أيها النهر لا تسر/ وانتظرني لأتبعك، أنا أخبرت والدي/ أنني ذاهب معك... فانتظرني لأتبعك.
أنتمي إلى الجيل الذي داعبت خياله هذه القصيدة الشجية، وأنبتت أحلام السفر الأولى، المغامرة الأولى، فضول الاكتشاف الأول.
لم أعد أتذكر اسم الشاعر، كما أنني استنجدت بمحرك البحث "غوغل"، فلم أستطع العثور على معلومة، ولا حتى ما يزيل الالتباس، أو عدم اليقين، من ذاكرتي بأن من كتبها هو ميخائيل نعيمة في مهجره، وأنها ربما إحدى قصائد ديوانه الوحيد المعنون بـ "همس الجفون" الصادر عام 1945. هذه ليست معلومة مؤكدة بالنسبة لي، ولا أستطيع أن أتبناها، لكنها تقفز من قاع ذاكرتي كلما خطرت الأنشودة في بالي.
حلم السفر، نهرًا أو بحرًا، يتلاشى تحت سطوة الحضارة الإنسانية المتسارعة نحو المستقبل المخيف، مستقبل ترسم ملامحه بصورة ضبابية الحروب والكوارث والخوف المقيم في نفوس البشر من تهديد وجودهم وهو يتضخم ويقنص سكينتهم وسلامتهم وأمنهم.
بعد أيام قليلة تصادف الذكرى الرابعة عشرة بعد المائة لانطلاق تلك البدعة البشرية الجبارة التي سلبت العقول والقلوب حينها ــ سفينة "التايتانيك" ــ التي انطلقت في العاشر من أبريل/ نيسان من عام 1912 من ميناء ساوثهامبتون في إنكلترا في اتجاه نيويورك، وعلى متنها 2224 إنسانًا، لكل فرد بينهم أحلامه، طموحه، همومه واهتماماته، وأمله أيضًا. لكنها اصطدمت بجبل جليدي في توقيت مسجل بدقة (يوم الأحد الرابع عشر من أبريل/ نيسان عند الساعة 23:40)، على بعد عشرين دقيقة من يوم جديد في درب الأحلام.
المجاري المائية، ثم البحار من بعدها، شكلت أحد أهم شرايين الحياة في التاريخ البشري. والمياه، بشكل عام، كانت أحد أهم أسباب الاقتتال بين المجموعات البشرية، منذ عصر الصيد والرعي إلى عصر الاستقرار والزراعة، حتى الانفجار الحضاري في الثورة الصناعية والتقدم العلمي والابتكارات، حتى وصلنا إلى عصرنا الحالي، فإذا كانت المجموعات البشرية تقتتل على بركة ماء، أو بحيرة، أو نبع، في ما مضى، فإن الدول اليوم تقتتل على البحار والمضائق والممرات المائية، فيقف العالم مجتمعًا على نبض قلبه، يلاحق الأخبار وينتظر نتيجة حروب، لا يد للشعوب فيها، تفبركها وتخطط لها زعامات العالم وقوى المال بكل جبروت ولهاث خلف الاحتكار والسيطرة.
على مدى آلاف السنين، كانت "المجاري المائية"، أو الأنهار المفتوحة للملاحة، ونقل الأخشاب، وبعض السلع، هي الوسيلة الأساسية لاختراق دواخل القارات، هذا ما يفسّر إقامة معظم المدن الكبرى على ممرات الملاحة الداخلية. ثم تطور هذا النشاط ومرّ بمراحل عديدة، من احتكار التجار لهذه الملاحة، وتشغيل العمال فيها، إلى أن تشكلت الدول المركزية فصارت الدولة هي من يدير ويشرف على هذا النشاط.
أما النقل البحري فقد شمل حركة البضائع (الشحنات)، والركاب (العبّارات وسفن الرحلات البحرية) عبر البحر، وكل أوجه النشاط المتعلق بالموانئ، ولقد تطور وتعقد كثيرًا، حتى أصبح هذا النوع من النقل أهم وسيلة لحركة البضائع (90% من التبادلات العالمية في بداية القرن الحادي والعشرين) كما تفيد الدراسات، أمّا نقل الأشخاص عن طريق البحر فقد خسر كثيرًا من أهميته بسبب ازدهار الطيران التجاري، وصار يقتصر بشكل كبير على العبّارات القصيرة والرحلات البحرية، إضافة إلى الرحلات الاستكشافية العلمية، والسباقات الرياضية، وغيرها من الفعاليات الترفيهية، أو السياحية المحدودة.
