}

في نقد رسالة البابا: لا ذكر لإبادة غزّة

جورج كعدي جورج كعدي 28 يونيو 2026
آراء في نقد رسالة البابا: لا ذكر لإبادة غزّة
الرسالة بالطوباويّات اللاهوتية واليوتوبيات الاجتماعية غير القابلة للتطبيق
أيّها الأحدث زمنيًا في الإبادات؟ الهولوكوست أم الإبادة في غزة؟ لِمَ إذًا يُذكر الهولوكوست مرارًا في رسالة البابا الحالي ليون الرابع عشر تحت عنوان «الإنسانية الرائعة/Magnifica Humanitas» مع عنوان فرعيّ «في حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي» ولا تذكر إبادة غزة مرة واحدة؟! الرسالة التي هي في نحو 42 ألف كلمة لم يجد رأس الكنيسة الكاثوليكية متسعًا فيها لكلمات ثلاث: «الإبادة في غزة»، على عكس عقدة الهولوكوست التي تلازم الغرب عامةً والفاتيكان على وجه الخصوص، فتُذكر في كل مقام ومقال، وقد حدثت قبل ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن، فيما إبادة الشعب الفلسطيني ما انفكت حتى الساعة جارية على أيدي النازيين الجدد وورثة هتلر، صهاينة الكيان السفاحين المجرمين. والأدهى أنّ الثيمة الرئيسية للرسالة هي قضية الذكاء الاصطناعي، إشكالياته واستخداماته وأخطاره، وإمكان مواءمته مع إنسانية الإنسان من وجهة نظر لاهوتية إيمانية، ولكن أيضًا من زوايا أنثروبولوجية وسوسيولوجية وفلسفية. ففي الرسالة أفكار قيّمة في هذا الصدد، لكن لِمَ حشر الهولوكوست من دون سواها من الإبادات والمجازر الكبرى والحروب، الآنيّة منها والجارية في شكل خاص؟ الله وحده يعلم السبب، أما شكّي الشخصيّ: لا تزال الكنيسة من رأسها حتى أخمصها تحابي اليهود في العالم، والصهاينة تحديدًا، من خلال التسبيح بذكر الإبادة النازية في كل مناسبة وحديث وموقف. عقدة ملازمة لا فكاك منها، والأرجح أن الصهيونية اخترقت أسوار القلعة الكاثوليكية من زمن بعيد، حتى تبدو لنا قلعة من قلاع اليهودية والصهيونية، لا قلعة لمليارات المؤمنين الكاثوليك في العالم. البرهان: أيُّ صوتٍ عالٍ (لا خافت) سمعنا من الفاتيكان مندّدًا بالإبادة الرهيبة في غزة والمستمرة منذ أكثر من سنتين؟
النقد الآخر الذي يمكن توجيهه إلى هذه الرسالة هو أنّها مليئة بالطوباويّات اللاهوتية واليوتوبيات الاجتماعية غير القابلة للتطبيق، لاعتمادها على «النوايا الحسنة» لدى بشرية وصفها كانط بالعود الأعوج الذي لا يمكن صنع شيء مستقيم منه. فهل أنهت كل مثاليات الفلسفة والفكر الإنساني الحروب الوحشية والأطماع والأنانية لدى الأمم والأفراد على السواء؟ وهل منعت العبودية والاستغلال والتمييز العنصري؟ وهل قضت على المرض والجوع والفقر؟ وهل حسّنت من أخلاق البشر وعلاقاتهم البينيّة؟ إذا كان الجواب كلا، وهو كذلك بالتأكيد، فبمَ تتميّز رسالة البابا عن كل فكر وتأمّل سبقاها ولم يبدّلا شيئًا في الواقع؟ هل يمنع شركات تطوير الذكاء الاصطناعي من المضيّ في أبحاثها ومشاريعها؟ أو هل يردع شركات صنع الأسلحة عن إدخال هذا الذكاء إلى أسلحتها المتطورة والمدمرة التي تستخدم في غزة ولبنان وإيران وكل مكان؟ هل بمناشدات البابا «الإنسانية» و«الرؤوفة» يتوقف الشر في العالم وهو سيّده وليس البابا، على ما يُظهر الواقع؟ ثمّة أسئلة كثيرة يمكن أن تراودنا ونحن نقرأ بتأنٍّ وتؤدة هذه «الرسالة» المفعمة بالأفكار والنوايا الحسنة، إنّما غير المقدِّمة أيّ حلول عملية للقضية التي تطرحها وتعالجها من زوايا مختلفة، دينية وفكرية وفلسفية.

