هل يعي الإنسان أن ثمة ازدواجية بطبيعته، وما تبعات الوعي بهذا الشرخ الفادح في كينونتنا؟
ظلّنا المغاير لنا والذي ينشأ ليس من التضاد مما نكون بل من عمق ما نحن عليه، فكم من مهذّب أخفى وحشًا، وكم من نبيل أتى من الخسة ما لا يداني خيال الضباع، وكم من خير أخفى شرًا؟
ولكن ألا يجعلنا هذا في حالة شكّ دائم في الطبيعة الإنسانية، وهل يفترض أن نكون في حالة يقين، وما نفع الأدب إن لم يكن لتعليمنا شيئًا عن الطبيعة الإنسانية؟
الأدب الذي نقصده هنا ليس ذلك الذي يكتب وأنت مستلقٍ قرب كوب شاي، إنه ذاك الذي يصدر عن هذه المواجهة مع الذات، والمواجهة في هذه الحال قدر لا قرار. قدر يأتي مع جينات المبدع، الذي يدفع ضريبة ذلك سلامه العقلي. سيقول قائل وماذا ينفع أن نتعلم شيئًا عنها إذا كانت ستودي بنا في تهلكة. ولكن ما نفع ألّا نتعلم وأن نمارس ازدواجيتنا النهمة؟ صحيح أنّ اكتشاف الفجوة العميقة بين ما نحن عليه وما نتوهم أننا عليه قد يجعلنا بلا أصدقاء لكنه يحرّرنا من الأوهام.
وفي رواية "جوستين" (1) قدّم المركيز دو ساد كشفًا حقيقيًا حين جعل القسّ يعترف بالفجوة الواسعة بين ما يعظ به وبين أفعاله. فحين سألته الطفلة هلعةً عما تراه، أجاب القسّ: "لأنك تخشين كونك الحمل، لو كنت الذئب لتفهمت المسألة، أسألي الحمل فلن يفهم لماذا يفترسه الذئب، لكن اسألي الذئب ما نفع الحمل. سيردّ: ليغذّيني".
ويمكن قراءة "الرجل ذو اللّحية الزرقاء" (2) وهي حكاية للأطفال مستمدة من التراث الفرنسي دلاليًّا، فهي تروي قصة رجل يبيح لعروسه الشابة حريةً في التجوّل في القصر بأكمله وفتح جميع الغرف عدا غرفةٍ واحدة إذا أرادت أن تعيش بسعادة، لكن ذلك لم يمنع فضول المرأة عن استكشاف تلك الغرفة المظلمة حيث الدماء والجثث.
إن اكتشاف ذواتٍ متعددة تسكننا، يجد تعبيره الأدقّ في قصيدة الشاعرة إميلي ديكنسون:
لا يحتاج المرء إلى أن يكون حجرةً ليكون مسكونًا
لا يحتاج إلى أن يكون بيتًا
للدماغ مسارات تتجاوز ماديّة المكان
أكثر أمانًا
مقابلة شبح في منتصف الليل
من مواجهة
مع الذات الداخلية الباردة
أكثرُ أمانًا
الركضُ عبر كنيسةٍ
مطاردةً بالحجارة
عن مواجهةٍ غير مسلّحة مع النفس
في مكان واحد
نفس داخل نفس هو ما يجب أن يخيفنا أكثر (3).
هذه وغيرها نجدها في كتاب "الحياة مع الظل: دون جوان والنّظير" (أوتو رانك، دار قنطرة، ترجمة نزار شقرون، ط1، 2026)، إذ يناقش الكتاب الذي يمتد على قسمين (النظير، دون جوان) وستة عشر عنوانًا فرعيًا منها (مشكلة الأنا، موتيف النظير في الأدب، ازدواجية الشخصية، الظل، تمثيل الروح، تطوّر شخصيّة دون جوان، البطل ونظيره، الخوف البدائي من القصاص وغيرها)؛ مشكلة النظير وهي موتيف "أينع في ألمانيا أثناء الحقبة الرومانسيّة"، ويستهلّ هذه الدراسة بتحليل فيلم "طالب من براغ" (4)، الذي يروي قصّة مبارز بارع، وهو طالب يقع في غرام كونتيسّه وإذ يشعر باليأس، يظهر له عجوز يهبه ثروة بشرط أن يأخذ أي شيء في غرفته التي لم يكن فيها ما يغري سوى صورته أو انعكاسه في المرآة؛ لكنّ العجوز أو "الغولم" سيواصل تسميم حياته إلى أن ينتهي منتحرًا. إذ إنّ صورته التي أخذها الأخير كانت بعد أن انفصلت عنه تتبعه أينما كان. وفي المشهد الأخير يُعرض قبر الشاب المبارز وعلى القبر يجثم النظير ويردّد الأبيات التالية للشاعر موسيه (5):
ستجدني دومًا حيثُما ولّيتَ وجهكَ
إلى غَاية آخرِ أيّامِكَ
حيثُ سأنعمُ بالجلوسِ على شاهدِ قبركَ...
