}

كيف تُصنع قيمة الأعمال الفنيّة؟

فريد الزاهي 24 يونيو 2026
آراء كيف تُصنع قيمة الأعمال الفنيّة؟
أحمد الشرقاوي وعمله "علامات في السماء"
بعد طفرات تجارية حظيت بها، في السنوات الأخيرة، أعمال الفنانين المغاربة أحمد الشرقاوي والجيلالي الغرباوي وعباس صلادي وفريد بلكاهية ومحمد المليحي في مزادات أوروبية، ها هو الخبر يأتينا منذ أسابيع فقط، من مزاد آدر بأوطيل دروو الشهير بباريس، عن طفرة باهرة حققتها لوحة "علامات في السماء" للفنان الراحل أحمد الشرقاوي (1934 - 1967) التي يعود إنجازها إلى 1964، أي مرحلة نضجه وبدايات توجهه الصوفي. وقد قدّر المختصون اللوحة بما لا يجاوز 400 ألف يورو، غير أن المنافسة القوية عليها وصلت بها إلى رقم استثنائي بلغ 886256 يورو، أي ما يقارب المليون دولار. ومعروف عن الشرقاوي، الذي بدأ خطاطًا بالمغرب، قبل أن يتوجه للتكوين بباريس في خمسينيات القرن الماضي، أنه بدل أن يستثمر معرفته بالخط، اتجه إلى الوشوم والعلامات الأمازيغية والمحلية، ما مكّنه من ابتداع اتجاه جديد في التشكيل العربي الحديث هو فن العلامات.


نوبل الفنون بصيغة أخرى

إذا كانت الرواية العربية قد حظيت في وقت أوجها بجائزة نوبل للآداب في شخص نجيب محفوظ، فإن الشعر العربي، بالرغم من كونه ظل إلى حين ديوان العرب، لم تتح له بعد الفرصة لأن يحظى بهذه الجائزة الكونية، فكانت الخيبة رفيقه من عام لآخر. أما الإنتاج الفكري، فإن محاولات العرب ترشيح الفيلسوف المغربي محمد عزيز لحبابي لتلك الجائزة قيد حياته لمرات متوالية باءت بالفشل. ويبدو أن ضعف ترجمة الثقافة العربية إلى اللغات الكبرى (الفرنسية والإنكليزية والإسبانية بالأساس)، وطابعها الانتقائي كما درجات جودتها، لها اليد الكبرى في هذا التهميش.

وحدها الكتابة بلغة الآخر والنشر في مؤسساته الكبرى، التي حظي بها بعض الكتاب من العالم العربي، من قبيل الخطيبي والطاهر بنجلون وعبد اللطيف اللعبي وفينوس خوري غاطا وأمين معلوف وليلى السليماني، دخلت العالمية من بابه الواسع من خلال جوائز كجائزة الغونكور الفرنسية.

بيد أن وضعية الفنون التشكيلية والبصرية لها خصوصيتها. فهي لا تملك جائزة عالمية مرادفة لنوبل أو غونكور، وليست بحاجة لأي ترجمة، لأن خصوصيتها البصرية تعفيها من ذلك. إنها بحاجة إلى العيانية visibility التي، إضافة إلى دور العرض العالمية، والبينالات الشهيرة، وأقلام كبار النقاد المؤثرين في السوق الكونية، تنتهي أيضًا بقيمة مالية تداولية في كبريات المزادات بباريس ولندن ونيويورك ودبي وغيرها.

إن هذه الخصوصية مثيرة للفكر ولإعادة التفكير في تاريخ الثقافة في العالم العربي. فالعادة جرت، للأسف، على التأريخ لهذه الثقافة في تمركز تام حول الموروث المكتوب واللغوي، مستعيدة في ذلك مقولة قديمة تعتبر الشعر (اللغة) ديوان العرب. والحال أن الاستشراق (بما له وبما عليه)، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، قد أبان عن اهتمام بفنون بصرية (معمار وخط ومنمنمات) جدّدت النظر إلى الثقافة العربية وهوامشها البصرية، وأثارت الانتباه إلى أن ثقافة العرب لا يمكن اختزالها في منتجاتها اللغوية، التي قد يستمتع "بإعجازها" اللغوي أبناء العرب والناطقون بها من غير أن تتجاوز حدود المنطقة العربية. ولا سبيل لهذه الهوية الثقافية الضيقة، القائمة على اللغة، لكي تحظى باعتبار الآخر واعترافه وتصبح سمة كونية من غير ترجمة ناجعة. والحال أن الترجمة لموروث العرب الشعري والأدبي لا تزال، لحد اليوم، انتقائية، إذ لا يمكن للقارئ العالمي التعرف على القيمة الثقافية لهذا الموروث إلا من خلال الدارسين المتخصصين الذين يمنحونه، في لغته المحلية، نظرة مقربة عن هذه الثقافة.

