}

شكسبير فيلسوفًا: نحن مصنوعون من مادة الأحلام (1/ 2)

جورج كعدي جورج كعدي 7 أبريل 2026
آراء شكسبير فيلسوفًا: نحن مصنوعون من مادة الأحلام (1/ 2)
تمثال لشكسبير في لندن (Getty)


مَنْ أدرك هباء الوجود ومفاسد البشر أكثر من وليم شكسبير؟ لا أحد. ليس فيما كتب وأبدع نزاعٌ بين الشعر والفلسفة (أو المسرح والفلسفة) على ما ظنّ الإغريق. في شعره ومسرحه أفكار فلسفية عظيمة، وإن من غير منهج فلسفيّ، إذ لم تكن الفلسفة حرفته بل هاجس فطرته العبقرية. إنّه فيلسوف الفطرة بامتياز، فيلسوف الرؤية والحدس والفهم العميق للوجود والطبع البشريّ. لو أردنا أن نسمع ونرى الحقيقة عن السلطة والخداع وإرادة القوة والموت والجريمة والعقاب والحب والرغبة والغيرة والغدر والأحلام والأوهام والمقدّس والتاريخ، لما وجدنا أفضل من مسرحيات شكسبير، الذي لم يدع سؤالًا جوهريًا عن الحياة والبشر إلا طرقه وعالجه على النحو الأعمق والأكثر إدهاشًا. من أقوال شوبنهاور عنه: "في حالة شكسبير، كما في حالة غوته، كل شخصية، أثناء وقوفها وتفوّهها، محقّة تمامًا، حتى لو كان الشيطان نفسه".

ينظر شكسبير إلى فراغ الوجود بوصفه عدمًا، انطلاقًا من العدم الأخلاقي للبشر في عالم متغيّر، بلا قيمة، في حالة مستمرة من الانحدار، مهجور من قبل الآلهة وعلى وشك الفناء. يصرّ على موضوع العدم لدى الإنسان بسبب هويته غير المستقرة وعقله الفاشل، مقدّمًا عالمًا خياليًا يستحضر فيه الفناء وفقدان القيمة والاستحالة المنطقية، وبذلك يمسي مفهوم العدم لديه سمة مهمة من سمات أنطولوجيا العالم الخيالي. ومع ذلك، فإنّ قراءة شكسبير كفيلسوف لا تعني قراءته كما لو كان فيلسوفًا، بل ككاتب مسرحيّ؛ فالنص الشكسبيريّ يمثّل تحدّيًا للعقل الفلسفي، وهو يحمل أفكارًا فلسفية خالدة ينبغي فصلها عن السياق التاريخي الذي كُتبت فيه، إذ تصلح لكلّ زمن. ويعبّر مسرح شكسبير عن الشك الميتافيزيقي، وتطرح تراجيدياته شكوكًا في إمكان العيش في عالم بلا أساس عقلانيّ وأخلاقي. يخلق المسرح ساحة نموذجية خاصة للتفكير في العلاقة بين الحقيقي والممكن بطريقة محدّدة. خشبة المسرح حيّز لإمرار الأفكار الفلسفية، تُجبرنا على التفكير في العلاقة التي تربطنا بأفكارنا. إن عرض الأفكار بقالب خياليّ تمثيليّ يُنتج مشهدًا يخاطبنا ويخلق شكًا في قدرتنا على المعرفة. ما يبحث عنه الفيلسوف في شكسبير هو الدراما الفلسفية.

في مقالته تحت عنوان "النقد الأدبي" (1771) يشيد غوته بشكسبير قائلًا: "الصفحة الأولى التي قرأتها جعلتني عبدًا لشكسبير مدى الحياة. ولدى انتهائي من قراءة المسرحية الأولى وقفت هناك مثل رجل أعمى منذ الولادة... أدركتُ وشعرتُ بقوة أن حياتي اتسعت إلى ما لا نهاية"، ويقارن غوته حياته وأهميته ككاتب بحياة شكسبير وأهميته: "إن أنبل مشاعرنا هو أمل الاستمرار في الوجود حتى بعد أن يحوّلنا القدر، على ما يبدو، إلى حالة من العدم". كان غوته في الثانية والعشرين عندما كتب ذلك، وكان قد مرّ قرن ونصف قرن على وفاة شكسبير، وما فتئ قوله صحيحًا إلى اليوم. وفي مقالة ثانية له بعنوان "شكسبير مرة أخرى" (1815) يشير غوته إلى أن شكسبير هو واحد من قلة استطاعت إدراك العالم: "فقد جعل العالم شفافًا تمامًا لنا".