هل يمكن تخيّل حجم الأساطيل البحرية في لحظتنا الراهنة، بعد أن صار العالم مشبوكًا بعضه ببعض في كل ميادين الحياة، والازدياد المتسارع في السلع والمواد الأولية التي تحتاج إليها البشرية في هذا العصر؟
في الواقع، يعود النقل البحري إلى زمن بعيد جدًا في التاريخ البشري، منذ بداية التعامل مع جذوع الأشجار، واكتشاف طوفانها فوق الماء، إلى أن صنع القارب والمجداف، وبعده المراكب الشراعية، ثم اختراع المحرك البخاري بواسطة جيمس واط، ما أدى إلى الحصول على سفن سريعة، ومتينة أيضًا، بعد استبدال السفن المبنية من الفولاذ بالسفن المصنوعة من الخشب، من دون أن ننسى البوصلة، والدفّة، وأثرهما في تطور السفن وأدائها.
ومع تطور الحياة البشرية، وازدياد التعداد البشري، علاوة على التقدم الهائل في الابتكارات، ورفد الحياة بمنتجات جديدة باستمرار، عدا الطاقة وأهميتها عصبًا مركزيًا للحياة حاليًا، ازدادت الحاجة إلى السفن، وإلى النقل البحري، وصار البحث عن أقصر الطرق والممرات الصالحة والآمنة لمرور الأساطيل البحرية، هاجس الدول والأنظمة، صارت الممرات المائية الطبيعية "المضائق"، أو تلك التي صنعها أو طوّرها الإنسان "القنوات" نقاطًا حيوية ومراكز صراع مصالح وقوى عالمية، نشهد اليوم أكبر حرب وأزمات ناجمة عنها في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وقضية مضيق هرمز التي حشرت العالم مجتمِعًا في عنق زجاجة عالية الخطورة، بما ينجم عنها من اضطراب أسواق الطاقة والمواد الخام وسلع متعددة أخرى يحتاج العالم إليها، وتعدّ في صلب أعمال التجارة العالمية.
يوجد في العالم نقاط استراتيجية في غاية الأهمية بالنسبة إلى التجارة العالمية التي عمادها الأساسي النقل البحري، فليس هنالك وسيلة أخرى، على الرغم من التطور التقني، وتطور وسائل النقل البري والجوي، مما هو قادر على القيام بهذه المهمة الضخمة، مثل السفن التي تطورت بشكل كبير أيضًا، وصارت كبيرة الحجم، وحمولاتها فائقة. هذه النقاط الاستراتيجية هي ممرات مائية فائقة الأهمية، يشغل مضيق هرمز مرتبة متقدمة فيها، فهو يعدّ أهم مسار نقل للطاقة في العالم من حيث الأهمية الاستراتيجية.
ومن المضائق أيضًا هنالك مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا بين ماليزيا وجزيرة سومطرة الإندونيسية، وهو يصل بين بحر أندمان في المحيط الهندي وبحر الصين، ويُصنف أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، وهو أيضًا الممر الرئيسي للنفط الذي يأتي إلى الصين واليابان، ويخدم ثاني أكبر ميناء للحاويات في العالم في سنغافورة.
كذلك هنالك مضيقان مهمان في تركيا، البوسفور بين بحر مرمرة والبحر الأسود، والدردنيل بين بحر إيجه وبحر مرمرة، تأتي أهميتهما الاستراتيجية في أن نحو 20% من صادرات القمح العالمية من أوكرانيا وروسيا ورومانيا تمر خلالهما، ولقد شهد العالم أزمة الحبوب التي انبثقت مع اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا.
أما مضيق باب المندب الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، فقد ازدادت أهميته التجارية والاقتصادية العالمية بعد شق قناة السويس في عام 1869، ويعدّ اليوم رابع أكبر الممرات المائية عالميًا استنادًا إلى كمية براميل النفط التي تمر منه سنويًا محمولة على ناقلات النفط.
وبالنسبة للأقنية المائية الأكثر أهمية في العالم، تأتي قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط في مقدمتها، إذ تمر منها نسبة مهمة من ناقلات النفط وسفن الحاويات وحاملات المركبات في العالم، وهي تحت السيادة المصرية.
أما قناة بنما التي تربط المحيط الهادئ بالأطلسي فتأتي أهميتها من البضائع الاستراتيجية وذات القيمة العالية، مثل الحاويات والسيارات والحبوب، عدا كونها تنقل نحو 40% من شحنات الحاويات من الولايات المتحدة، لذلك لا تغيب عن وعي واهتمام الرئيس الأميركي الحالي (الجامح فوق التصور) دونالد ترامب الذي هدّد في بداية عام 2025 بالسيطرة عليها.
