}

هل يلتزم المبدع بقيم إبداعه في حياته الواقعية؟

راسم المدهون 27 مايو 2026
آراء هل يلتزم المبدع بقيم إبداعه في حياته الواقعية؟
(Getty)


في الآداب والفنون كلها، وفي العالم كله، دأب الرأي العام في أغلبيته على ربط الإبداع بسلوك مبدعيه في حياتهم اليومية والتزامهم بما يدعون إليه في إنتاجهم الأدبي أو الفني. هو التزام يلاحظ كثر من المتلقين أنه قليلًا ما يتحقق، وأن نسبة كبرى من أولئك المبدعين يناقضون "طهارة" نصوصهم الأدبية بخروجهم عن جوهر ما تدعو إلى الالتزام به؛ بل إن كثيرًا من المبدعين قاموا بممارسات في حياتهم الواقعية شكّلت "فضائح" سلوكية أخلاقية أو اجتماعية تضعهم في موقف نقيض تمامًا لتلك الصورة التي تدعو لها آدابهم أو فنونهم؛ وهم بتلك الممارسات أعادوا "تموضعهم" الفردي في مواقع تثير الرفض وتحرّض على إقصائهم ووضعهم في مصاف الأعداء، بل وحتى وصم ما قدموه من إبداع بصفات لا علاقة لها إلا بكل ما يجرّ مكانتهم العالية إلى حضيض الإلغاء.

مع كل ما في رؤية كتلك، ظل هناك من يرى المسألة بصورة مختلفة تنطلق ابتداءً من فكرة لا معقولية إلزام المبدع بما تدعو إليه نصوصه من قيم عليا، وما تفرضه من سلوكيات أخلاقية بالضرورة، وهؤلاء يرون أن المسألة هنا لا تختلف عن التزام البشر عمومًا بما تفرضه الأديان من حضّ على الخير والابتعاد عن الشر. هنا بالتحديد يتوقف أصحاب تلك الرؤية عند فكرة الفوارق الواقعية التي لا يمكن لأحد تجاهلها بين الدعوة إلى الالتزام الصارم والدقيق بالقيم العليا والمثل الأخلاقية والسلوكية، وبين العوامل والظروف القاهرة التي تفرض نفسها على جميع البشر وتتحكم في سلوكهم وممارساتهم، والتي تجعل قناعاتهم الفكرية المبدئية تعجز في حالات كثيرة عن أن تكبح جموح السلوك السلبي واختلال الممارسات والخروج على القيم النبيلة، وهم برؤيتهم يرون أن تلك الممارسات السلبية لا تلغي إبداعات المبدعين ولا تقلل من شأنهم بالضرورة. هم يرون هنا أن النتاج الإبداعي ما أن يحققه صاحبه ويخرج للعلن والتداول حتى يتحول إلى "ملكية عامة"، لا بمردوده المادي الشخصي، ولكن بموقعه في حياة الناس العامة وأثر حضوره كقيمة مستقلة لها مكانتها الخاصة التي لا يجوز أن تتأثر برؤية الناس لسلوكهم الفردي الخالص بهم وبهم وحدهم.

وقع الانقسام في الموقف من الفنان التشكيلي الإسباني الشهير سلفادور دالي بسبب رفضه الثورة الإسبانية ووقوفه مع الملكية وحكومتها الديكتاتورية حتى اليوم الأخير من حياته


هنا يعود بنا كثر من النقاد إلى واقعة بابلو نيرودا، الشاعر الكبير والهام، وهو من شكّل ويشكّل إلى اليوم واحدًا من أبرز وأهم الشعراء المعاصرين في الأدب العالمي كله. بابلو نيرودا قيل إنه أنجب ابنةً رفض الاعتراف بها أساسًا، وهو بالتالي رفض الالتزام بتربيتها والإنفاق عليها. واقعة لا نتبناها هنا، ولكننا نشير إلى حدوثها، ونشير تحديدًا إلى أنها أحدثت انقسامًا في آراء من يحبون شعر نيرودا ويعترفون بمكانته الشعرية الكبرى، بل وحتى بمن لا يفعلون، فالجميع عاشوا الانقسام بين الرأيين: من يجد ضرورة المحاسبة ورفض قيمة الشاعر بناءً على تلك الواقعة، وبين من يرفضون محاسبة الشاعر بناءً عليها ويعتبرون أن الواقعة، وإن صحت، لا تشكّل سببًا كافيًا لإلغاء قيمة شعر نيرودا ولا اعتباره قد خرج من مكانته العالية وبات في مكانة أخرى.

