}

السينما في مرآة التاريخ المعاصر: سيرة الخذلان

أشرف الحساني 28 مايو 2026
آراء السينما في مرآة التاريخ المعاصر: سيرة الخذلان
أعاد فرناند بروديل الاعتبار لعلم التاريخ وصنعة المؤرّخ (Getty)


نجحت مدرسة الحوليات (الأنال) مع كلٍّ من لوسيان فيبر ومارك بلوك وفرناند بروديل في إخراج الكتابة التاريخيّة من شرنقة التقليد، بعدما وسّعت المدرسة حدود الوثيقة (الشاهدة) وجعلتها تنفتح على مختلف الوثائق الأخرى التي ظلّت منسيّة مع روّاد المدرسة الوضعية أو المنهجية مع كلٍّ من لانغوا وسينيوبوس، حيث أصبحت الوثيقة ترتبط بالأدب التاريخي والمسكوكات أو النُّميّات (علم النقود) والكتابات المنقوشة والفوتوغرافيا واللوحة والسينما وغيرها من الوثائق ذات النفحة البصريّة التي جدّدت الكتابة التاريخية المعاصرة وجعلتها تعيد الاعتبار لعدد من القضايا والإشكالات التي تطبع التاريخ المعاصر. بهذه الطريقة لم يعُد التاريخ مجموعة وقائع وأحداث وقعت في الماضي، بقدر ما غدا وسيلة لإدانة الواقع بكل ما يطبعه من أهوال وتصدّعات. ذلك أنّ التاريخ أصبح يبحث في البنية بطريقة أضحى من خلالها إشكاليًا، يفكّر في الأحداث ويُشرّحها ويتأمّلها على المستوى البعيد وفق ما سمّاه فرناند بروديل بـ "المدة الطويلة" التي تعطي للمؤرّخ إمكانات فكريّة لتأمّل الحدث التاريخي وتدرّجه ضمن سيرورة الزمن. يقول بروديل عام 1972: "كنتُ مؤرّخًا للحدث، كانت ساعتي تدقّ على إيقاع الجميع وعلى النحو الذي يوافق أساتذتي التقليديين". بهذه الطريقة حرص فرناند بروديل على بلورة الزمن الطويل من خلال أطروحته المركزية "الحوض المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليبي الثاني" والتي كان لها الأثر الكبير في تاريخ الكتابة التاريخيّة، لأنها ولأوّل مرة ستُخضع الكتابة التاريخيّة لمنظور جديد، إذ بمجرّد ما تغيّر المنهج تحوّلت الكتابة إلى موضوعات جديدة، لم يكُن مفكَّرًا فيها من قبل.

يأتي الزمن الطويل عند صاحب "حركية الرأسمالية" باعتباره زمنًا بنيويًا يتحكّم في البنية وليس في الظواهر والأحداث، ذلك أنّ المجتمعات تعرف الأوبئة وتعيش الأمراض، لكنها ظواهر عابرة في كلّ المجتمعات، مهما طال تأثيرها على تضاريس المجتمع والأجساد البشرية. في حين أنّ البنية لا تتغيّر، بل تظلّ قائمة على حالها. من ثمّ، فإنّ الاهتمام بمفهوم البنية قاد مدرسة الحوليات، من خلال كتابات بروديل، إلى أن تعيش عصرًا ذهبيًا أصبحت فيه تنافس السلطة الرمزيّة التي كانت تعيشها العلوم الاجتماعية، خاصة مع كتابات كلود ليفي ستراوس في إطار ما سُمّي آنذاك بـ "الأنثروبولوجيا البنيوية".

بهذه الطريقة أعاد فرناند بروديل الاعتبار لعلم التاريخ وصنعة المؤرّخ، فهذا الأخير ليس صانع حكايات وخرافات، بل يكاد يكون شخصًا مركزيًا داخل الواقع الذي ينتمي إليه. تحوّل الاهتمام من التاريخ المحلي والأحداث السياسية والاجتماعية إلى الوعي بقيمة العنصر الاقتصادي وقيمته في تقديم الكثير من المعارف للمؤرّخ، من أجل تقديم إضاءات علمية رصينة تسعفه على كتابة تاريخ مرحلة ما تعاني من قلّة المصادر والوثائق والأرشيفات.