وقد أبرزت الأزمة الحالية في مضيق هرمز هشاشة التجارة العالمية الشديدة أمام الاضطرابات، حتى لو لم تكن الممرات المذكورة أعلاه النقاط العصبية الوحيدة للتجارة، فهنالك ممرات بحرية استراتيجية أخرى حول العالم، بما في ذلك ممرات مائية مهمة، مثل مضائق تايوان، دوفر وبيرينغ. وأصبحت تلك الممرات، قياسًا بأهميتها في النقل البحري والتجارة العالمية وازدياد وتيرة النزاع من أجل السيطرة عليها تتعرض لدخول عنصر جديد يقلق العالم أكثر، إنه الوسائل الحربية التي باتت أداة ضرورية من أجل السيطرة عليها وحماية السفن المارّة فيها.
وفي هذا الواقع، صارت البحار مجالًا تستبيحه الناقلات بأنواعها، ناقلات نفط وحاويات وبضائع، وصارت مرتعًا للتجارب العسكرية، وطرقًا وخطوط تنقل واستعراض قوة لحاملات الطائرات الحربية والقواعد العسكرية المتنقلة، والغواصات وغيرها كثير من البنى التحتية للحروب وأدوات القوة والهيمنة والبطش، فتراجعت أمام هذه الاستباحة، وأمام اختصار المسافات والمدد الزمنية للرحلات بواسطة النقل الجوي، الرحلات والسفر في البحار التي لم تعد آمنة لهذا التنقل، وبالتالي لم تعد البحار تدغدغ أحلام سفر كانت حتى وقت قريب قياسًا بعمر المسيرة البشرية أحد أهم مكونات الطبيعة الروحية والنفسية للأفراد والشعوب. ربما تكون "تايتانيك" آخر الأحلام المثيرة والثرية.
فهل ما زالت كارثة هذه السفينة حاضرة في وعي العالم والعلماء والدارسين والمبدعين في كل المجالات، بسبب كونها حادثة مأساوية فحسب، أم إن الأمر له علاقة بنوع من النوستالجيا نحو مرحلة، ربما كانت أكثر أمانًا، من عمر البشرية التي تعاني اليوم من الغربة والاغتراب والقلق من تسارع دنو مستقبل لا تستطيع أن تواكب سرعة حضوره؟ "تايتانيك"، تلك القلعة الجبارة فائقة الفخامة التي صنعت لتحاكي مجتمع بدايات القرن الماضي في أوروبا، حتى قبل وقوع الحرب العالمية الأولى، كانت جبارة حدّ أن كثيرًا من ركابها لم يصدقوا في البداية أنها يمكن أن تغرق، وأنها كانت تحملهم إلى حتفهم في الوقت الذي تغرق فيه. ومنذ ذلك الحين يرقد حطامها على عمق حوالي 3800 متر، على بعد 275 كيلومترًا جنوب شرق نيوفاوندلاند (كانت حينها مستعمرة بريطانية)، مضمرًا أحلامًا لا تعد ولا تحصى لأناس بنوا أحلام أعمارهم على هذه الرحلة، وغرقت معها سرديات يحاول الباحثون والمغامرون الوصول إلى بقايا أشيائهم ليتلقفها خيال الفنانين والأدباء والشعراء والسينمائيين والموسيقيين، وليعيدوا تشكيلها في سرديات أخرى قد لا تمت إلى الأصلية بصلة. حتى إليزابيث غلاديس دين، الطفلة المولودة في 2 فبراير/ شباط 1912، والمعروفة بلقب ميلفينا، الناجية من الغرق، والتي توفيت في 31 مايو/ أيار 2009، لن تكون لديها سردية حقيقية، أو واقعية، عن السفينة، ولن تستطيع أن تخبرنا عن تفاصيل الحالة التي ألمت بها ساعة الغرق، فلم تكن في عمر الوعي وتشكيل الذاكرة، بل كانت في عمر أسابيع معدودة، ليس أكثر.
