اتجهت الدراسات السردية في المرحلة البنيوية إلى العناية بالكشف عن تجليات الأدبية في السّرد، متأثرة في ذلك باللسانيات البنيوية التي نقلت الاهتمام باللغة من المنظور التاريخي إلى المقاربة الوصفية التي تتناول اللغة في ذاتها ولذاتها، غير أن هذا التوجّه الذي أوقع دارسي السّرد في مطبة الاختزال بسبب التركيز على بعد واحدٍ وإهمال عناصر ومكونات أخرى متعددة في العمل الأدبي، سرعان ما تعرّض للنقد والمساءلة ليس فقط من قبل أبرز منظري الدراسات السردية، وإنما أيضًا من قبل نقاد آخرين لم يدّخروا جهدًا في نقد النزعة الانغلاقية التي آلت إليها الدراسات الأدبية ذات الخلفية النصية.
في هذا السياق، حملت مرحلة ما بعد السبعينيات رؤية جديدة لمقاربة الأدب لا تكترث بالأدبية في أبعادها اللغوية التي تمحورت حولها أعمال الشكلانيين الروس؛ ولا سيما رومان جاكبسون، وإنّما تهتم في المقابل بأبعادها الثقافية والأنثروبولوجية والتناصية، مما يؤكد حقيقة عدم وجود تعريف وحيد وغير إشكالي للأدب. وبالتالي يظل الأدب مفهومًا معقدًا، وموقعًا لاهتمامات متلاقية ومتقاطعة. وبناء عليه، لم يعد اهتمام الباحثين بالنص الروائي يتوقف عند حدود الكشف عن الخصائص والمقومات المتصلة بالشكل بالمعنى الذي يستفاد من أعمال رواد الشعرية البنيوية، بل بات التركيز ينصبّ على الدلالات التي تتولد في رحم الشكل الروائي والسياق الواسع الذي يتجذّر فيه التخييل، وبالتالي انفتحت الدراسات السردية على الاهتمامات المعاصرة، في الدراسات الثقافية ودراسات ما بعد الاستعمار، وبخاصة تلك التي جعلت من التأويل والقراءة الدنيوية، مرتكزًا للخروج بالدراسة الأدبية من شرنقة النزعة النصية، نحو آفاق أرحب في مسعى للبحث عن التصورات والأفكار ورؤى العالم التي تنطوي عليها الأعمال والنصوص.
لقد ركزت البنيوية خلال ستينيات القرن الماضي على مبدأ المحايثة، واعتبار النص مكتفيًا بذاته. وبتأثير من الشكلانيين الرّوس الذين برزوا خلال الفترة الممتدة بين 1916-1920، وأعمال مدرسة براغ التي تأسست عام 1926 واستمرت إلى أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، اهتم البنيويون أيضًا بالشكل، وبأسئلة النوع الأدبي في دراستهم للعمل الإبداعي. غير أن تعرّف البنيوية على مفهوم التناص الذي اجترحته جوليا كريستيفا عام 1969، في مسعى لأن تستعيد إلى الثقافة الفرنسية مفهوم الحوارية Dialogisme الذي نظّر له المفكر الروسي ميخائيل باختين، دفعها إلى الانزياح عن هذا الموقع الذي من خلاله كانت ترى إلى النص على أساس أنه مكتمل وناجز، وبالتالي حددت إطارًا لمهمتها تمثل في الكشف عن شعرية النص. بدلًا من ذلك، اتجهت الجهود البنيوية اللاحقة إلى الاهتمام بما حمله مفهوم التناص L'intertextualité من إشكاليات جديدة بدا معها أن خارج النص هو أيضًا ضرب من النص. لذلك لم يكن ظهور مفهوم التناص مجرد وافد جديد على حقل الدراسات الأدبية، وإنما شكّل تعبيرًا عن تحول عميق في نظرية النص. فمع الأبعاد المجتمعية والتاريخية التي حملها مفهوم التناص، لم يعد النص يفكر ككيان مغلق أو ناجز، وإنما كموقع للقاء والتبادل والحوار بين مجموعة من الخطابات المتجذرة في ثقافات أو لغات أو أزمنة أخرى. وبهذا التوجه، حقق التحليل الأدبي، وهو يأخذ شكل تأويلية جديدة، إضافة مهمة تمثلت في النظر إلى الأدب بوصفه فضاءً لا محدودًا، أو كالمكتبة التي تتبدّى دلالاتها عند بودلير وبيرانديلو وبورخيس. لم يعد التناص مجرد آلية لفهم التفاعلات النصية وأشكال التأثير المتبادل بين الأعمال، بل أسهم في إعادة التفكير في أشكال فهمنا النصوص وتكونها من خلال النظر إلى الأدب كمكتبة حيث كل نص يسهم في تحويل العديد من النّصوص السابقة والإضاءة عليها. إنه بمثابة ماضيها ومستقبلها.
