صور الشجارات التي تقع من مرّة لمرّة في الطوابير للحصول على طراز جديد من الهواتف الذكيّة أو من ساعات "سواتش"، وتلك المنتشرة عن مبيت الناس عند أبواب محلّات تبيع هذه الماركة أو تلك، أو عن الاحتشاد الجماهيريّ في الـ"Black Friday" ـ كلّها تُعيدنا قسرًا إلى كتاب للفيلسوف الألمانيّ هربرت ماركوزا (1898 - 1979) بعنوان: "One-Dimensional Man" ـ "الإنسان ذو البُعد الواحد"، وقد صدر في عام 1964. يناقش هذا الكتاب اغتراب الإنسان في النُظم الاشتراكيّة والرأسماليّة على السواء، وانحسار فاعليّة الطبقات البرجوازيّة والعمّاليّة وقُدرتها على التغيير، وتحويل الإنسان ـ وهو موضوعنا ـ إلى مخلوق استهلاكيّ من خلال وسائل الاتّصال والإعلام وقوّة الدعاية. ويسرد فيه نظريّته التي صارت لاحقًا بوصلة لـ "اليسار الجديد" بشأن كيف استطاع الرأسمال أن يُطوّع الطبقات ويجعل من الفرد مخلوقًا استهلاكيًّا مجرّدًا من معانيه وأبعاده وغاياته النبيلة.
استند ماركوزا في وضع مادّته تلك إلى ما تراكم لديه من مشاهدات وأبحاث في خمسينيّات القرن العشرين الفائت في المجتمع الأميركيّ حيث عاش بعد هروبه من ألمانيا النازيّة، ومن تأمّلاته للمجتمعات في النُظم الرأسماليّة والاشتراكيّة على السواء. ولأنّه من مؤسّسة مدرسة فرانكفورت الفلسفيّة ـ ألمانيا ـ فقد اتّسمت كتبه وتنظيراته بنقديّة شموليّة لهذه النُظم وما أحدثته في "طبيعة" الفرد وحال الإنسان. حديثه يومها عن إنسان ذي بُعد واحد يُعبّر عن خيبته من أثر النُظم في سلب الإنسان أبعاده الأخرى المتعلّقة بمفاهيم روّجت لها الثورات أو النُظم الرشيدة كالحريّة والسعادة وكرامة الإنسان وما إلى ذلك. وقال ما معناه إن المُنتجين والمسوّقين رأوا أن يأخذوا المجتمعات في رحلة تغريب عن مُثُل كهذه، وحوّلوا الإنسان إلى مخلوق يقوم وجوده على الاستهلاك بالأساس. وإن عمليّة الإنتاج هي التي تقرّر مصيره وشعوره كفرد وكجماعة وتقوده إلى الاغتراب.
يومها، عزا ماركوزا ـ ولم يكن وحيدًا في مدرسة فرانكفورت أو غيرها ممّن قدّموا مثل هذه الأطروحات، وقد خصّصوا الكثير منها إلى أثر وسائل الاتّصال الجماهيريّة في خدمة النُظم والسيطرة على الجماهير وتوجيهها ـ إلى قوّة وسائل الاتّصال الجماهيريّة ووسائل التسويق في خلق هذه الحالة. وهي حالة يعيش الفرد فيها مشلولًا في نواحٍ كثيرة من فطرته وإنسانيّته لصالح طفرة في نشاطه ووعيه كمستهلك. يُمكننا أن نعود إلى تلك الفترة لنتبيّن أن الاقتصادات عبر العالم مرّت بعمليّة تنمية مركّزة قادتها النُظم بعد الحرب العالميّة الثانية، الأمر الذي انعكس في أنماط وظواهر عديدة بينها الوفرة في السلع الاستهلاكيّة وضرورة تصريفها من خلال مناهج كاملة من التقنيّات والأساليب والموديلات لتشجيع الاستهلاك كضرورة ـ من ناحية المنتجين على الأقلّ ـ لإدامة "التنمية" و"الرفاهية" كشرطين من شروط تحقيق السعادة. بيد أن أمر الإنتاج والاستهلاك شهد تحوّلات جذريّة وقفزات نوعيّة بفضل ما تحقّق في الحقول المتّصلة به، ومنها: 1. تكنولوجيا متطوّرة لإنتاج السلع الاستهلاكيّة لا سيّما الـ"Gadgets"، وبناء هرميّة/معنى وقيمة للسلع الاستهلاكيّة والماركات النُخبويّة. 2. أساليب التسويق واعتمادها أخطر نظريّات علم نفس الجماعة والفرد في تحقيق أكبر سيطرة على أحكام وميول الفرد وسلوكه وقراراته (إرادته) وخياراته من خلال التحكّم بحواسه كافّة (قُيّض لي أن أعمل في مرحلة مبكرة من شبابي في مكتب للدعاية التجاريّة، ما جعلني أجزم أن أكثر المؤسّسات استخدامًا لعلم النفس هي المخابرات ومكاتب الدعاية). 