لقد نمت الفنون التشكيلية في العالم العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر في محيط هامشي لا يمتّ إلى الثقافة بصلة كبرى، ثم بدأت تأخذ طابعًا ثقافيًا وشرعية وجودية منذ بدايات القرن العشرين مع إنشاء كليات الفنون وظهور فنانين اكتسبوا تكوينًا عمليًا ونظريًا بالمدارس الغربية في روما وميلانو وباريس وإشبيلية وغيرها. وأضحت الفنون في بلدان من قبيل مصر ولبنان والعراق جزءًا لا يتجزأ من الحركية الثقافية، فيما ظلت في باقي البلدان الأخرى ممارسة هامشية يعترف بها نقاد الغرب أكثر من النقاد والكتاب العرب.

صناعة القيمة الفنية

من بضعة عقود فقط، كانت سوق الفن في العالم العربي تسير على عواهنها، ولا تخضع لمنطق معين، لا في تداول اللوحات ولا في الاعتراف بقيمتها التجارية الحقة. ففي التسعينيات فقط، كانت أعمال رواد الفن (بالمغرب مثلًا) لا تُجاوز قيمتها آلافًا أو ألفي دولار، تلك الأعمال نفسها التي جاوزت في وقتنا الراهن المائة والمائتي ألف دولار (بل أكثر أحيانًا). فهل الزمن الفاصل بين إنتاج العمل الفني وتقديره التجاري والتداولي هو الفصل في ارتفاع القيمة المالية؟ أم أن ثمة مسببات أخرى تنضاف إليه، ومن ضمنها تطور حركية الرواج الدولي للأعمال، وانفتاح دور المزادات العالمية على أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط؟

صحيح أن العديد من الأسماء كانت تكتسب قيمة رمزية أكبر من كنهها الفعلي، بالنظر إلى سيادة النقد الأيديولوجي المشبع بقضايا القومية وبالتوجهات الاجتماعية والتراثية. في هذا السياق قد يحوز فنان منغمس في تصوير حياة الشعب أو يستوحي التراث قيمة أكبر من فنان يميل إلى التجريدية وتعبيريتها الملتبسة. تلكم كانت حال أحمد الشرقاوي بالمغرب مقارنة بالجيلالي الغرباوي الذي كان يعيش حياة بوهيمية مأساوية. وبالرغم من ذلك فإن العديد من الفنانين الرواد اجترحوا لأنفسهم مكانة لن تتغير مع مرّ الأعوام والسنين.

عرف العالم العربي نماذج تضاهي فان غوخ مأساوية، لا أقلها نهاية الفنان المغربي الجيلالي الغرباوي ميتًا على مقعد عمومي في جادة الشانزليزيه بباريس في عام 1971


إذا كان الكتّاب (شعراء وروائيين ومسرحيين...) يحوزون على جائزة نوبل (وجوائز أخرى تقديرية على أعمالهم) في حياتهم، ويتمتعون بشهرتها وطابعها التكريمي وبدخولهم الباهر إلى مجال العالمية بشكل مباشر، فإن أغلب الفنانين التشكيليين لا يتمتعون بالقيمة التداولية والتجارية لأعمالهم إلا بعد مماتهم. بل إن ثمة حشدًا غفيرًا منهم يعيش في حياته ضنك العيش، وقد يعرف نهاية مأساوية يمتزج فيها الفقر بالمرض النفسي بالقرف من الحياة قبل أن ينال الاعتراف المرتجى. وليس مثال فان غوخ هنا الوحيد، فقد عرف العالم العربي نماذج تضاهيه مأساوية، لا أقلها نهاية الفنان المغربي الجيلالي الغرباوي ميتًا على مقعد عمومي في جادة الشانزليزيه بباريس في عام 1971، وموت الفنان السوري لؤي كيالي في عام 1978 ببيته بحلب باندلاع حريق ناجم عن نومه وهو لم يكمل سيجارته المتقدة.