نجح المؤرّخ الفرنسي مارك فيرو الذي رحل عام 2021 في تكريس الفيلم باعتباره وثيقة تاريخيّة ينبغي الاعتماد عليها في كتابة التاريخ المعاصر (Getty)


يرتكز التصوّر الفكري الذي تبنّته مدرسة الحوليات على إخراج التاريخ من طابعه السرديّ الحكائي، من خلال إعادة الاعتبار لمفهوم الوثيقة، ذلك أنّ ثورة الأنال تظلّ في عمقها منهجية تمتحن الوثائق المادية وتثور عليها وتضع مكانها وثائق وأرشيفات ظلّت منسية في بنية الأزمنة الحديثة والمعاصرة. ينبغي الاعتراف أنّ نجاح الحوليات لم يكُن غربيًا فقط، بل امتدّ إلى عمق العالم العربي، حيث أصبح المؤرّخون العرب يعتمدون على أنماط أخرى من الوثائق مثل: سجّلات محاكم التفتيش والأرشيفات البحرية والكنانيش المخزنية والمعاهدات الدبلوماسية وغيرها من الوثائق التي ساهمت إلى حدّ كبير في بروز العديد من الدراسات التاريخيّة المجدِّدة على مستوى الموضوع والمنهج.

بيد أنّ هذا التصادي المعرفي مع كتابات مدرسة الحوليات بقي حكرًا على قضايا معيّنة ولم يشمل باقي الوثائق الأخرى، خاصة الأعمال الفنية بالنسبة للمؤرّخين الذين يهتمون بالتاريخ المعاصر أو الراهن. ذلك أنّ الوثائق البصريّة مغيّبة ليس في العالم العربي فقط، بل حتى في تربة الفكر الغربي، إذ نادرًا ما نعثر على باحث أو مؤرّخ اعتمد على السينما في فهم التاريخ وجعلها بمثابة المنظار الذي منه يشرّح المجتمع ونتوءاته. إنّ السينما في الزمن الراهن ليست وسيلة للترفيه والاستهلاك، فهي وإن كانت عنصرًا أساسيًا للترفيه، بحكم طبيعة الوسيط الذي تتبنّاه ومنزعه الإبداعي المحض، فهناك العديد من الأفلام في العالم العربي بمثابة وثائق بصرية تسعف المؤرّخ على كتابة تاريخ للعديد من المدن، انطلاقًا من الصورة السينمائية ومتخيّلها. إنّ احتضان السينما للتاريخ ليس إكسسوارًا، بل يُعدّ من العوامل الأساسية التي تساهم في تجويد العمل السينمائي وتجعله يخرج من أسرار بعض الموضوعات الترفيهية المستندة على الواقع صوب الاهتمام بالسرديات الوطنية، طالما أنّ هناك العديد من المخرجين يعتبرون السينما أداة لـ"تأريخ" الواقع.

فقد حظيت السينما بالعديد من الدراسات في مجالات ترتبط بالنقد السينمائي وفلسفة الفن، لكنها ظلّت بعيدة عن الاهتمام من لدن المؤرّخين، سواء بوصفها موضوعًا من ضمن الموضوعات التي ينبغي على المؤرّخ دراستها، سيما خلال الحقبة الكولونيالية، أو باعتبارها مصدرًا أساسيًا لكتابة التاريخ المعاصر والراهن. لكنّ هذا النفور من السينما من لدن المؤرّخين العرب يعكس وعيهم الحقيقي تجاه الفنون البصريّة وإمكانية أن تغدو وثائق حقيقية لكتابة تاريخ جديد، سيما وأنّ الأفلام العربية التي صُنعت في سورية وفلسطين ولبنان والسودان منذ بدايات ما سُمّي بـ"الربيع العربي" تقدّم للمؤرّخ مساحات شاسعة لتأمّل التاريخ العربي الراهن، لأنّ بعض الأفلام تأتي باعتبارها وثائق بصرية توثّق مرارة الواقع وويلات التاريخ وجرح الأنظمة.

