}

الأدب في خطر... من زاوية معاكسة

مها حسن 1 يونيو 2026
آراء الأدب في خطر... من زاوية معاكسة
(Getty)

في بحثي عن الأدب السوري المعاصر، والكتّاب السوريين في السنوات الأخيرة، أخبرني الذكاء الاصطناعي، بثقةٍ لا تكاد تخلو من البراءة، أن «مها حسن كاتبة كردية سورية، وكتاباتها تحمل أبعادًا قومية كردية واضحة إلى جانب النقد السياسي الجريء». ولقد شعرتُ بضيق خفي.
لم يكن هذا الضيق بسبب الخطأ في التصنيف فحسب، بل لأن هذا التصنيف جاء قبل أن يقرأ أيًّا من نصوصي. قبل أن يدخل إلى عالم الرواية، أو القصة، كان قد ألقى عليّ شبكة هوية جاهزة، وصنّفني ضمن خانة سياسية ـ إثنية ضيّقة.
فجأةً، وجدتُ نفسي أمام تجربة حية للخطر الذي حذّر منه تزفيتان تودوروف في كتابه «الأدب في خطر»، ولكن من زاوية معاكسة تمامًا. كان تودوروف يخشى أن يفصل النقد الحديث النص عن سياقه الإنساني والأخلاقي، فيصبح النص لعبةً لغويةً مجردة. أما اليوم، فنواجه خطرًا آخر: أن يُسجن النص قبل ولادته داخل هوية مفترضة، وأن تأتي هوياتنا المُسبقة قبل نصوصنا.

شهوة التصنيف في الإعلام الثقافي
يبدو أن الإعلام الثقافي والمؤسسات الأدبية المعاصرة قد أدمنت «التصنيفات» الواضحة والسريعة الاستهلاك. يُفضَّل أن يكون الكاتب «صوتًا أفريقيًا»، أو «كاتبة عربية نسوية»، أو «صوت لاجئ»، أو «كاتبًا من الأقليات»، لأن هذه التصنيفات تُباع بسهولة في سوق ثقافية عالمية تتوق إلى القصص «المميزة» والـ«متنوعة» حسب الموضة السائدة.
يمكن لأحدنا أن يتخيل أن المسؤولين الثقافيين في المعارض والجوائز والندوات ودور النشر العربية والغربية ـ خاصة الغربية منها التي تُحدّد وتُقيّم مكانة الأدب والأدباء على المستوى العالمي ـ يجلسون أمام لائحة توزيع جغرافي وهوياتي دقيقة، ثم يبحثون عن كاتب «يركب» معهم في الخانة المطلوبة. فإذا كانت الندوة عن «الاندماج الثقافي في الغرب»، يبحثون عن كاتب أو كاتبة من أصول أجنبية يعيش في أوروبا، أو أميركا. وإذا كانت الندوة عن «النساء والثورات العربية»، يُختار اسم يحمل الجندر والجغرافيا المناسبة. وهكذا....
في هذا النموذج، لا يُنظر إلى النص أولًا، بل إلى «صاحب النص»، بما يحمله من إيحاءات هوياتية جاهزة. النص نفسه يأتي لاحقًا، كدليل إضافي يؤكد الصورة المطلوبة، لا كعمل أدبي مستقل يستحق القراءة لذاته.
كذا يصبح الكاتب السوري «صوت الثورة السورية»، والكاتبة الفلسطينية «صوت المقاومة»، والكاتب النيجيري «صوت أفريقيا المضطهدة»، والكاتبة الإيرانية «صوت المرأة ضد النظام الثيوقراطي». أما الكاتب الهندي ذو الأصول الداليتية فيُقدَّم كـ«صوت المهمشين»، والكاتب المكسيكي الأميركي كـ«صوت الحدود والمهاجرين».
هذه المعادلات البسيطة ـ التي غالبًا ما تُبنى على الجنسية، أو الإثنية، أو الجندر، أو نوع الاضطهاد ـ تحول الكاتب إلى منتج هوياتي، والنص إلى وثيقة تؤكد ما نعرفه سلفًا عن «الجماعة» التي يُفترض أنه يمثلها. بدل أن يكون النص فضاءً للتعقيد، والتناقض، والتجربة الفردية العميقة، يصبح دليلًا إثنيًا، أو سياسيًا، يخدم سردية جاهزة.

ضحايا الخانات: الكُتاب الذين لا ينتمون
والأكثر خطورة في هذا المنطق التصنيفي أنه لا يكتفي بتضخيم بعض الأصوات، بل يمارس إقصاءً منهجيًا لأصوات أخرى قد تكون أدبيًا أعمق وأكثر تعقيدًا. فكثيرًا ما يجد كاتب حقيقي نفسه خارج اللعبة، ليس بسبب ضعف نصه، بل لسببين متداخلين: إما لأنه «لا يركب» بدقة ضمن الخانة المطلوبة في لائحة التوزيع الهوياتي، أو لأن أصوله أو انتماءه «غير مرحب به» في المناخ الثقافي السائد.




