}

الدراما عن السجون والتعذيب بسورية أمام امتحان دقيق (2-2)

فارس الذهبي 20 مايو 2026
آراء الدراما عن السجون والتعذيب بسورية أمام امتحان دقيق (2-2)
مكسيم خليل في "ابتسم أيها الجنرال"


في المقال السابق، كان السؤال المركزي يدور حول شروط تمثيل المجازر والسجون والعنف السياسي في مجتمعات خارجة من الصدمة. وقد انتهى النقاش إلى أن الدراما لا تصبح فعل شهادة وتعافٍ بمجرد اقترابها من الألم، وإنما تحتاج إلى سياق أخلاقي ومؤسساتي واضح، عدالة انتقالية، كشف مصائر المفقودين، أرشفة، اعتراف، مشاركة الضحايا، واحترام حرمة أماكن الجريمة. من دون هذه الشروط، يتحول العمل الفني بسهولة إلى إعادة إيذاء، أو إلى استثمار تجاري في الوجع، أو إلى مادة جديدة في الاستقطاب الأهلي.

غير أن هناك خطرًا آخر، أكثر خفاءً من عرض العنف المباشر. قد تنتج الدراما عملًا يبدو متعاطفًا مع الضحايا، حافلًا بالبكاء والمشاهد المؤثرة، ويقدّم نفسه بوصفه اختراقًا جريئًا للصمت، ومع ذلك يساهم في تفريغ الجريمة من معناها السياسي. هنا لا تكون المشكلة في وجود السجن على الشاشة، ولا في ظهور الضحية، ولا في استعادة التعذيب كذاكرة مؤلمة. المشكلة في الطريقة التي تُفصل بها التجربة عن أسبابها، وفي الكيفية التي تُحوَّل بها الجريمة من بنية سلطوية منظمة إلى حكاية إنسانية عامة، تصلح للبكاء أكثر مما تصلح للمساءلة.

تبدأ آلية التمييع حين يُفصل الألم عن سببه. يظهر التعذيب كتجربة قاسية، ويظهر السجين كجسد منهك، وتظهر الأم بوصفها صورة للفقد، ويظهر الغياب بوصفه جرحًا عائليًا مفتوحًا. كل ذلك صحيح ومؤثر وضروري من حيث المبدأ. غير أن الخطورة تبدأ عندما تختفي البنية التي أنتجت هذا الألم: الأجهزة الأمنية، سلسلة الأوامر، القضاء المسخّر، الطبيب الذي يغطي آثار التعذيب، الإعلام الذي يشيطن الضحية، المخبر الذي يراقب الحي، الحزب الذي يصنع لغة الطاعة، والخوف العام الذي يحوّل المجتمع إلى شبكة صمت.

في هذه الحالة، تصير المأساة قدرًا غامضًا. يتألم المشاهد، لكنه لا يرى الفاعل بوضوح. يتعاطف مع الضحية، لكنه لا يصل إلى حكم سياسي متماسك حول المسؤولية وكيفية تجنبها. ينتقل السؤال من: مَن فعل هذا؟ كيف سُمح له أن يفعله؟ كيف تتكرر الجريمة حين تبقى بنيتها حية؟ إلى سؤال عاطفي محدود: كم كان هذا مؤلمًا؟ بهذا المعنى، قد تنجح الدراما في إنتاج التأثر، وتفشل في إنتاج المعرفة. وقد تفتح باب الدموع، وتغلق باب المحاسبة.

يمكن، في الحالة السورية، وضع مجموعة معايير عملية لأي عمل يقترب من هذا الحقل


الآلية الثانية هي استبدال العدالة بالانفعال. تمنح الدراما جمهورها لحظة تنفيس قوية: صدمة، بكاء، غضب، تعاطف، شعور بأن الصمت قد كُسر أخيرًا. غير أن الانفعال وحده قد يعمل كبديل زائف عن الاعتراف. يشعر المتفرج بأنه أدى واجبه الأخلاقي لأنه تأثر، بينما تبقى الأسئلة الصعبة معلقة: من المسؤول؟ أين الأسماء؟ أين سلسلة القرار؟ أين المؤسسات التي حمت الجريمة؟ كيف تحول الإنسان العادي في هذه البلاد إلى جلاد؟ ما مصير المفقودين؟ كيف تُبنى ذاكرة عامة من دون تحويل الضحايا إلى مادة موسمية؟

هنا يصبح التعاطف نوعًا من الاستهلاك الأخلاقي. يشاهد الجمهور العذاب، يتأثر به، يتداوله على وسائل التواصل، ثم يخرج من التجربة من دون معرفة إضافية، ومن دون موقف أوضح، ومن دون ربط الألم بالنظام الذي أنتجه. تبدو الدراما في هذه اللحظة جريئة لأنها اقتربت من المحظور، لكنها قد تكون، في بنيتها العميقة، قد خففت الثقل السياسي للجريمة. فقد نقلتها من مستوى المسؤولية إلى مستوى التأثر، ومن مستوى البنية إلى مستوى المشهد، ومن مستوى المحاسبة إلى مستوى الدموع.