ترتبط فكرة النظير عمومًا بماضي الإنسان أو جانبه المُظلم، لكن هذا التفسير بحسب الكتاب الذي بين يدينا، ليس كل شيء. بل يتجاوزه إلى محاولة تحرّي "المشكل العويص لعلاقة الإنسان بأناه"، ويعرِّج الكتاب على حضوره في الأدب فيستعرض أعمال الكاتب الرومانسي إ. ت. أ. هوفمان، والروائي ستيفنسون عبر روايته القصة الغريبة لـ"الدكتور جيكل والمستر هايد" ودوستويفسكي في روايته "الشبيه أو المزدوج"، وغيرها من الأعمال.
كما تناولها في أعمال الكاتب النمساوي فرديناند رايموند، ولا سيما في عمله "المبذّر"، إذ صوَّر الثري "فلوتوال" ملاحقًا من متسوّل يتعقبه لسنة كاملة، ليظهر بعد عشرين عامًا على أنّه نظيره، وهو يدّخر المال فلسًا فلسًا لأجل مستقبله، فهو بمثابة الصورة المماثلة للشخصية أو المعكوسة.
وتعكس رواية الكاتب أوسكار وايلد "صورة دوريان غراي" (1890) بنظر المؤلف رغبة البطل المجنونة في أن يظلّ شابًا ووسيمًا للأبد. وبينما تطاول التحوّلات اللوحة التي تهرم؛ يُفرِط البطل في حبّ ذاته وعبادتها، والسؤال الذي يطرحه أوتو رانك هنا يتعلق بالسرّ في ولع الرومانسيين بموتيف النظير في أعمالهم؟
وفي أغلبها "يتعلق النظير بمقابل جسدي من لحم ودم، أو صورة منسلخة عن الأنا، وقد استحالت مستقلة عنها".
فهل هو ثمرة خيال مرضيّ، أو "حالة من حالات الوعي المزدوج"، كما تكشف أعمال "موباسان" وتظهر في "حوار مع الأنا المشخَّص" لدى جان بول سارتر في كتابه "اعترافات الشيطان لدى أحد رجال الدولة" (6) وغيرها من الأعمال.
يرى المؤلف أن هذا الانشطار للنفس "لا يمكن أن يعتبر مجرّد هلوسات"، ويتناول بالتحليل قصة ويليام ويلسون للكاتب إدغار آلان بو والتي "تشير إلى موتيف النظير"، إذ "يروي البطل أنه وحين التحق بالمدرسة للمرة الأولى التقى بصبي لا يماثله في الاسم فحسب، بل وتاريخ الميلاد وقامته وصوته وملامحه الجسديّة، يقلّده في سكناته وحركاته، وقد فرّ من المدرسة من شدة فزعه، لكنه كان وفي كل مكان يجده بوجهه، إلى أن يدعوه للمنازلة وحين يطعنه يفاجأ أنه ليس سوى صورته".
"قتلتَ نفسكَ بنفسك"
وفي رواية "النظير"، المنشورة في 1846" لدوستويفسكي، يتعلق دائمًا بنظير يشبه في جلّ سماته البطل، فيشترك معه في اسمه وصورته وزيّه "وأغلب هذه الأعمال تؤول للانتحار من خلال اغتيال الشبيه اللعين" إذ يوصل البحث في هذه الأعمال إلى الإمساك بطريقة "تطور جنون من نوع جنون الاضطهاد" ويشير إلى تطابق البنية الفكريّة لدى هؤلاء المؤلفين.
فما الذي تكشف عنه هذه الدراسة؟
يكتب أوتو رانك: "القاسم المشترك إذا تتبّعنا حياة هؤلاء المؤلفين هو حالة مرضيّة للشخصيّة التي تتجاوز في أكثر من معنى العصاب. لقد كان جلّهم مصابين إما بأمراض عصبية أو بأمراض عقليّة حقيقيّة".
المسألة الأخرى التي يستنتجها المؤلف أن أغلب الكتاب الذين أبدعوا فكرة النظير وبتتبع حياتهم تدور جميع أفكارهم حول أناهم الخالصة وأغلبهم عانى من حياة غير مستقرة؛ "كان هوفمان ابن لأمٍّ هستيريّة، وكان معروفًا بوصفه عصبيًّا وذا طبع غريب متقلّب، وعاش إدغار آلان بو في بيت قريب له ولم يلقَ طعم السعادة، ووقع في مراهقته بكآبة حادة، وكان يعاني من أفكار وسواسيّة، كالخوف من أن يُدفن حيًّا".