غفل البابا ذكر مأساة غزة الإبادية الماثلة حتى الساعة أمام ناظريه (Getty)

يحاول البابا ليون أن يوازن بين فوائد التطور التكنولوجي ومضارّه، فيرى أنّه «ساهم على مرّ القرون في تحسين ظروف معيشة البشرية بشكل كبير»، لكنّ «تغلغل قوة التقنيات الناشئة وانتشارها في نسيج الحياة اليومية، وفي عمليات اتخاذ القرار، وتأثيرها على المخيلة الجماعية، يجعل من الضروريّ اعتماد أدوات تنظيمية قادرة على حماية العدل واحتواء الآثار المشوّهة للسلطة التكنولوجية»، مقرًّا بأنّ «المحرّكات الرئيسية للتنمية هي جهات فاعلة خاصة (يقصد الشركات)، تكون مرارًا عابرة للأوطان، وتتمتع بموارد وقدرات تفوق التي يمتلكها العديد من الحكومات (...) ولهذا يصير من الأصعب تمييزها وإدارتها وتوجيهها نحو الخير العام». هنا لا يقدّم البابا، مثلًا، حلولًا ناجعة للتصدّي للشركات العابرة للدول، مسلّمًا سلفًا بالعجز عن توجيهها نحو الخير العام.