مثل كانط، كان شكسبير يؤمن بأنّ عالمًا كعالمنا ينبغي أن يحمل قيمًا سامية وموضوعية وفاعلة، لكنه يأسف بشدة لعدم وجودها. في أعمال شكسبير تتنافس القيم التي نقرنها بالعدالة والرحمة مع "القيم المضادة" المرتبطة بالجشع والشهوة والسلطة. مثل الفلاسفة اللاهوتيين، ترتبط القيم الإيجابية لديه بالجمال والحقيقة والعدالة واللطف، وأي شيء آخر هو بالنسبة إليه غياب للقيم. قصة العالم في نظره هي قصة تحقيق القيم الموضوعية في الحوادث الفعلية، وكل ما عدا ذلك ضجيج فارغ.

حتى لو لم يكن شكسبير فيلسوفًا يطرح منهجًا فلسفيًا شاملًا، فإننا نحتاج، بحسب ما يقول الباحث الإنكليزي ديفيد بيغنغتون، إلى التعامل بجدية مع الأفكار المطروحة في مسرحياته وقصائده. تكشف أفكار شكسبير عن عقل فلسفي عظيم. ربما لم يقرأ شكسبير الفلاسفة كثيرًا؛ فهو يستشهد بأرسطو مرتين في تعليقات عابرة، ولم يأتِ البتّة على ذكر أفلاطون، ويرِد اسم سقراط مرة واحدة في مسرحيته "ترويض الشرسة" كزوج خانع لـ"زنتيب" سيّئ الحظ، ويشير أربع مرات إلى فيتاغورس كصاحب أفكار غريبة غير جدية، ويذكر اسم سينيكا مرة واحدة في "هاملت" ككاتب مسرحي من الوزن "الثقيل". ورغم أن مفهوم الفلسفة الرواقية مهم بالنسبة إلى شكسبير، إلا أنه لم يستخدم تسمية "الرواقيين" إلا في إشارة كوميدية لدى وصفه الطلاب الذين يفضلون الدراسة الجدية على اللهو واللعب ("ترويض الشرسة")، ولا يشكّل مذهب الريبيّة (Scepticism) جزءًا من معجمه، مع أنه تأمّل كثيرًا في ما يمكن تسميته أفكارًا مشكّكة. كما يميل إلى استخدام كلمة "الأبيقوريّ" بالمعنى العامي "الشهوانيّ". ويذكر "اللوثرية" مرة في "هنري الثامن"، فيما تتردد أفكار كالفن من دون ذكر اسمه. ويظهر اسم ماكيافيللي ثلاث مرات مرادفًا للنذل أو المخادع السياسي، ولا يأتي البتّة على ذكر مونتاني رغم وضوح تأثيره في مسرحية "العاصفة".

كأن شكسبير يسخر من نفسه عند اعتماده صفة "الفيلسوف الطبيعي" في مسرحيته "كما تحبّها" / As You Like It ضمن حوار بين شخصيتي "تتشستون" و"كورين"، إذ يسأل الأول: "وأنت أيها الراعي، هل لك فلسفة؟" فيجيبه الثاني: "لا أعرف، لكن كلما ازدادت علّة المرء ازدادت حالته سوءًا، ومن يعوزه المال والمورد والقناعة يفتقر إلى الأصدقاء الثلاثة الطيبين، وخاصةً أن المطر يبلّ، والنار تحرق، والمرعى الجيد يسمّن الأغنام، والسبب الرئيس لليل غياب الشمس، ومن لم تعلّمه الطبيعة الحكمة والفن يُحرم من التنشئة الطيبة أو يصبح غبيًا جدًا"، فيبادره الأول: "مثل هذا الشخص فيلسوف طبيعيّ". قد توحي التسمية بشخص موهوب بالفطرة، أو علّم نفسه ببراعة، حتى لو لم يلتحق بمدرسة في المعنى المتحذلق الضيّق.