المفارقة أنه في الوقت الذي يتغير فيه مفهوم الأدب، ويعود العالم إلى النّصوص بعد غياب طويل، وتظهر إبدالات أخرى من قبيل الدراسات الثقافية ودراسات ما بعد الاستعمار والدراسات الجندرية وغيرها، نلاحظ أن مفهوم التناص لم يعد يحظى بالاهتمام الذي كان يتمتع به بالرغم من أهميته وقدرته على الإسهام في إعطاء قراءة الأدب أبعادًا أعمق.
نعتبر أن الانتقال من الاهتمام بالبناء إلى التركيز على الدلالة أو مزاوجة التفكير فيهما يشكل أمرًا طبيعيًا، بالنظر إلى التحولات التي طرأت على الفكر السّردي منذ الثمانينيات، خاصّة عندما أدرك السّرديون أن الاقتصار على دراسة المكون السّردي بمعزل عن المكون الحواري جعل السرديات تواجه مشكلات حقيقية، وهذا ما نبّهت عليه جيليان لان ميرسيي في مقدمة كتابها: "الكلام الروائي" La parole romanesque، وأيضًا فان دين هوفل في كتابه: Parole, Mot, Silence وأيضًا سعيد يقطين في سياق انتقاله من السرديات البنيوية المعنية بالخطاب إلى السرديات ما بعد الكلاسيكية التي تستند إلى مفاهيم جديدة وموسّعة لم تكن متاحة من قبل، وإلى افتراضات بحثية مغايرة حول أشكال ووظائف السرد. وما شكل نقطة دفع لهذا المسار المختلف الذي سلكته السّرديات، هو أيضًا المسافة التي اتخذها كل من تودوروف وجيرار جونيت، إزاء سنوات الفورة البنيوية - أو تلك السنوات المدهشة من الستينيات إذا استعرنا تعبير أنطوان كومبانيون- حينما انتقل الأول إلى الاهتمام بتاريخ الأفكار والغيرية، بينما اتجه الآخر إلى الجماليات.
من بين النتائج التي أفرزها هذا الوضع، النقاش الواسع الذي برز في فرنسا مع مطلع الألفية الثالثة حول مفهوم الأدب، وأيضًا حول الدراسات الأدبية وجدواها. وهو نقاش يشكك في جدوى الاستقلالية (استقلالية العمل الأدبي) التي تأسس عليها مفهوم الأدب بالمعنى الحديث، أي كما وضع أسسه الرومانسيون الألمان في مجلة الأتينيوم، وترسخ خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ومن أهم الأعمال الحديثة التي أبرزت هذا الجانب بقوة يمكن الإشارة إلى ثلاثة أعمال في هذا السياق: أولًا كتاب "قابلية الثقافات للترجمة" الذي حرّره كل من سانفورد بوديك وفولفغانغ إزر Sanford Budick - Wolfgang Iser، يُشير هيليس ميلر في مقال له بعنوان: "انتهاك الحدود" إلى أن أهم حدث ميز الدراسات الأدبية في أميركا خلال الثلاثين سنة الماضية هو محاولات استيعاب وهضم وتحويل النظرية الأوروبية التي تشمل تيارات عدّة مثل الظاهراتية واللاكانية والماركسية والدريدية وفوكو وألتوسير ودولوز، وبارت... هذا الانتهاك للحدود والتخصصات هو الذي أسهم في تطوير الدراسات الأدبية بشكل يختلف عمّا كانت عليه في السابق قبل خمس وأربعين سنة. أما العمل الثاني فهو للباحث إريك لوكليرك بعنوان: "المطلق الأدبي من الرومانسية إلى كافكا"، والنموذج الثالث يمثله الناقد الفرنسي ألكسندر جيفن في كتابيه: "ترميم العالم" (2017) و"فكرة الأدب من الفن للفن إلى الأنثروبولوجيا الأدبية" (2021). في هذين الكتابين يقدّم جيفن مجموعة من التصورات تساعد على فهم التحول الذي يعرفه مفهوم الأدب منذ عقدين ليس في فرنسا فحسب، وإنما في مناطق مختلفة من العالم. يدافع جيفن عن فكرة مفادها أن هناك وعيًا جديدًا بالأدب، وإيمانًا قويًا بقدرته على الإسهام في تقديم أجوبة ممكنة عن المعضلات المركبة التي تواجه الإنسانية. كما يصف المرحلة التي يعيشها الأدب بـ"المنعطف الجمالي- الأخلاقي"، وهي مرحلة تقتضي استخدام الأدب لإنتاج ما يسميه بول ريكور "الهوية السردية" التي بها يستطيع الناس تحقيق التعارف والتفاهم والتبادل على المستويين الفردي والجماعي.