لدى الغوص أكثر في توصيف الذكاء الاصطناعي (الفصل الثالث من الرسالة تحديدًا) يقدم صاحب الرسالة وصفًا بديهيًا لا جديد فيه عالجته مئات الكتب والأبحاث والدراسات، من نوع: «إن ما يسمّى بالذكاء الاصطناعي لا يعيش خبرة، ولا يمتلك جسدًا، ولا يمرّ بالفرح والألم، ولا ينضج في العلاقات، ولا يعرف من الداخل معنى الحب والعمل والصداقة والمسؤولية. كما أنّه لا يمتلك ضميرًا أخلاقيًا: فهو لا يحكم على الخير والشر، ولا يدرك المعنى النهائيّ للمواقف، ولا يتحمّل عبء العواقب. يمكنه أن يقلّد اللغات والسلوكيات والتقييمات، ويمكنه أن يحاكي العاطفة أو الفهم، لكنّه لا يفهم ما ينتجه، لأنه لا يسكن في الأفق العاطفي والعلائقي والزوجي الذي يصير فيه الإنسان حكيمًا (...)». ماذا في هذا الوصف سوى البديهيات التي يعرفها الجميع؟ ثمّة في المقابل دعوة إلى اعتماد «نهج متزن ويقظ»، وهذه مفردات من النوع الضبابيّ الذي لا يصلح نهجًا عمليًا، إذ ماذا تعني مفردتا «متزن ويقظ»؟ أليس هذا كلامًا عامًا، حتى لو جرى تفصيله بأفكار مثالية أكثر ضبابية، مثلما هي الدعوة إلى مصمّمي أنظمة الذكاء الاصطناعي بأن يتحمّلوا مسؤولياتهم! هل نحن أمام عظة كنسيّة لمؤمنين أم ماذا؟ تتبع ذلك دعوة أكثر مثالية إلى «توخي الحذر، وإجراء تدقيقات صارمة، وأحيانًا إبطاء وتيرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أيضًا، وممارسة رعاية مسؤولة تجاه العائلة البشرية»! كأننا حقًا أمام كاهن رعية يعظ في قداس يوم الأحد، مردفًا: «نحن في حاجة إلى أُطُر قانونية ملائمة، ورقابة مستقلة، وتثقيف للمستخدمين، وسياسة لا تتخلّى عن واجبها. وإلّا، فإنّ التغيير سيخضع فقط لمنطق تكنوقراطيّ ويقدَّم على أنّه ضروريّ ولا مفرّ منه، ويفرض في النهاية قواعد، تمليها الجهات التي تمتلك البيانات والبنى التحتية والقدرات الحسابية»، مضيفًا: «إن مجموعات صغيرة ذات تأثير كبير يمكنها أن توجّه المعلومات والاستهلاك، وتؤثر على العمليات الديمقراطية، وعلى الديناميات الاقتصادية لمصلحتها الخاصة، ما يتعارض مع العدل الاجتماعي والتضامن بين الشعوب (...) في عالم تتركز فيه البيانات، ورأس المال الكمبيوتريّ والقدرة التنظيمية في أيدي قلّة قليلة، فإن الكلام على الخير العام يعني إيجاد طرق لضمان الوصول الشامل إلى التكنولوجيات والتنشئة (...) إنّ نزع سلاح الذكاء الاصطناعي يعني انتزاعه من منطق التنافس المسلّح، الذي لم يعد اليوم عسكريًا فحسب، بل اقتصاديًا ومعرفيًا أيضًا (...)».
ماذا في هذا الكلام سوى التوصيف لمشكلة مستعصية لا حلول عملية لها إلّا... المناشدة؟! فهل تحلّ المناشدة شيئًا مع أشرار العالم مكتومي الضمائر؟! بمَ تجدي مناشدة ضمير من لا ضمير له؟

استشهد البابا بلوحة غارنيكا لبيكاسو لإدانة اللإنسانية (Getty)