ويستدلّ المؤلف من التقاطعات بين حياة هؤلاء ونهاياتهم وكتاباتهم إضافة لانشغالهم بفكرة "النظير"؛ على انحرافات عقليّة وهلوسات عاشوها كألفريد دو موباسان، وغوته، وغيرهما، إذ يروي كل من هؤلاء حادثة معينة عن لقائه بذاته أو بنظيره في لحظة كتابة أو فقد أو شدّة نفسيّة. كذلك يختلف وجود النظير بين فلسفة كاتب وآخر فهو إما "تجسيد لكلّ النزعات الشريرة، أو الضمير الحارس".
ويرى المؤلف أن هذا النوع من الكتاب "يأتي شقاؤهم من كونهم يعيشون حياةً تعيسة وطفولة وشبابًا يزخران بكلّ أنواع الانحرافات العقلية أو النفسية؛ وهم يبدون على غرار أبطالهم سجناء في زنزانة حبّهم لأنفسهم، فهم أعجز من أن يسيروا في ركاب الحبّ الحسيّ".
ولا يُخفي المؤلف صدمته من كون أغلب هؤلاء قد "ماتوا جرّاء أمراض عصبية، أو عقلية، أمثال هوفمان، وإدغار آلان بو، وموباسان، ودوستويفسكي، فسرعة بديهتهم جعلتهم يستوعبون الازدواجيّة في طبيعتهم".
إن الوشيجة التي تربط بين الكتاب الذين أبدعوا فكرة النظير أو الآخر هي "الاستعداد المرضيّ لتقبّل الاضطرابات العصبيّة والعقليّة التي تؤدي لانقسام الشخصيّة، مع إقرارٍ دقيق بوجود عقدة الأنا والعجز الكلي عن الحب أو عن الرغبة الجامحة للعاطفة".
في القسم المعنون "الظل تمثيل الروح" يقدم المؤلف دراسةً لتأثير الأفكار الخرافيّة إذ "في النمسا وألمانيا تضاء شمعة في ليلة عيد الميلاد، ومن لا يطرح له ظلّ على جدار الغرفة أو ينعكس له ظل بلا رأس فأولئك منذورون للموت في السنة الموالية، ويصرح "نيغلين" (7) بأن محاولة قتل إنسان عبر جرح ظله واسعة الانتشار، وفي جزر سليمان شرق غينيا يُحكم بالموت على من تطأ قدمه ظلّ الملك".
يتتبع المؤلف هذا التحول في فهم النظير أو الظل الذي كان ملاكًا حارسًا وراح "رويدًا رويدًا يتحوّل إلى وعي مضطّهد ومعذّب في حلّة شيطان".
وفي "الأخوة كرامازوف" (8) "عرض دوستويفسكي هذه الفكرة: إن الإنسان خلق الشيطان على صورته الخاصة، وقبل أن يصاب إيفان بالجنون يظهر له الشيطان ويعلّن أنّه نظيره".
إنّ رحلة النظير في هذا الكتاب بين كونه ظلًا أو انعكاسًا، تتضمّن "أنا مستقبلية أو ماضية وتصل إلى الحيلة التي يكوّن بها الأنا أنا مضادًّا"، يحلل فيها المؤلف أعمالًا يثبت عبرها وجهة نظره في كون "النظير" يولد من نرجسيّة الذات. وفي مقطع من رواية أوسكار وايلد "صورة الفتى دوريان" يعبر البطل عن حبه النرجسيّ لذاته: "أرغب في التمكّن من الحب، ولكن يبدو لي أنني فقدت الشغف، ونسيت الرغبة، لقد انطويت على نفسي كثيرًا، فصارت شخصيتي الذاتيّة عبئًا ثقيلًا".
تبدو "مركزيّة الذات" أرضًا خصبة لنشوء النظير، إذ تعتبر مثل هذه التحولات آلية دفاعية، حيث "ينفصل الفرد عن جزء من أناه ضدّ الأنا الذي يدافع عن نفسه منه ويريد الفرار منه"؛ فالنرجسيّ يحبّ ذاته، ويرفض هذا الحب في آن، والآلية الدفاعية المحتملة هنا، الانتحار أو الجنون كما في نماذج كثيرة. حيث "تتوافق الأفكار النمطيّة لجنون العظمة مع تضخّم الأنا". ويمتد هذا التحليل لنوع من "الذهان"، حيث يُلاحظُ أن المضطهد الرئيسي هو "الأنا الخاص" أي الشخص الذي كان فيما مضى هو المحبوب، "والذي يتجه ضدّه الآن للدفاع عن نفسه".