3. الوسائل الدعائيّة والتقنيّات وصناعة المرئيّات والمُهيِّجات والتمثيلات والمعلومات لتوجيه الاستهلاك وإقناع المستهلكين من خلال سلبهم الإرادة الكاملة. 4. الخوارزميّات بوصفها تقنيّات دقيقة لتفكيك الأفراد وتشكيل بروفايلاتهم الاستهلاكيّة وتصميمهم على أنهم مستهلكون مُسطَّحون ـ ذوو بُعد أقلّ من واحد، تتصيّدهم الشبكات في نقاط ضعفهم أو قوّتهم وتشدّهم منها إلى الاستهلاك مُنقادين لا إرادة لهم سوى التنقّل بين ماركة وأخرى أو بين مدينة سياحيّة (توفّر كل الاحتياجات وتستجيب لكلّ الغرائز) وأخرى، بين مُنتج صينيّ وآخر أميركيّ، وهكذا.
المعنى أن الفرد الذي غرّبه الاستهلاك في منتصف القرن وفق ماركوزا حوّله الاستهلاك في الراهن بقوّة الدعاية وثقافة الصورة وطغيان المرئيّات والتسويق العدوانيّ ـ إذا صحّت الترجمة عن Aggressive marketing ـ والتسويق بالاحتيال والخداع والغشّ إلى مخلوق استهلاكيّ بالكامل. وإذا استعرنا من ديكارت مقولته (أنت تفكّر، إذًا أنت موجود) وبنينا مقولةً على نسقها لكانت النتيجة: "أنت تستهلك، إذًا أنت موجود". وهو ما تعكسه بقوّة صورة الناس في الشبكات. فهم هناك مستهلكون بامتياز أو مسوّقون لسلع استهلاكيّة. وهم هناك عُرضة لألف دعاية وإعلان تجاريّ في اليوم على أقلّ تقدير. ولأنّنا بصدد التصويب إلى غرائزنا وحواسنا كلّها بدقّة وإحكام، فقد يصير المخلوق الاستهلاكيّ حيوانًا استهلاكيًّا يقاتل كي يحظى بالطراز الجديد من ساعات آبل أو بجهاز ذكيّ من أحدث تكنولوجيا أنتجتها الصين. سنقول إن الإنسان عادةً ما "قاتل" في الطوابير إلى المحروقات أو رغيف الخبز. وهذا صحيح، لكن القتال في الطوابير الآن هو على سدّ الرغبات والغرائز التي يعوّمها المنتجون على أنها "غاية أسمى" أو "سدرة المنتهى"، فيما هي في حقيقة الأمر لا تحفظ الوجود ولا الكرامة الإنسانيّة بقدر ما تُفقد الوجود معناه وغاياته وتُذهب الكرامة.
في وضع كهذا، وبسطوة أدوات التسويق المدمجة بخوارزميّات لا تُخطئ أهدافها، يتحوّل الإنسان من مُستهلِك، كما رآه ماركوزا في حينه، إلى مُستهلَك في زماننا هذا. فنحن مُستنزَفون على الجبهة في مقابل المنتجين والمروّجين والمسوّقين. وغالبًا ما نجد صعوبة في ردّ "عدوانيّتهم" لأنهم استطاعوا، بفعل ما أُنجز من تكنولوجيا، أن يخترقوا كلّ الحدود وأنظمة الحماية التي يُخيَّل لنا أنّنا أقمناها في الدفاع عن إنسانيّتنا وخصوصيّتنا وكرامتنا كأناسٍ يتحكّمون بخياراتهم. في حالتنا اليوم نحن لا نشتري بل هم الذين يبيعوننا. نحن لا نُبحر في الإنترنت بل الإنترنت هو الذي يُمسك بأطرافنا ويجرّنا جرًّا إلى لجّته.
(برلين)


تحميل المقال التالي...