتاة عفيفة أبدًا لم تقرأ روايات من قبل، وقد وضعت لروايتي عنوانًا مقصودًا حتى إذا قرأته علمت بما يتعلّق الأمر. وإذا تجرّأت هذه الفتاة، رغم هذا العنوان، وقرأت صفحة واحدة فإنها فتاة ضائعة".
2- الرواية تُربك التوازن النفسي: اعتُبرت قراءة الروايات التي تتناول مضامينها بحرية تشويشًا على التصرفات خصوصًا المضطربة منها عند جنس الفتيات. لا بدّ من التذكير هنا بمقطع ورد في كتاب ميشيل فوكو "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي": "ربما من بين كل الأسباب التي تُلحق الضرر بصحة النساء، السبب الرئيسي هو الإكثار من قراءة الروايات منذ سنّ السابعة... إن طفلة تقرأ في العاشرة عوض أن تركض ستكون في العشرين عوض ممرّضة جيّدة".
3- الرواية تشجّع على الكسل: ظلّت قراءة الرواية في التصور العام بعيدة عن الأنشطة المنتجة، قريبة من أنشطة التسلية. هكذا ظهر والد "جوليان" في "الأحمر والأسود" لستاندال: "أيها الكسول. تقرأ دائمًا كتبك الملعونة، وأنت تحمل المنشار في يدك؟". لم يكن "جوليان" يقرأ كتابًا بل رواية "تمثال سانت هيلين" لـ إيمانويل دي لاس كازيس.
4- الرواية فقدان للعقل: هذه موضوعة معروفة ومقدّمة على صفحات عملين عظيمين في الأدب، "دون كيشوت" و"مدام بوفاري". فـ"هيدالغو دون كيشوت" الذي يهذي ضيّع عقله في قراءة روايات الفروسية؛ والشابة "إيمّا روولت" (مدام بوفاري) كانت تداري مللها وأزمتها بقراءات مشبوهة: "قرأت "بول وفيرجيني" وحلمت ببيت صغير من خشب الخيزران، بالزنجي "دومينغو"، والكلب الوفي...". لكن الأسوأ هو ما حدث: "فخلال ستة أشهر، وهي في سنها الخامسة عشرة، تلوّثت يداها بغبار الغرف الصغيرة المخصصة للقراءة". وفي النهاية انتحرت. لكن لِمَ انتحرت؟ تمنح الرواية كل الإجابات المأمولة: لقد انتحرت لأنها لم تستطع تسديد ديونها. الانتحار أيضًا كان نتيجة "للبون الشاسع بين الحياة التي حلمت بها واستوحتها من الروايات التي قرأتها في الدير حيث ترعرعت والحياة التي عليها أن تعيشها مع زوجها الطبيب الرديء في قرية ريفية بائسة". يمكن القول باختصار إن انتحار إيمّا بوفاري هو نتيجة منطقية لوهم أصلي: لقد خلطت، بسبب غلوّ في التخيّل، بين الأدب والحياة الواقعية.
لقد انكبّ مثقّفو عصر فلوبير على تفسير أسباب هذا الوهم، وأدانوا تلك التربية التي لم تكن تتلاءم مع المركز الاجتماعي. لكن التفسير تأرجح بين تفسير سياسي وتفسير آخر تخييلي. ويطرح جاك رانسيير هذا السؤال: لماذا الخلط بين الأدب والحياة؟ وكيف كتب فلوبير رواية عن انتحار امرأة في مدينة "روان"؟ وما العلاقة بين موت "إيمّا" والأدب الخالص؟". إن الاتهام موجّه للرواية مباشرة: الخلط بين الرواية والحياة. لكن هل إيمّا بوفاري كانت تعتبر أن الرواية هي الحياة والحياة هي الرواية؟ بل هل هناك في الواقع من يخلط بين الأمرين بهذه البساطة؟
5- الرواية باعتبارها مدرسة للجمالية الرديئة: اعتُبرت الرواية جنسًا أدبيًا سيئًا كُتب لسلب الحدس البسيط عن طريق قصص تافهة عن الحب، العنف، الوهم، الجنس...
