(1)
حلت منذ أيام ذكرى هزيمة الخامس من حزيران/ يونيو 1967، ضمن سياق تاريخي تعرف فيه القضية الفلسطينية كثيرًا من التراجع والانكسار، وتتقلص فيه آليات التضامن مع المشروع الوطني الفلسطيني. حلت ذكرى هذه السنة، لتضعنا مجددًا أمام أشكال العدوان الصهيوني المتواصلة، في غزة وباقي الحواضر والقرى والمخيمات الفلسطينية، ولتضعنا، في الآن نفسه، أمام واقع عربي تراجعت فيه الحدود الدنيا للتضامن مع القضية الفلسطينية، ولم تعد فيه مؤسسات المجتمع الدولي قادرة على وقف ما يرتكبه العدوان الصهيوني الغربي على فلسطين. فكيف نواجه ذكرى الهزيمة؟
صاحب ذكرى الهزيمة في سنوات حصولها الأولى تفاؤل تاريخي يقضي بضرورة الإعداد لإنجاز ما يرفع الضيم والخيبة التي حصلت. وقد ساهمت الثقافة السياسية العربية في بناء بعض أوليات النقد والنقد الذاتي، بهدف المساهمة في رد الاعتبار للذات الفلسطينية بلغة التفاؤل السياسي، إلا أن الحروب والمعارك التي توالت بعد ذلك، لم تغير شيئًا.
لم يعد في إمكاننا مواجهة الذكرى بلغة السنوات والعقود التي مرت، ولم تعد أوضاع الراهن الفلسطيني قادرة على استعادة لغة ومواقف آباء الوطنية الفلسطينية، كما لم يعد في إمكاننا السير على منوال الجيل الذي تلاهم. نقف اليوم أمام عالم في طور التشكل، ويفترض أن نواجه الخيبات والتراجعات، ومختلف الأوضاع السائدة اليوم في الضفة والقطاع، وهي أوضاع مرهقة ومخيفة، نواجهها بآليات جديدة في العمل المقاوم، من أجل حماية روح المقاومة والتحرير.
تتمثل الميزة الأساس لأحوال الراهن الفلسطيني في انكشاف كثير من الأوراق، الأمر الذي يساعد في مزيد من رؤية حقيقة ما جرى قبل الهزيمة وبعدها، وقد يسمح ببلورة مواقف يمكن أن تساهم في بناء الرأي الأقرب إلى أسئلة المتغيرات التي حصلت، وأصبحت تستدعي منطقًا آخر في تعقل الظواهر المرتبطة بالوضع الفلسطيني، وبسياسات الاستعمار الاستيطاني الصهيوني.
(2)
نجد صعوبة كبيرة في استعادة المواقف السياسية المألوفة، في مثل هذه المناسبات رغم أهميتها، وبدل ذلك، نعلن في البداية أن ذكرى الهزيمة تدعونا إلى وقفة صارمة مع الذات الفلسطينية في مختلف أحوالها، ومع مختلف تحركات المشروع الصهيوني وخرائطه القديمة والجديدة، كما تدعونا إلى وقفة صارمة أيضًا مع مقتضيات السياق التاريخي المؤطر للوضع الفلسطيني، في علاقته بالمحيط العربي، وبالمتغيرات الإقليمية والدولية، وتعد الوقفة التي نتطلع إليها بمثابة حد أدنى لمغالبة أحوال الراهن الفلسطيني.
تدفعنا أحوال الراهن الفلسطيني إلى العناية بالقضية الفلسطينية، في مختلف تجلياتها وأبعادها، العناية بالمشروع الوطني الفلسطيني، فلم يعد هنالك معنى لحدث الهزيمة، إلا بالاقتراب مما قبلها وما بعدها، من دون نسيان مختلف السياقات الصانعة لمساراتها وتحولاتها... ولهذا السبب نتجه بمناسبة الذكرى هذه السنة للعناية بالذاكرة الفلسطينية. ولا بد من التوضيح هنا أن الذاكرة تحيل إلى الراهن الفلسطيني المرتبط بتاريخ تحولاته، ذلك أن التراجعات والانقسامات والخيبات لا يمكن فصلها عن أسئلة المشروع الوطني الفلسطيني، في علاقاته المعقدة بالمحيط القومي والإقليمي، وفي علاقاته بالمشروع الامبريالي الغربي.
تختزن الذاكرة الفلسطينية جوانب من أسئلة الراهن الفلسطيني، كما تختزن طبقات من التاريخ المساعد، في عمليات إنعاش مشروع المقاومة والتحرير. ونتصور أن مخزون ذاكرة الشعب الفلسطيني يتيح لنا إمكانية مواجهة الانسداد التاريخي الحاصل اليوم، فهي تختزل عديد الأحداث والرموز والآفاق، إنها تدفعنا لمساءلة الحاضر والماضي، كما تدفعنا لتجديد التفكير في المستقبل.
لن نقوم هنا ببسط تحليلي لبعض أوجه الذاكرة الفلسطينية. سنكتفي بالتوقف أمام عناوين وعلامات كبرى، من أجل إحاطة أولية وعامة ببعض أوجه الذاكرة، وأوجه الأدوار المرتبطة بها في الحاضر الفلسطيني. والهدف من وراء هذا العمل يتمثل في محاولة إنعاش مشروع مواصلة المقاومة.
(3)
لنستعرض بعض أوجه الذاكرة الفلسطينية من قبيل شراء الأرض وسرقتها، ثم ذاكرة المستوطنات، والحواجز الفاصلة بين المدن والقرى والعائلات، ذاكرة الحرق والتدمير وقد تواصلت إلى يومنا هذا، كما تواصلت سياسة الضم والاستيطان، ذاكرة الاختراق والتهجير والإبادة. نعتني هنا، أيضًا، بذاكرة الحلم بالعودة والنصر. ولا ننسى، ونحن نفكر في الذاكرة الفلسطينية قبل الهزيمة وبعدها، ذاكرة الأصوات المبحوحة تحت الأنقاض، وقد توالت صورها طيلة عقود أزمنة الاستعمار الاستيطاني المتواصلة، وذاكرة الأهازيج الحزينة.