قد ترفض دار نشر، أو مهرجان ثقافي، أو لجنة منح جوائز، كاتبًا فلسطينيًا لأنه «فلسطيني فقط» وليس لاجئًا حديثًا يحمل السردية المتوقعة، أو تهمّش كاتبًا كرديًا لأنه لا يقدم نفسه كصوت قومي صارخ، أو تُغلق الأبواب أمام كاتب أفغاني، أو عراقي، أو سوري، لأن أصوله تنتمي إلى «منطقة معقدة سياسيًا»، أو «غير مفضلة» في اللحظة الراهنة. بل إن الكاتب الذي يحمل انتماءات متعددة متشابكة، أو الذي يرفض أن يُختصر إلى هوية واحدة، يُنظر إليه أحيانًا كعبء تسويقي، لا كفرصة أدبية.
في زمن يبحث فيه الوسط الثقافي عن «النماذج النقية» والممثلين المثاليين للهويات ـ كمن يبحث عن ممثلين في فيلم ـ يتحول الكاتب الذي يفلت من التصنيف ـ أو الذي تنتمي أصوله إلى خانة غير مرغوب فيها ـ إلى كاتب «غير قابل للتسويق».

آليات السوق الثقافية وصناعة الهويات
والأخطر أن هذا التصنيف لم يعد مجرد عادة نقدية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من آليات السوق الثقافية. دور النشر الكبرى، والمهرجانات الدولية، ولجان الجوائز، والمؤسسات الأكاديمية الغربية، كلها تبحث عن «قصص واضحة المعالم». سورية + كردية = «كاتبة سورية كردية». امرأة + عربية + منفى = «صوت نسوي مقاوم». هذه التصنيفات تُباع بسهولة، يُروَّج لها بسرعة، وتُمنح التمويل والترجمة والدعاية. في هذه السوق، لم تعد الهوية إطارًا لفهم النص، بل أصبحت المنتج نفسه. والنص الحقيقي، بتعقيده وتناقضاته وتعدد انتماءاته، يصبح مزعجًا، لأنه يفسد على السوق بساطة التصنيف.
وما يزيد من خطورة هذا المنحى أنه لا يطاول القراءة فحسب، بل يعود على الكاتب نفسه بالتأثير. يدرك الكاتب، شيئًا فشيئًا، أن «النجاح» في السوق الثقافية يتطلب تقديم نفسه بصورة أوضح وأكثر قابلية للتصنيف. فيبدأ بعض الكُتاب ـ من دون أن يشعروا أحيانًا ـ في تهذيب نصوصهم لتتناسب مع الخانة المطلوبة، أو في تضخيم الجانب «الهوياتي» الذي يبدو أكثر جاذبية للجمهور الغربي، أو للإعلام العربي. هكذا يتحوّل الكاتب إلى صانع لصورته قبل أن يكون خالقًا لنصه. ويفقد الأدب، في هذه العملية، أحد أثمن جوانبه: قدرته على الغموض، على التناقض، على احتواء تعدد الانتماءات من دون أن يستسلم لأيٍّ منها.

تودوروف من زاوية معاكسة
في مواجهة هذا الخطر، يستعيد تودوروف أهميته بطريقة غير متوقعة. لم يكن يدافع عن فصل النص عن السياق تمامًا، بل عن حماية النص من السياقات مُسبقة الصنع التي تُلبس عليه قبل أن يتكلم. الأدب الحقيقي، في جوهره، هو ذلك الذي يقاوم التصنيف السهل، هو الذي يحمل تعدد الانتماءات من دون أن يستقر في أحدها، هو الذي يسمح للقارئ أن يدخل إليه من دون أن يعرف مسبقًا «ما نوع الكاتب» الذي أمامه.
إن حصر الكاتب في منبته الإثني، أو الوطني، أو الجنسي، حتى لو كان بحسن نية، هو شكل من أشكال الفقر الثقافي، لأنه يجعل من الأدب أداة لتأكيد ما نعرفه سلفًا، بدل أن يكون فضاءً لما لا نعرفه بعد. وفي زمن يعاني فيه الأدب من خطر الاندثار أمام سطوة الصورة والسوق، فإن أكبر خدمة يمكن أن يقدمها النقد الثقافي اليوم هي أن يتعلم أن يقرأ النص أولًا، وأن يؤجل تصنيف الكاتب إلى ما بعد القراءة، إن كان لا بد من تصنيف.
ليس مطلوبًا بالتأكيد إلغاء الهوية، التي تشكّل جزءًا مهمًا من تجربة الكاتب. الهوية موجودة، تتنفس في النص، تظهر أحيانًا في اللغة، في الذاكرة، في الصمت. لكن الخطر يكمن حين تصبح هي البوابة الوحيدة، وحين يُجبر النص على المرور من تحت قوسها قبل أن يُسمح له بالدخول.
إن ما أخشاه ليس أن يُقال عني «كاتبة سورية»، أو «كاتبة من أصول كردية»، بل أن يُقرأ نصي من خلال هذه العبارة فقط، كأنها مفتاح يختصر عالمًا بأكمله. أريد للقارئ والناقد أن يدخلا النص بحرية، من دون أن يحملا معهما خريطة هوية جاهزة. أريد للأدب أن يبقى فضاءً للمجهول، للتناقض، للتعدد الذي لا يمكن حصره في خانة واحدة.
ربما يكمن التحدي الحقيقي للنقد الثقافي اليوم في أن يتعلم التواضع أمام النص: أن يقرأ أولًا، ثم يصنّف، إن أصرّ على التصنيف. فالأدب الذي يستحق أن يُقرأ هو ذلك الذي يفلت دائمًا من التصنيفات، ويتركنا أكثر تعقيدًا، وأقل يقينًا، مما كنا قبل قراءته.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.