شكسبير يقرأ مسرحية "هاملت" لعائلته (Getty)


كتّاب كبار مجّدوا شكسبير فيلسوفًا أخلاقيًا كبيرًا، من صموئيل جونسون وجون كيتس إلى رالف والدو إمرسون وفرجينيا وولف وهارولد بلوم وستانلي كافيل. وقد وضع بن كيمبل (Kimpel) كتابًا بعنوان "فلسفة الأخلاق في مسرحيات شكسبير"، مشدّدًا على ثنائية الخير والشر فيها. وثمة كتاب لفرانز لوتغينو (Lutgenau) بعنوان "شكسبير فيلسوفًا" صدر في لايبزغ عام 1909، ويتمحور حول ما ورد في أعمال شكسبير عن الإرادة الحرة في مقابل الحتمية، والنسبية في مقابل اليقين... إلخ. وثمة الكثير من المؤلفات والأطروحات الأكاديمية في هذا الشأن، فما ينطق به "هاملت" أو "لير" أو "ماكبث" أو أي شخصية أخرى عميقة في مسرحه الثرّي، هو من الأقوال فائقة الحكمة والمحفّزة على التأمل والتبصّر والتفكير، لكأننا نسمع المؤلف نفسه ينطق بها. فقليلًا ما نعرف آراء شكسبير الشخصية خارج كتاباته، بل نسمعه يتساءل مع "هاملت": "أكون أو لا أكون... تلك هي المسألة"، ونوافقه على لسان إيرل غلوستر في "الملك لير" إذ يقول: "نحن بالنسبة إلى الآلهة مثل الذباب للأولاد المستهترين، يقتلوننا لتسلية أنفسهم"، أو نسلّم بالخلاصة العدمية لـ"ماكبث" بأن "الحياة ليست إلا ظلًا يمشي"، ويسعنا أن نردّد خلف "بوك" في "حلم ليلة منتصف الصيف": "يا إلهي، أي حمقى هؤلاء الفانون". كثيرًا ما تحوّلت أقوال شكسبير إلى كلام مأثور، فهو مسرحيُّ الحكمةِ الاستثنائية حتى نودّ اعتباره مفكرًا.

نميّز في مسرحيات شكسبير التاريخية فلسفة مؤلّف شاب يسعى إلى فهم تاريخ بلاده ومؤسساته السياسية، وبقدر ما نراه مستكشفًا رؤية ماكيافيلية للتغيّر التاريخي في هذه المسرحيات، نرى تصويره للشك الديني الفلسفي في مسرحيات الفترة اللاحقة، إذ ألفى نفسه ينجرّ أكثر فأكثر إلى تصوير الصراع الديني والأيديولوجي، مفصحًا عن معرفة عميقة بالاختلافات المذهبية التي يعرضها بإنصاف وموضوعية. يستخدم حسّ الدعابة حيال نفوذ الكنيسة في الشؤون السياسية. كما أن تقديم شكسبير الأشباح والجنيات والأرواح الأخرى متقن لديه مسرحيًا، فهو حيال الإرادة الحرة ووجود السماء والجحيم بارع وغير مباشر على حد سواء. القيم الروحية والدينية التي يبدو أنه يقدّرها في شكل خاص هي تلك التي يبحث عنها في العطاء الخيّر والتكفير والعفو، بدلًا من البحث عنها عبر المؤسسات الدينية.

يستكشف وليم شكسبير، في فترة أعماله التراجيدية الكبرى، التشاؤم وبغض البشر وكره النساء ونزعة الريبيّة، بصدق مدمّر وكثافة متزايدة باستمرار. في "ترويلوس وكرسيدا" نظرة محبطة تمامًا إلى أشهر حرب في التاريخ وتأثيراتها البشعة على الجانبين. تتفكك العلاقات الإنسانية، ويضلّل الأبطال المفترضون أنفسهم في تأكيدات تافهة للرجولة. ينشغل "هاملت" بإدراكه أن العالم الذي يعيش فيه ليس سوى "تجمّع مهلك من الأبخرة". تخلّي أمه عن ذكرى زوجها الميت يدفعه إلى اتهام النساء عمومًا بالهشاشة والانغماس في الملذات الحسية (هل كان شكسبير مثل شوبنهاور "ميزوجينيًّا"؟). والنهاية المثبطة في "يوليوس قيصر" تُظهر الحقيقة المحزنة أن البشر هم أحيانًا أسوأ أعداء أنفسهم، وفي تحوّلات التاريخ غير المتوقعة كثيرًا ما تؤدي الأغراض ذات المسعى النبيل إلى تدمير المثاليات الحقيقية التي كافح الأبطال التراجيديون من أجلها.