ليس من شك في أن الاعتراف النقدي والجمالي في أوساط النقاد والأروقة الفنية يكون سابقًا على القيمة التداولية العالمية للأعمال الفنية. وهو يشكّل سندًا تاريخيًا وثقافيًا لارتفاع القيمة المالية للعديد من الأعمال. كما أن عمل الجمّاعين ودور المزادات المحلية في تثمين المقتنيات والأعمال المعروضة وفتحها على دور المزادات العالمية يلعب هنا دورًا كبيرًا في شدّ الانتباه إلى أعمال خصوصية، واقتراحها في أوقات معينة تضمن لها قيمتها. هكذا يكتسب العمل الفني قيمته العالمية تدريجيًا، وتبعًا لسيرورة ثقافية وتداولية تجارية معقدة، يتداخل فيها الزمن بحركة التداول، وارتفاع القيمة المطّرد بتطور الحركة الفنية المحلية وتطور المتاحف وحركية الجمّاعين والمعارض الاستعادية المحلية والدولية. إنها سيرورة تلعب فيها أيضًا بعض التحولات الجهوية دورًا حاسمًا، من قبيل تحويل المجموعة الفنية للشيخ حسن بالدوحة إلى متحف عربي جامع، وإنشاء متحف اللوفر أبو ظبي، واستقطاب بلدان الخليج لكبرى دور المزادات العالمية التي تعتبر مِحرارًا لقيمة الأعمال الفنية العالمية (سوذبيز وكريستيز)، وإنشائها لأكبر المهرجانات الفنية في العالم العربي. وهي بذلك تحولات تعضد كينونة هذا الفن وتعزّز عيانيته visibility، وتمنحه أجنحة جديدة ترمي به في سماء القيمة العالمية للفن.

فنانون غارقون في المحلية يفتحون باب العالمية على مصراعيه

لم يكن محمود سعيد يعتقد في حياته أبدًا أن لوحاته ستتصدّر يومًا القيمة التجارية للفن في العالم العربي. وقد جاء ذلك بفضل مجهودات الجمّاع السعودي محمد سعيد فارسي (أمين محافظة جدة سابقًا) وإنشاء دار كريستيز دبي. ففي 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2010، بحيث وصلت لوحة "الدراويش" إلى قيمة 2,546,500 دولار، فيما كان تقدير قيمتها الأولية يتراوح بين 300 و400 ألف دولار فقط، ليستقر بعد منافسة شرسة إلى اثني عشر ضعفي التقدير الأصل. وتكمن المفارقة في أن محمود سعيد حطّم في هذا المزاد رقمًا قياسيًا كان قد سجّله هو نفسه قبل أشهر قليلة (في نيسان/ أبريل 2010)، عندما بيعت لوحته الأخرى "الشادوف" في دبي بمبلغ 2.43 مليون دولار، وكانت أيضًا من مقتنيات محمد فارسي.

منذ استقرار دور المزادات العالمية بدبي، حققت أعمال بعض الفنانين العرب أرقامًا كانت ستبدو خيالية عقدًا أو عقدين فقط قبل ذلك. فقد وصلت أعمال فنانين كفخر النساء زيد الأردنية، وصفية بن زقر السعودية، وعبد الهادي الجزار المصري، وسلوى روضة شقير اللبنانية، حدود المليوني دولار أميركي، مانحة عيانية جديدة وحركية باهرة لسوق الفن في العالم العربي. كما أن أسماء كثيرة أخرى من الجيل الحديث اللاحق كفريد بلكاهية ومحمد المليحي ونجا المهداوي بدأت تقارب نصف المليون دولار. إنها طفرات نقلت الأعمال الفنية المحلية من حدودها القطرية إلى رحابة العالم العربي منذ نهاية القرن الماضي، بفضل بؤر جمع للفن العربي الحديث والمعاصر، من قبيل مؤسسة كندة ورعايتها للفن العربي، كما ظهر ذلك جليًا في معرض "نظرات على الفن العربي المعاصر: مؤسسة كندة" بمعهد العالم العربي (2002). وكذا بفضل مؤسسة قطر للشيخ حسن بن محمد بن علي آل ثاني، التي بلغ رصيدها ما يقارب العشرة آلاف لوحة غربية وعربية، وتضم أهم الفنانين العراقيين والمغاربة والمصريين. كما بفضل العديد من الأسماء والمؤسسات الأخرى الجامعة أو الحاضنة للفن العربي الحديث والمعاصر. وهي محطة كانت ضرورية لكي تتسلل هذه الأعمال فيما بعد إلى رحاب العالمية والاعتراف الكوني.