يدفعنا الاهتمام بالذاكرة الفلسطينية إلى العناية بمختلف الفنون، كما تبلورت في التاريخ الفلسطيني، العناية بالشعر، الرواية، الأغنية، السينما، التشكيل، الزخرفة والنحت... ولا نكتفي بما ذكرنا، ذلك أننا نمتلك، أيضًا، ذاكرة البكاء والغضب، البكاء في الصباح والمساء وفي الليل، والغضب في كل حين... ذاكرة الأطفال والنساء والشيوخ، ذاكرة السجناء والسجون والحواجز، ذاكرة المخيمات، وذاكرة الحنين والعودة، ذاكرة الأشجار والجبال والانهار.
نشير ونحن نتحدث عن الذاكرة إلى علامات أبرزها، ذاكرة مقاومة مشاريع اتفاقات السلام من دون سلام، ذاكرة الأخطاء التي حصلت في تاريخ النضال الفلسطيني، أخطاء الوطنيين، وأخطاء الحركة القومية، أخطاء اليمين واليسار. وتعد ذاكرة الأخطاء عنوانًا من عناوين الفعل المقاوم، كما تعد نتائجها مناسبة لتدارك مواقف معينة، والعمل على تجاوزها. وفي قلب هذه الذاكرة، تحضر مختلف صور الانقسام، التي تساهم اليوم في كسر آليات الصمود والمقاومة.
نستخدم الذاكرة للإشارة إلى مآل القضية الفلسطينية اليوم. وعندما نستحضر ذاكرة المقاومة، فإن الهدف من عملية الاستحضار بمناسبة ذكرى الهزيمة يتمثل في التفكير في تطوير المقاومة وتعميمها، مقاومة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، مقاومة سياسات التطبيع، سياسات مطبعي الأمس ومطبعي اليوم، وسياسات المقبلين على التطبيع غدًا... مقاومة الخيانات ومختلف صور الهوان التي لحقت خيارات العروبة والتحرير ومشروع التقدم العربي.
لا بد من الإشارة إلى ذاكرة الصبر المقاوم، والمقاومات الصامتة، ذاكرة تضامن أحرار العالم مع الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته، فقد انتعشت على هامش معارك طوفان الأقصى ذاكرة التضامن، وارتفعت أصوات الشباب والطلبة في الميادين والجامعات، من مدن عدة في العالم، منددة بالعدوان الصهيوني الغربي، وداعية إلى وقف مسلسل الابادة الصهيوني.
تحمل أوجه كل ذاكرة مجموعة من الأحداث، ومجموعة من الأسماء والعلاقات، تحمل وقائع وحكايات، كما تحمل أفراحًا وأحزانًا ولحظات كرب وغيظ... وتترك في النفس وفي المجتمع جملة من المؤشرات المؤطرة لحياة الفلسطينيين، في جميع أحوالها وألوانها... فالذاكرة الفلسطينية تتيح لنا لمس الأثر الفلسطيني، العلامة المرتبطة بمسار في التاريخ، وذلك رغم كل ويلات الاستعمار الاستيطاني.
(4)
تحمل الذاكرة الفلسطينية الخيارات الكبرى لمشروع التحرير، وهي تلعب اليوم دور البوصلة المحددة لروح المقاومة المتواصلة، رغم حدود ومحدودية ما ترتب عليها في الحاضر الفلسطيني والعربي. لنحتضن بمناسبة حلول ذكرى معارك 1967 الأفق الذي تبلور فيه مشروع الكفاح الفلسطيني في ستينيات القرن الماضي. لنقم بإعادة ترتيب كيفيات تطويره، في ضوء تاريخ الانتفاضات والمقاومات، ومعارك الأمس واليوم والغد.
نفكر في أسئلة الحاضر، نواجه التطبيع، كما نواجه سياسات العدوان والإبادة، نواجه ما سبق، بوحدة الصف الفلسطيني، وحدة معركة التحرير. ونواجهه بنفض اليد من اتفاقات حصلت، ولم تثمر ما تصور بعضهم إمكانية حصوله... وما هو مؤكد اليوم أن المعركة متواصلة. ولأن الأمر كذلك، فمن حق الفلسطينيين مواصلة العمل من أجل تحرير وطنهم، وبناء فلسطين حرة ومستقلة.
كتبت قبل ثلاث سنوات مقالة بعنوان حنظلة يعود مجددًا (موقع "ضفة ثالثة"، 23 آب/ أغسطس 2023)، تخيلت فيها عودة حنظلة الى ساحة النضال الفلسطيني، ففوجئ بدرجات التراجع العربي، وخطورة الانقسامات الحاصلة في صف الفلسطينيين، وبين طلائع النخب السياسية الفلسطينية، وقد رأى أن الانسداد الحاصل اليوم، في موضوع الصراع الفلسطيني مع الكيان الصهيوني، يتحمل فيه الفلسطينيون والعرب النصيب الأكبر من المسؤولية، فرفع صوته غاضبًا ومشفوعًا بالثقة والأمل. عاد حنظلة حاملًا أوزار قضية عمرت طويلًا، وهو يقف اليوم بيننا صامدًا، يرتب أحواله في قلب العاصفة كما كان، يصرخ صامتًا، ثم يكتب ويغني: لا تصالح اليوم ولا تصالح غدًا.


تحميل المقال التالي...