أما الآلية الثالثة، وهي الأكثر حساسية في الحالة السورية، فتتصل بالوجوه التي تؤدي الحكاية. الممثل في المجتمعات الخارجة من العنف ليس جسدًا فنيًا محايدًا تمامًا. وجهه يحمل تاريخًا عامًا، وموقعًا رمزيًا، وصورة متراكمة في ذاكرة الجمهور. حين يؤدي أدوار الضحايا أو شهود العذاب فنانون ارتبطوا سابقًا بخطاب التبرير أو الاصطفاف مع السلطة، يتحول الأداء إلى مسألة تتجاوز جودة التمثيل. يصبح الأمر سؤالًا أخلاقيًا حول من يملك حق الكلام باسم الألم، ومن يُمنح موقع الوسيط بين الضحية والجمهور.

الوجه الذي أدى شهادة سلبية، أو برّر، أو شارك في صناعة المناخ الرمزي الذي جعل القمع مقبولًا، يعود عبر الشاشة في هيئة شاهد على العذاب أو حامل لذاكرة الضحايا. من دون مراجعة علنية، أو اعتراف، أو مساءلة، يبدو هذا الانتقال كأنه إعادة تدوير للشرعية الرمزية. فالجمهور لا يرى الشخصية وحدها؛ يرى الشخصية والوجه وتاريخه معًا. يرى الدور داخل العمل، ويرى خارجه أثر سنوات من الاصطفاف أو الصمت أو التبرير. وهنا يتحول التمثيل من مجرد حرفة إلى أن يصبح دخولًا جديدًا إلى ذاكرة الجريمة.

هذه النقطة لا تعني إنشاء محاكم فنية، ولا تحويل كل ممثل إلى ملف سياسي. إنها تعني أن الذاكرة العامة في المجتمعات الممزقة تتعامل مع الوجوه كما تتعامل مع الوثائق. فالشاشة لا تمحو التاريخ السابق لصاحب الوجه. وحين يُمنح شخص ارتبط رمزيًا بشرعنة القمع موقعًا داخل حكاية الضحية، من دون عبور أخلاقي واضح، يشعر جزء من الجمهور بأن الدراما تطلب منه مصالحة قسرية. كأن العمل يقول للضحايا وأهاليهم: اقبلوا هذا الوجه وسيطًا لألمكم، حتى لو كان جزءًا من المجال الذي ساهم في تطبيع أسباب هذا الألم.

عند هذه النقطة يمكن للدراما أن تقوم بعملية غسل عاطفي للجريمة. فهي لا تنكر التعذيب، ولا تهاجم الضحايا، ولا تمجد السجان مباشرة. لكنها تعيد ترتيب المجال الأخلاقي بطريقة تسمح بعودة وجوه التبرير إلى مركز التعاطف. يتحول من كان جزءًا من بيئة الصمت أو الاصطفاف إلى راوٍ للمأساة. وتتحول الشاشة إلى فضاء يغفر بلا اعتراف، ويعيد توزيع البراءة بلا مساءلة، ويمنح الماضي فرصة للذوبان داخل مشهد مؤثر.

الآلية الرابعة هي تحويل الجريمة من بنية إلى تجربة شخصية. الدراما بطبيعتها تحتاج إلى شخصيات، وبيوت، وعائلات، وحبكات فردية. هذا ضروري فنيًا. غير أن التركيز على الفرد وحده قد يختزل الجريمة في محنة خاصة. يصبح السجن مأساة عائلية، ويصبح التعذيب جرحًا نفسيًا، ويصبح الغياب حكاية أم تنتظر ابنها. كل ذلك يمثل جزءًا من الحقيقة، لكنه لا يكفي لصناعة ذاكرة سياسية. فالجريمة المنظمة تحتاج إلى تمثيل شبكتها: من كتب التقرير؟ من أصدر الأمر؟ من نفذ؟ من غطّى؟ من استفاد؟ من صمت؟ من بنى اللغة التي جعلت الضحية خائنًا قبل أن تصل إلى الزنزانة؟

حين تُهمل هذه الشبكة، تكتسب الحكاية طابعًا إنسانيًا عامًا. تبدو قابلة للحدوث في أي بلد، وفي أي زمن، وعلى يد أي سلطة غامضة. هذه الكونية قد تبدو نبيلة، لكنها قد تمحو خصوصية الجريمة السورية. الألم الإنساني مشترك، أما المسؤولية فمحددة. الضحية إنسان قبل كل شيء، لكنها أيضًا ضحية نظام بعينه، وأجهزة بعينها، وسياسات بعينها، ولغة بعينها. الفن الذي يكتفي بكونية الألم يخاطر بمحو اسم المرتكب، حتى وهو يرفع صورة الضحية.

ثم تأتي آلية خامسة تتعلق بتحويل العنف إلى ذروة تشويق. في بعض الأعمال، يصبح التعذيب مشهدًا منتظرًا، والسجن فضاءً بصريًا جذابًا، والصرخة علامة تسويق، والجسد المعذب مادة لشد الجمهور. هنا تنتقل الدراما من الشهادة إلى استهلاك الصدمة. الضحية تفقد تعقيدها الإنساني، وتتحول إلى وظيفة درامية، جسد يتألم كي يتحرك السرد، أو كي يبلغ العمل ذروة تأثيره. ومع تكرار هذا النمط، يصبح الجمهور معتادًا على الرعب، مستعدًا لتلقيه كجزء من المتعة الدرامية، فينخفض أثره الأخلاقي بدل أن يتعمق.