ولعل ما يثير الانتباه في اللوحات والأسماء التي لاقت تألقًا في المزادات الدولية، كونها لوحات ذات نكهة محلية (مواضيع محلية مصرية وأردنية ولبنانية) بنبرات أسلوبية في التشكيل والصياغة لا تحيل بشكل قاصم إلى الإرث الغربي. فسواء تعلّق الأمر بالتشخيص أو التجريد، فإن التجذير في المحلية من خلال العلامة والخط أو من خلال الشخصيات ذات الملامح أو الحركية المحلية، يعضد بشكل واضح الأسلوب الشخصي الذي يعزّز فرادة هؤلاء الفنانين المتوجين بـ"نوبل للفن"...

وبعد؟

كيف نقرأ هذا "النوبل الفني" الذي يتوّج أحمد الشرقاوي اليوم في سياقه الثقافي العام باعتباره امتدادًا لتتويج سابقيه، كما في أثره على نهضة الفنون البصرية ببلداننا؟
فيما وراء الفرحة التي يثيرها هذا الحدث على بعد بضعة أيام من فرحة الكرة المستديرة المنتظرة أو خيباتها اللامتوقعة، في المونديال، سيلهب هذا الرقم الخيالي مستوى القيمة المالية لكافة أعمال الشرقاوي التي يملكها جمّاعو أعماله (وهو لم يترك الكثير بعد رحلة حياته القصيرة، مقارنة مع مجايله الجيلالي الغرباوي مثلًا). كما سيشعل النار في قيمة أعمال جميع الفنانين الراحلين في البلد، من قبيل محمد المليحي، والجيلالي الغرباوي، وعباس صلادي، والشعيبية، وغيرهم. وهكذا سيكون الجمّاعون، ومعهم دور مزادات البيع، أكبر الرابحين في هذا الاستثمار المحلي الذي صار مُدرًّا لأموال طائلة في ظل هذه الفجوة نحو العالمية.

من ناحية أخرى تعضد مثل هذه التتويجات، والاعتراف العالمي الذي يثوي وراءها، موقع فنوننا البصرية الحديثة في الخريطة الفنية المتوسطية والعالمية. لكن هذا التتويج يفصح مع ذلك عن مفارقة غريبة لا بد لمؤرخ الفن بالمغرب من الانتباه إليها. فأحمد الشرقاوي، في تملكه الفني وتأويله التشكيلي والوجودي للعلامات الشعبية والأمازيغية في وقت مبكر من تاريخ الفن الحديث بالمغرب، وبطريقة لا ولم يضاهه فيها أحد لحدّ اليوم، يبدو كما لو أنه استهلك هذا الموروث البصري والرمزي، وجعله ملكًا خاصًا به. لذلك يظل الشرقاوي يتيم هذا الاتجاه، يسبح فيه لوحده بقدرة فنية خارقة وبأسلوب يبدو كما لو أنه لوحده يملك مفاتيحه.

لم يترك الشرقاوي تلاميذ له أو تابعين يطوّرون توجهه. أو إنه بالأحرى لم يترك لهم مجالًا لمضاهاته أو تأويله أو مجاوزته. ففريد بلكاهية مزج بين رمزية الجسد والرموز الشعبية، وهو الوحيد الذي يمكننا القول إنه أدرك أن هذه التركيبة هي وحدها القابلة لكي لا يموت في شرنقة الرموز والعلامات لوحدها. بل إنه لكي يحقق ذلك، حوّل الجسد الأنثوي والذكوري إلى رموز بصرية شكّلت بصمته. ونحن لا نجد من بين اللاحقين على الشرقاوي من برز اسمه وزاحمه في موقعه، فلا محمد العزوزي ولا محمد نبيلي، ولا ما استشرى من توظيف تبسيطي في ما يسمى اليوم فنًا تشكيليًا أمازيغيًا، بلغ ذروته أو سَمَق إلى مستواه. بالمقابل، ظل الغرباوي، الذي طفرت أعماله إلى مستوى السبعة آلاف يورو (في دار المزادات نفسها بباريس)، وكان في 2015 الحائز على "نوبل للفنون التشكيلية"، فإنه وراء التطورات الباهرة التي عرفتها الفنون التشكيلية منذ السبعينيات بالمغرب، مفجّرًا بتعبيريته التجريدية طاقات كبرى لعل أبرزها محمد القاسمي وفؤاد بلامين وغيرهما... إنه الفنان الذي ظل يؤمن بالإبداع الجواني الذاتي، بعيدًا عن قضايا التراث والهوية، والذي ظل يفضّل أن يكون عالميًا، منذ البداية، ومن دون وكالة أو وساطة محلية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.