من هنا يتبين الاهتمام من جديد بأسئلة الدلالة وبعلاقة النصوص والأعمال بالعالم والسياق اللذين تتحقق فيهما. هل يمكن أن نفهم العمل بمعزل عن العالم، وبمعزل عن المؤلّف؟ ذلك هو السؤال المحوري الذي تتأسس عليه نظرية الأدب في تحققاتها الراهنة.
تتطور الدراسات الأدبية وتظهر العديد من التيارات المختلفة في ميادينها بما يشكل تحديًا لأي نزعة تتجه نحو تخصيصها جغرافيًا، أي أن توجد لهذه الاختصاصات علاقة بانتماء جغرافي محدد، كما هي الحال بالنسبة للنقاش الذي هيمن في النقد العربي منذ التسعينيات بين الذين يقولون بضرورة تأسيس نظرية عربية في النقد ردًّا على ما يعتبره هؤلاء استلابًا إزاء الغرب، وبين من يشددون على أن النظرية كونية وعالمية تشارك في تشييدها مجموعة من الثقافات وفق أسئلتها خاصة بعد التطور الذي عرفه النقد الغربي بتأثير من المساهمة الرصينة التي نهض بها نقاد من أصول غير غربية من الشرق الأوسط والهند وباكستان وأفريقيا. ويكفي هنا أن نشير إلى الآراء المهمة التي عبّر عنها نقاد مثل جابر عصفور ومحمد برادة وصبري حافظ وسعيد يقطين وسعد البازعي... في هذا الصدد.
هذا الفهم ينطبق على السرديات على سبيل المثال. لا نجد من الباحثين من يرسّخ السرديات في السياقات الفرنسية أو الأميركية أو الألمانية لأن هذا الإبدال له طابع عالمي، كما أن تطوره في فرنسا استند بقوة إلى العمل الذي قام به نقاد كثر من خارج فرنسا. في هذا السياق يمكن التفكير بالناقد الألماني إريك أورباخ الذي لجأ إلى تركيا فارًّا من النازية. ففي كتابه "محاكاة"، وهو واحد من الأعمال الموسوعية، وتحفة في تاريخ النقد الحديث، يستكشف أورباخ الأعمال الكبرى من هوميروس إلى فرجينيا وولف، مرورًا بدانتي ورابليه وسيرفانتس ومونتين وستاندال، مبلورًا مقاربة أصيلة تتجذّر في تأويلية تاريخية للأدب، أي دراسة العلائق الممكنة بين الخطابات الأدبية والظروف العامة الاجتماعية والثقافية والسياقية. كما يمكن التفكير أيضًا بالليتواني ألجيرداس غريماس والبلغاريين تودوروف وجوليا كريستيفا، والفلسطيني إدوارد سعيد والباكستاني إعجاز أحمد وغيرهم من المهاجرين والمنفيين الذين يضطلعون بمهارة عالية بدور الوسيط بين اللغات والثقافات. واليوم يلاحظ أن السرديات تتطور بجهود باحثين من جغرافيات أخرى كسعيد يقطين من المغرب وعبد الله إبراهيم من العراق ومحمد الخبو من تونس ورافائيل باروني من سويسرا وغيرهم.


تحميل المقال التالي...