كما أن الصراع النفسي ليس سوى حلقة يكون فيها "النظير متوافقًا مع فعل التحرّر، وهو تحرر بثمن الخوف من اللقاء". الهاجس الأخير في نشوء النظير حسب المؤلف، هو "الاعتقاد في خلود الأنا" النابع من حبّ الذات ويتجلى هذا في النتاجات الأدبية. ولا سيما شخصية "دون جوان" إذ يرصد الكتاب تطورها في الأدب عبر تحليل نصوص شعرية وشخصيات روائية وحياة مؤلفيها.
وقد تسرّبت هذه الشخصية من خلال فكرة السيد والخادم، والعلاقة الإشكالية بينهما، ويظهر تحليل هذه النماذج الشعرية "أن النظير الذي يدعى دون جوان والذي يظهر في أعمال الشعراء على وجه الخصوص ليس سوى الوجه المعكوس لهذا النزوع المرضيّ".
في مقاله عن التحليل النفسي "الوراثة"، بيّن ليون دوديه في مقالة عن العالم الداخلي (باريس، 1916)، الآليّة التي تقدّم بواسطتها شخصيّة واحدة بشخصيتين. ويطلق عليها المؤلف "ازدواجيّة الأنا"، حيث تظهر أو تُخلق شخصية دون جوان باعتبارها "صورة ما فوق بشرية لا يداخلها الندم ولا التكفير عن الذنب حتى وهي تسقط في الهاوية".
وفي أغلب القصص التي تعنى بمسألة "النظير"، يُستخدم الأخير بوصفه رمزًا للجنون أو إفراطًا يتجاوز الحدّ ورسولًا للموت، إنّه صورتنا الأخرى، وقد "خلقها الشعراء والكتاب كصدىً لنفسيتهم الفرديّة".
وهذه الازدواجية في الأنا، أو في صورة مناقضة للبطل عبر انحطاطه في شخصية دون جوان. فإذا كان البطل الرومانسي منقادًا للضوابط البشرية فظلّه أي دون جوان "هو تدمير الشخصيّة الحقيقيّة للبطل".
يتتبع المؤلف الأعمال التي تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين على وجه الخصوص ليكشف عن النظير في وجوهه المختلفة باعتباره "صورة الشخص وقد تجلّت خارجه، واستوجبت النظر إليها فخلقت بين الأنا والصورة / الكائن مسار نظر حسيّ وليس مجرّد".
من هنا وُلِدت أكثر الشخصيات خلودًا وحياة في الأدب، لتظهر من خلالها أشدّ لحظات الكائن انقسامًا في الهوية، وهو انقسام عميق ينتهي بالموت أو الجنون، إذ يتوجب على أحدهما قتل الآخر. وقد يكون النظير شرًّا مطلقًا أو خسّة مبالغ فيها، بطلًا منحطًّا، أو واقعيًّا صارمًا، وفي كل هذه الأعمال ينتهي إلى تدمير الذات التي تدرك من خلال وعي مفرط أنها بخلاف ما تبدو عليه.
*كاتبة سورية.
(1) المركيز دو ساد، جوستين، ترجمة: محمد عيد إبراهيم.
(2) ذو اللحية الزرقاء، شارل بيرو، من مجموعته حكايات أمي الإوزة، ترجمة ياسر عبد اللطيف.
(3) إميلي ديكنسون 1830-1886، ترجمة: ضيّ رحيمي.
(4) "طالب من براغ"، أول فيلم يعالج موتيف النظير، من كتابة الروائي الألماني هاينز إيورس، وأدّى دور النظير الممثل بول فيغنر الذي مثّل دور "الغولم".
(5) الشاعر ألفريد دو موسيه (1810-1857)، من قصيدة la nuit de Décembre.
(6) "الشيطان والإله الطيّب": مسرحية للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي أُسندت إليه جائزة نوبل في الأدب عام 1964 وإن كان قد رفضها، صدرت عام 1951، وتركّز المسرحية على الخيارات الأخلاقية لشخصياتها كأمير الحرب غوتز.
(7) بول نيغلين: طبيب وباحث ألماني، وكان من المتعاملين مع مدرسة التحليل النفسي في فيينّا في بدايات القرن العشرين. ناقش ارتباط الأساطير والأحلام بالرغبات المكبوتة.
(8) دوستويفسكي، الأخوة كرامازوف، ترجمة سامي الدروبي.


تحميل المقال التالي...