وفي زمن سابق، وقع الانقسام في الموقف من الفنان التشكيلي الإسباني الشهير سلفادور دالي بسبب رفضه الثورة الإسبانية ووقوفه مع الملكية وحكومتها الديكتاتورية حتى اليوم الأخير من حياته. الموقف من دالي كان أيضًا حادًا من كل من يرفضون الفاشية والديكتاتورية، وقد وصل البعض منهم حد إنكار موهبة دالي، في حين ظل بعضهم يعترفون بمكانته الكبرى في الحياة الفنية، فيما ظل مؤيدوه لا يقيمون وزنًا لسلوكه السياسي كله، بل هم اعتبروه قيمة فنية وأخلاقية تنسجم مع قيمهم السياسية والفكرية.

وثمة قصص وحكايات أخرى كثيرة طفت على سطح الحياة العربية، ارتبطت بأسماء أدباء وفنانين عرب عاشوا وشكّلوا حالات فنية وأدبية كبرى، وكانت لهم هم أيضًا أسباب افتراق سياسي أو سلوكي مع سياقات قيم إنسانية أو أخلاقية تعود لانتمائهم لأديان أو طوائف مختلفة، انتصرت مواهبهم ونجحت من خلال تميزها في فرض الاحترام لهم واحتفاظهم بمكانة مرموقة في مجتمعاتهم، ولم تتأثر تلك المكانة. وبعضهم ربطهم الناس بحالات سياسية يؤيدها الجمهور وهم خرجوا عليها بعد زمن طويل من انتمائهم، كما حدث مع الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب حين خرج عن التزامه بالحزب الشيوعي العراقي، وأثار بخروجه وانتقاداته لتجربته الحزبية حنق الكثيرين، ولكنه مع كل الانتقادات، بل والهجوم عليه، خرج شعره وريادته للشعر الحديث سليمًا لا يمسه سوء. بل إن ما تعرض له من اتهامات بـ"خيانة مبادئه" سرعان ما تبدد، وخصوصًا بعد السقوط المدوي للشيوعية كأحزاب وحتى كفكر سياسي واقتصادي كان يشكّل حتى وقت قريب رافعة لبناء الدول، ويُعتبر ركنًا مهمًا في الحياة السياسية الدولية.

ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى حقيقة أن الإبداع الأدبي والفني لا يحتمل ولا يتحمل وزر ربطه بشكل اعتباطي أو حرفي بالمثل والقيم العليا، لأن العلاقة تحمل الكثير من الالتباسات والتناقضات التي تظل، رغم كل التبريرات، بمنأى عن التأثر، وتظل تحتفظ للمبدع بقوة إبداعاته. ومن منا ينسى ما أثير في ستينيات القرن الماضي من لغط حول الكاتب الأميركي الشهير جون شتاينبك، صاحب "عناقيد الغضب" و"شارع السردين المعلب"، بسبب تأييده لحرب بلاده، أميركا، في فيتنام، على النقيض من وقوف غالبية الأميركيين ضد تلك الحرب ودعوتهم سلطات بلادهم لسحب القوات الأميركية من تلك البلاد وإنهاء الحرب؟ ومع كل ما قيل وما كتب، ظل أدب شتاينبك يحتفظ بمكانته الكبرى والمرموقة في الأدب العالمي، باعتباره يمتلك قوة التأثير ونصاعة جمالياته الفنية التي أعطت صاحبها التميز والفرادة وموقعه في الرواية العالمية.

ليس ما نقوله دعوة لفصل الإبداع عن سلوك مبدعه، ولكنه اعتراف واقعي باستحالة دعوة كتلك، بل وخروجها عن منطق الطبيعة البشرية التي تفترض بالمبدعين مكانة وسلوك الأنبياء، وتلك مسألة غير واقعية، بل هي ببساطة مسألة مستحيلة وبالغة المثالية، ويندر أن تتحقق في الواقع إلا بندرة وفي حالات لا يجوز البناء عليها أو اعتبارها قاعدة يلتزم بها الأدباء والفنانون، وهم أولًا وأخيرًا بشر من لحم ودم، ولهم أهواء تضعهم في مواقف مختلفة، بل ومتناقضة في أحيان كثيرة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.