وبالتالي، فإنّ الانتباه إلى بعض من هذه الفيلموغرافيا سيساهم في تأجيج النقاش العلمي حول الدور الذي باتت تقوم به السينما في كتابة التاريخ الراهن، بعيدًا عن السلطة التي يمارسها المؤرّخ المتحيّز لـ "المركز" على حساب "الهامش"، طالما حرص المؤرّخون الوضعانيون على تكريس السردية المركزية التي تجعل فعل الكتابة التاريخيّة يقف عند السلاطين وعلية القوم، أمام الفورة التي كانت تعيشها المجتمعات العربية، وهي تناضل وتقاوم من أجل الدخول إلى معترك الحداثة والتحديث من خلال بناء المساجد والقناطر والقصور وغيرها من العناصر الحضارية العربية التي أبهرت العالم، فهي إنجازات قام بها أناس مهمّشون ولم يسلّط المؤرّخون العرب الضوء على سير هؤلاء الذين قاموا بتأسيس مشروع حضاري للبنية العربية. فقد حرص المخرج السينمائي على الدخول إلى معترك التاريخ/الواقع ومحاولة خلق واقع بديل الذي سيأتي المؤرّخ لاحقًا للكتابة عنه، فالمخرج السينمائي ينزع عن التاريخ قداسته المرتبطة بالمؤرّخ بوصفه حاملًا للحقيقة التاريخيّة كما كان ذلك يُظنّ لقرون طويلة. لقد أصبحت السينما تنافس المؤرّخ في كتابة التاريخ وإن كانت بطريقة متخيّلة أحيانًا، لكنها نجحت في تسليط الضوء وبجرأة مذهلة على قضايا ظلّ المؤرّخ العربي بمنأى عنها، لأنها في نظره تقع خارج الحدود التي عادة ما كانت البلاطات السلطانية ترسمها له. في حين أنّ هناك أفلامًا اخترقت الحدود السياسية والسياجات الاجتماعية وبلورت تصورًا بصريًا نقديًا تفكيكيًا للمجتمعات وفق آلية فكريّة، بقدر ما تركن إلى التخييل، فإنها تظل تستند إلى أحداث واقعية مستلّة من التاريخ العربي المعاصر.

نجح المؤرّخ الفرنسي مارك فيرو الذي رحل عام 2021، في تكريس الفيلم باعتباره وثيقة تاريخيّة ينبغي الاعتماد عليها في كتابة التاريخ المعاصر. لذلك حرص في كلّ مؤلفاته الفكريّة على إعادة الاعتبار للسينما وإمكاناتها الفكريّة اللامتناهية في التأثير على عمل المؤرّخ المعاصر ودفعه إلى الاهتمام بالأرشيفات السينمائية المتناثرة في العالم. إذ يُعتبر فيرو سليل مدرسة الحوليات وأكثر المؤرّخين تجديدًا على مستوى الكتابة التاريخية المعاصرة، لأنه المؤرّخ الوحيد، حسب علمي، الذي أدرك قيمة الفن السابع وبلور من خلاله أطروحة علمية تتعامل مع الفيلم كوثيقة تاريخية. ورغم ما قد تبدو عليه الفكرة من استسهال بالنسبة إلى التحولات الإبستمولوجية التي نعيشها اليوم، فإنّ الفكرة كانت بمثابة زلزال معرفي في تاريخ الكتابة التاريخيّة الفرنسيّة، لأنها أربكت العديد من المؤرّخين "الروّاد" وجعلتهم ينتبهون إلى قيمة الأفلام السوفياتية والفرنسية والألمانية، وكيف يمكن أن نكتب من خلالها مجموعة أبحاث تاريخيّة دقيقة، بسبب قوّتها ورهانها على إشكالات هامشية لم يكن المؤرّخ يمتلك من الشجاعة ما يجعله يُقدِم على الكتابة عنها والتفكير فيها، على الرغم مما يضع أمامه الأرشيف من وثائق تدين فداحة السلطة ومكرها.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.