الدراما عن السجون والتعذيب في سورية تقف أمام امتحان دقيق


في مقابل هذه المخاطر، لا يعني الحذر الدعوة إلى الصمت أو الطيّ. الذاكرة تحتاج إلى الفن، والضحايا يحتاجون إلى فضاء عام، والمجتمعات التي نجت من العنف تحتاج إلى سرديات تساعدها على فهم ما حدث. لكن الدراما التي تقترب من السجون والمجازر مطالبة بالانتقال من عرض الألم إلى بناء معرفة حوله. عليها أن تسأل عن البنية، لا عن المشهد وحده، عن المسؤولية، لا عن التعاطف وحده، عن الضحية كإنسان كامل، لا كجسد معذب، عن المكان كذاكرة، لا كديكور، عن الوجه المؤدي كحامل لتاريخ عام، لا كأداة فنية محايدة تمامًا.

يمكن، في الحالة السورية، وضع مجموعة معايير عملية لأي عمل يقترب من هذا الحقل. أولها أن تبدأ الدراما من الأثر قبل المشهد: انتظار المفقود، حياة الأسرة بعد الاعتقال، المعاملات القانونية العبثية، الخوف المزمن، تبدل العلاقات بعد السجن، العجز الاقتصادي، تفتت الثقة بين الناس. هذه الموضوعات تكشف عمق الجريمة من دون تحويل التعذيب إلى فرجة مباشرة.

ثانيها أن تُبنى الأعمال وفق بروتوكول مراعاة الصدمة: تجنب التفاصيل الفجة غير الضرورية، احترام كرامة الضحايا، تحذيرات محتوى دقيقة، مراجعة نفسية للمشاهد الحساسة، وحذر خاص في عرض الجثث والتعذيب والاعترافات. فالمتلقي في السياق السوري قد يكون قريبًا مباشرًا لضحية، وقد يتلقى المشهد كاستعادة حية لا كحكاية فنية.

ثالثها إشراك الناجين وأهالي المفقودين في العملية الاستشارية، ضمن لجان واضحة ومدفوعة الأجر، مع حق الاعتراض على استخدام شهادات حقيقية أو أماكن أو أسماء أو تفاصيل يمكن أن تؤذي أصحابها. المشاركة هنا شرط أخلاقي يمنع الاستحواذ على الألم، وليست رقابة على الفن.

رابعها احترام حرمة المكان. السجن أو موقع المجزرة ليس "لوكيشن" إنتاجيًا عاديًا. المكان حامل لذاكرة الناس ولغيابهم ولحقهم في الحقيقة. حين يغيب إطار تذكاري شرعي وموافقة مجتمعية واضحة، تصبح المحاكاة أو الاستوديو خيارًا أكثر احترامًا من استعمال المكان الحقيقي كخلفية تصوير.

خامسها التعامل بجدية مع مسألة الوجوه والتاريخ الرمزي للعاملين في العمل. المطلوب وضوح أخلاقي، لا قوائم إقصاء. حين يشارك من ارتبطوا سابقًا بخطاب تبريري، تحتاج المشاركة إلى مراجعة صريحة أو مسافة نقدية واضحة. الذاكرة السورية مثقلة بما يكفي كي لا تُفرض عليها مصالحة جمالية فوقية باسم الفن.

سادسها ربط الحكاية بسؤال المسؤولية. يمكن للعمل أن يكون إنسانيًا وعميقًا من دون أن يصبح خطابًا مباشرًا. غير أن الإنساني العميق لا يحتاج إلى محو السياسة. يمكن للدراما أن تكشف النظام عبر التفاصيل: ورقة، ختم، حاجز، عبارة في نشرة أخبار، طبيب يزور الزنزانة، قاضٍ يعرف الحقيقة، جار يخفض صوته، أم تخاف من السؤال. هكذا تظهر البنية من داخل الحياة، لا عبر خطاب خارجي.

الخلاصة أن الدراما عن السجون والتعذيب في سورية تقف أمام امتحان دقيق. قدرتها على كسر الصمت لا تكفي وحدها. شجاعتها تقاس بقدرتها على تسمية البنية التي صنعت الألم. العمل الذي يقدم التعذيب كسردية إنسانية عامة، ويمنح أداء الضحية لوجوه ساهمت سابقًا في شرعنة منظومة القمع، يخاطر بأن يتحول من شهادة على الجريمة إلى آلية لغسلها عاطفيًا. أما العمل الذي يربط الوجع بسببه، والانفعال بالمساءلة، والذاكرة بالعدالة، فيستطيع أن يفتح بابًا حقيقيًا للتعافي. ليس التعافي بوصفه نسيانًا، وإنما بوصفه معرفة مسؤولة بما حدث، ورفضًا واضحًا لشروط تكراره.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.