"تايتانيك" التي ألهمت عددًا من الروائيين، وكانت موضوعًا لعدد من الأفلام، أشهرها فيلم جيمس كاميرون بعنوان "تيتانيك" (عُرض عام 1997، وفاز في العام التالي بإحدى عشرة جائزة أوسكار)، ما زالت حاضرة في الذاكرة بكل حمولتها الوجدانية والعاطفية والعقلية، وكانت دليلًا على نقطة تحول صادمة بالنسبة للعالم. قال أحدهم: "كان العقد الأول من القرن العشرين مميزًا بمثل هذا الشعور بالوفرة. المصاعد، السيارات، الطائرات، الراديو اللاسلكي! كل شيء بدا رائعًا للغاية، صعود هائل لن ينتهي أبدًا. ثم انهار كل شيء"، فماذا يمكننا القول عن عالمنا اليوم؟ وهل كارثة "تايتانيك"، هذا الانفجار الكبير الذي ما زال يصدّع رجعُه كيان العالم إلى اليوم، سيمحوها واقعنا الحالي المترع بالانفجارات والزلازل والبراكين التي يحدثها انعدام الحدود بين "الخير والشر" في أبسط مفاهيمهما في ما يخص التقدم العلمي والتكنولوجي اليوم؟ هل بقيت مساحة للأحلام لدى الإنسان أمام جبروت القوة بلا حدود المسيطرة على العالم، والتي باتت تعتمد على الذكاء الاصطناعي في إبداعها وابتكاراتها، متجاوزة القيم والأخلاق الإنسانية؟
هذا التقدم التقني والرقمي والأجهزة الذكية والروبوتات سمح بتصوير ذلك الحطام الكئيب لـ"التايتانيك" (تعرض الصور في معارض خاصة)، لكن هل تستطيع هذه الكاميرات، حتى لو تطور وتقدم الذكاء الاصطناعي بشكل خارق، أن تسبر رؤوس الذين قضوا وتعيد سردية أحلامهم التي أضمروها واشتغلوا عليها لمدة طويلة قبل سفرهم؟ وهل ما يمكن أن يتردد في خلد المتفرجين تنهدات وآهات وعويل الأرواح التي ربما تعود كل حين إلى هذا المكان، أم تنهدات وآهات المعدن والحطام والأشياء التي تركوها خلفهم؟
"تايتانيك"، هذه السفينة الأسطورية صاحبة الحكاية المأساوية، ما زالت تثير مخيلة الناس ومخاوفهم وقلقهم الوجودي. وربما تكون المحطة الأخيرة لأحلام رومانسية كان الجميع يستطيع أن يحلمها، فصارت ذكراها الماثلة في البال عنوانًا على الغطرسة البشرية، تضرم الخوف أكثر في وقتنا الحالي، بعد مرور أكثر من قرن شهد ثلاثة حروب عالمية بين أولى وثانية وحرب باردة، وبدخولها القرن الحالي، يشهد العالم اليوم معه حروبًا أكبر وأخطر، وجبروتًا لا تحده حدود، وتحكّم ذكاء اصطناعي بمصير البشرية، وبحارًا ومحيطات وممرات مائية ومضائق مستباحة بآلات الحرب ونفاياتها.
لم يعد البحر صالحًا للأحلام الإنسانية، هذا الكوكب المسمى "الكوكب الأزرق" لغلبة مساحة المياه على سطحه، يعاني اليوم، يعاني بقسوة وشراسة، ولم تعد البحار، كما كانت سابقًا، تجربة متاحة للأشخاص يعيشون فيها بعيدًا عن قوانين اليابسة ومزاجها، في عرض البحر، عندما يبدأ الشاطئ في الاختفاء، ونصبح في خضمّ عالم لا يشبهنا، لم نعتد عليه، حتى البحارة الذين أمضوا أعمارهم في عبابه عادوا أخيرًا إلى اليابسة، ولم يستطيعوا التوحّد معه. في البحر نخوض تجربة فريدة تمامًا، ويقدم لنا البراهين فورًا، عكس الأرض، على أنه ليس مخلوقًا لنا ونحن لسنا مخلوقين له. إنه لا يحتاج إلينا، فهو عالم قائم بذاته، بإيقاعه، وأمواجه، ودوّاراته وتنانينه، عالم يجمع في بطنه الواسعة العميقة ملايين الحيوات التي نقتلها بغطرستنا وجشعنا، نحن البشر.
حتى البحار التي لا يوجد فيها قوانين مُلكية، يفرض البشر ملكيتهم عليها، ويشوّهون عدالتها وديمقراطيتها تجاه مخلوقاتها. لقد استكشفنا واستغللنا الأرض حتى التخمة، وها نحن نبدأ أيضًا في نهب هذه المساحات البحرية، حتى بات الخوف قائمًا في كل لحظة، الخوف من ألا يبقى متسع للأحلام، وأن تُطبق هذه الحدود اللانهائية للبحار والمحيطات على صدورنا بعد أن تضيق بوحشية وجبروت بني البشر.
بين "تايتانيك" ومضيق هرمز، اختنقت أحلامنا في برزخ الزجاجة، وقد أوشكت على الانفجار فينا.


تحميل المقال التالي...