6- الرواية مشروع مضادّ للأدب: الحبكة، تحليل النفس، تفكيك الأحاسيس، استمالة القارئ... كلها وسائل مضادّة للمتطلبات الشكلية للكتابة (لنتذكّر رسالة فلوبير إلى لويز كولي التي عبّر فيها عن حلمه بتأليف "كتاب لا علاقة له بالخارج" ومطبوع بـ"القوة الداخلية لأسلوبه").
هذه مجموعة من الاتهامات من بين ثلاث عشرة تهمة لو صدّها القراء والنقاد والكتاب على امتداد القرون الماضية لاختفت الرواية وأصبحت مجرد تفصيل صغير في التاريخ الإنساني المعرفي المديد.
كيف ندافع عن الرواية؟ خصوصًا اليوم حيث اتسع إنتاجها والإقبال عليها.
هناك حجج كثيرة يمكن الدفاع بها عن الرواية في وجه الاتهامات السابقة:
- الرواية تسمح بالولوج إلى عوالم مجهولة، كما أنها تشكّل، حسب ناثالي بييغي غروس، "خزّانًا رائعًا للمعرفة، للغات، للتجارب..."
- الرواية تمنحنا حيوات أخرى: يقول مارسيل بروست: "بواسطة الرواية نحن نحلم باستمرار بكل أشكال الحياة".
- تساهم الرواية في تكوين الـ"أنا" كما بيّن ذلك فرويد بخصوص "الرواية العائلية" حسب تصنيف مارث روبير.
- الرواية تلعب دورًا تعويضيًا، وهي تفتح طريق الخيال، في صرف الانتباه عن حياة متلاشية أو رتيبة، بخصوص ذلك يقول دانيال سالوناف: "بفضل الخيال، كل واحد يحمل فوق كتفيه رأسًا متعددًا؛ ويكتسب روحًا مفتوحة؛ وقلبًا متجددًا".
- الرواية "فن الإشباع" لأنها تتوفّر على لذّة من نفس مستوى اللذة الناتجة عن الدافعية الإيروتيكية، حسب تعبير جوليان غراك، فهي ترسم صورة للقدر، كما كتب ألبير كامو: "ما هي الرواية إذا لم تكن هذا العالم حيث يجد الفعل شكله، حيث يتمّ نطق كلمات النهاية، والكائنات تنتقل إلى الكائنات، حيث كلّ حياة تأخذ صورة القدر".
- الرواية تساعد على غزو العالم. هذا هو موقف المفكر والناقد الماركسي جورج لوكاش: "الرواية هي شكل المغامرة، تلك التي تناسب القيمة الخالصة للباطن؛ مضمونها هو تاريخ هذه الروح التي تسير في العالم كي تتعلّم معرفة نفسها، تبحث عن مغامرات لتتعرّف على ذاتها فيها، وبهذا الاختبار، تمنح أبعادها وتكتشف جوهرها الخاص".
يتساءل إيف ستالوني صاحب "معجم الرواية": هل ينبغي الحسم في هذا النقاش القديم جدًّا والذي لا يموت؟ إن عدد إصدار الروايات في العالم، وعدد طبعات بعضها (الأكثر مبيعًا)، يعطي مؤشرًا عن نمط الحكم الذي يُصدره الجمهور. وسط هذه الحيرة أعطى الكلمة الأخيرة لروائي ناجح جدًّا هو دانيال بينّاك: "إن الرواية هي منتوج مجتمع مفرط في الاستهلاك، والكتاب يكاد يكون مدلّلًا ومحاطًا بالعناية...". وفي جملته "الكتاب" يعني "رواية"، ثمة الشيء الكثير.


تحميل المقال التالي...