هل كان شكسبير غنوصيًا لا أدريًا؟ الأرجح أنه كان منخرطًا في رؤية دينية (كاثوليكية) للعالم، حتى لو كانت مليئة بالشك، ويعتقد بعض الباحثين أنه ربما كان كاثوليكيًا في الخفاء، لأن الكنيسة الأنغليكانية كانت في زمنه الكنيسة الرسمية، وكان الكاثوليك مضطهدين أحيانًا، وكان العديد من الكتّاب، وبينهم شكسبير، حذرين جدًا في التعبير عن معتقداتهم. كما أن بعض نصوصه تحمل تعاطفًا مع شخصيات كاثوليكية. فأدبه هو أدب شكّ، وليس أدب يقين ما ورائيّ. أدب قلق وجودي يمضي أحيانًا إلى حدّ العدمية المطلقة، وبالأخص حين ينظر إلى الوجود بوصفه وهمًا وظلالًا. لم يكن الإلحاد فكرًا معلنًا في عصره، الذي كان عصر تكفير ومحاكم تفتيش. ربما كان شكسبير ملحدًا، بل عدميًا، فالكثير من أقواله يشي بذلك.

أكبر تعبير عن الشك الميتافيزيقي نقع عليه في "هاملت" وأسئلته الوجودية التي ليس أبسطها "أكون أو لا أكون". يقول الشاعر الإنكليزي صمويل تايلور كولريدج إن مأساة "هاملت" هي مأساة الفكر والتناقض بين الفكر والفعل. ومثله يقول أوغست شليغل إن "هاملت" يضيّع نفسه في متاهات الفكر. الضائع الفعلي في متاهات الفكر هو شكسبير، فقد جعل إزاء "هاملت" رجلين هما على النقيض منه، للتأكيد على سمة التردّد عنده: "لرتيس" الذي، حالما يعلم بمقتل أبيه "بولونيوس"، يقود ثورة ضد الملك، و"فورتنبراس" الذي يشنّ حربًا على بولندا ولو "من أجل قشرة بيضة!". وكذلك الملك، الذي لعلّه يردّد رأي شكسبير حين يخاطب "لرتيس" محرّضًا إياه على الثأر من "هاملت" بقوله: "إن ما نبغي فعله يجب أن نفعله عندما نبغي، لأن 'نبغي' هذه تتبدّل، ويعتورها من النقص والتسويف بقدر ما هنالك من ألسن وأيدٍ وصُدَف. وعندما نرى أن 'يجب' هذه أشبه بزفرة مضنية تروّح عن النفس ولكنها تؤذي الجسد". يخشى "هاملت" أن يكون ما رآه ليس طيف أبيه بل صورة الشيطان الذي يروم دفعه إلى الهلاك.

تجسّد مسرحيات شكسبير قيمة فلسفية، وتعدّ مسرحية "ماكبث" الأكثر طموحًا بين أعماله من الناحية الميتافيزيقية، مع أن عبارة "ميتافيزيقي" لا ترد إلا مرة واحدة في أعماله، وتحديدًا عندما تتأمل "الليدي ماكبث" رسالة زوجها بشأن لقائه مع الأخوات "ويرد"، فهي تريد التدخل للمساعدة في الموقف الذي "يبدو أن القدر والمعرفة الميتافيزيقية قد تُوّج بهما زوجها". وثمة في مسرحية "ماكبث" مقارنات بارزة بين القبيح والجميل، النور والظلام، الخير والشر، الحق والباطل. ما من مسرحية لشكسبير تتناول القضايا الميتافيزيقية بقوة أكثر من مسرحية "ماكبث". تبدو شخصية "ماكبث" كأنها تدعم فكرة حنه آرندت القائلة بأن الشر ينبع من التهوّر. جميع البشر الذين عاشوا على مرّ العصور موجودون في مسرح شكسبير، الذي لم يحابِ أحدًا، وأشرقت عبقريته على الأشرار والأخيار على حدّ سواء، وعلى الحكماء والحمقى، وعلى الملوك والمتسوّلين.
وقد أخضع شكسبير شعره وفكره ومسرحه للفلسفة، لذا استحوذت أعماله على اهتمام كبار الفلاسفة، وهذا محور الجزء الثاني والأخير من مقالتنا.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.