إقحام بلا معنى ولا مبرّر يخلص إليه صاحب الرسالة البابوية قائلًا في الفقرة 121: «في النهاية، الإنسان هو الكائن القادر على اختراع غرف الغاز في أوشفيتز، ومع ذلك هو أيضًا الكائن الذي دخل غرف الغاز تلك نفسها وهو يتلو الصلاة الربانية أو 'شِماع يسرائيل' على شفتيه». لا يزال البابا ينوح مع النائحين على ضحايا أوشفيتز وغرف الغاز التي ما برحت إلى اليوم تحتاج إلى براهين غير متوافرة، ويغفل ذكر مأساة غزة الإبادية الماثلة حتى الساعة أمام ناظريه، ولا يذكرها أو يقدّمها مثلًا على وحشية الإنسان الذي اخترع ما هو أفظع من غرف الغاز، القذائف والصواريخ «الذكية» (موضوعه هنا) التي تدمّر البشر والحجر بأسرع من لمح البصر! ما به البابا حقًا، هل هو مصاب كأسلافه بالحَوَلِ الفكريّ والإنسانيّ الذي لا يبصر سوى الإبادات التاريخية ويغضّ الطرف عن تلك الراهنة والقائمة؟! وإذ يقدّم أمثلة من الفنون فإنّه ينتقي السمفونية التاسعة لبيتهوفن التي تعبّر عن الرغبة في الوحدة و«غرينيكا» لبيكاسو كصوت يندّد باللاإنسانية، وفيلم «قائمة شيندلر» لسبيلبرغ الصهيوني الذي يصفه بأنه «دعوة إلى عدم نسيان الماضي». يريدنا البابا ألّا ننسى الماضي، بل أن ننسى الحاضر. لذا يبدو له الهولوكوست جديرًا بالذاكرة، أما غزة فغير جديرة بها!
إمعانًا في تصوير المعضلة، مع عدم تقديم الحلول العملية غير «الوعظية»، تشير الرسالة إلى «مشكلة البطالة» على النحو الآتي: «اليوم، في الثورة الصناعية الرابعة، تزداد المخاوف حدة (...) فمن الواقعي الخوف من انكماش كبير وسريع في الوظائف المتاحة، مع تأثير متسلسل يؤثّر تأثيرًا عميقًا على العائلات والشباب وأنواع الاقتصاد المحلي (...)». وبمَ يواجه هذا الخوف بحسب الرسالة ـ العظة: «يجب أن تبقى القاعدة العامة هي حماية مفهوم العمل ودور الإنسان الذي لا غنى عنه. لا يمكن تبرير خيارات تضحّي بالعمالة بشكل منهجيّ، من أجل تحقيق زيادة في الربح، لأن الإنسان غاية وليس وسيلة، ويجب أن يبقى النظام الاقتصادي خاضعًا لكرامته وللخير العام». هل يؤمن صاحب الرسالة حقًا بمَ يدعو إليه؟ لو صوّرنا صاحب شركة ذئبًا يستخدم الذكاء الاصطناعي بدلًا من مجموعة موظفين للتوفير وزيادة الأرباح، فهل يعتقد البابا أنّ كلامه يؤثّر في هذا الذئب فيرأف بالنعاج؟ إنها مجرّد مثاليات وتصوّرات عابرة لا صدى لها ولا أمل في التطبيق على أرض الواقع. وقس على ذلك من عناوين فرعية في الدراسة ـ العظة مثل «اقتصاد يقدّر الكرامة» و«العائلة والشباب: الظروف الاجتماعية للرجاء» و«الإدمان والرقابة الاجتماعية» (المقصود إدمان الشباب المرتبط بالاقتصاد الرقمي، واستغلال ضعفهم وحريتهم الداخلية) و«كسر قيود العبودية الجديدة» و«مسؤولية مشتركة» و«حضارة المحبة في العصر الرقمي» و«ثقافة القوة» و«تطبيع الحرب» (حتى هنا حيث يمكن بيسر ذكر غزة، لا يأتي مرة أخرى إلّا على ذكر الهولوكوست و«الشوءا») و«القوة بلا حدود» (حيث يتحدث عن «أمة مسلحة» تبدو فيها الحرب كأنها امتداد طبيعي للسياسة، وهل ينطبق هذا الوصف على جهة أكثر من الكيان الصهيوني؟ وهنا مناسبة إضافية لذكر غزة) و«الأسلحة والذكاء الاصطناعي» (لا حلول مقدمة بل مجرد توصيف) و«أزمة التعدّدية» و«واقعية سياسية مزعومة» و«بناء حضارة المحبة» و«يمكننا جميعًا أن نؤدي دورنا» و«أن ننزع السلاح من الكلمات» و«أن نبني السلام في العدل» و«أن ننظر نظرة الضحايا» (هنا الفضيحة الكبرى في هذه الفقرة 216 من الرسالة، إذ يرد بتعمّد لا مثيل له وصف لحالة غزة من دون ذكر اسمها: «عندما نواجه قصفًا للمدنيين، وهجمات على المستشفيات أو المدارس أو البنى التحتية الحيوية، وعنفًا يصيب الأطفال، فإننا نواجه عثرات تجرح الإنسانية نفسها (...)... أين حصل كل ذلك؟ يأنف صاحب الرسالة من ذكر المكان، أي غزة، ولماذا؟ ما السبب؟ وماذا في خلفية عدم النطق باسم غزة؟)، فضلًا عن مجموعة عناوين أخرى ذات طابع ديني، كمن يختم حقًا عظة لا رسالة جامعة موجهة إلى البشرية جمعاء.
أضاع البابا ليون الرابع عشر فرصة قوله الحقيقة والنطق بكلمة الحق.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.