عادةً ما تعتمد التيارات السياسية الشعبوية على استدعاء مشاعر الخوف والقلق لتقديم نفسها إلى الجماهير، والحصول على أصواتها في أوقات الاستحقاقات الانتخابية. فالخوف من الإرهاب وفقدان الأمن، أو زيادة أعداد المهاجرين والتأثير على فرص عمل المواطنين ومستقبلهم، والتهديدات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي قد يتعرض لها المجتمع، والإيحاء بأن المجتمع على حافة الانهيار أو الفوضى، أو تصوير الإعلام والقضاء والأكاديميين باعتبارهم متآمرين ضد الشعب... هذه وغيرها هي النقاط الأكثر طرحًا في أجندات هذه التيارات. ويلاحظ في الحالة الإسرائيلية أن صعود اليمين الإسرائيلي، وتحول المجتمع نحو اليمين في العقود الماضية، كان انعكاسًا لخطاب يرتكز على إثارة الخوف والقلق، ويدفع أفراد المجتمع إلى التخلي الطوعي غير الشعوري عن كثير من حرياتهم تحت تأثير هذا الخطاب.
تبدو هذه المعاني أوضح ما يكون حين ننظر إلى تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية كنموذج عملي على ما نقول؛ حيث استخدمت الحكومة القمع مع مواطنيها في مناسبات كثيرة، ووظفت طوال الوقت خطابًا يشيطن معارضيها من السياسيين أو الإعلاميين أو حتى المواطنين العاديين. وحتى قبل الانتخابات التي أفرزت هذه الحكومة، كان برنامج حزب الليكود والتيار الديني القومي بحزبيه، الصهيونية الدينية وعوتسما يهوديت، يدعو إلى ما أسماه حينها "الإصلاحات القانونية"، وهو في حقيقته مدخل لإخضاع السلطة القضائية للسلطة التنفيذية، وهو ما يعني أن فوز هذه الأحزاب في انتخابات الكنيست الأخيرة، وتشكيلها الحكومة، عكس هروبًا شعبيًا نحو السلطوية. وهنا لا بد من التنبيه على أمرين؛ أولهما: أن نظرتنا هذه للحالة الإسرائيلية نظرة وصفية، لا تُعنى بتفضيل لليسار على اليمين، بقدر ما تركز على كيف يقدم السياسيون أنفسهم للجماهير، والخطاب المستخدم، وطبيعة التصرفات التي تقوم بها السلطة اليمينية الحاكمة هناك. أما الأمر الثاني: فهو أن الحديث عن السلطوية في إسرائيل لا يعني غياب البعد الشكلي للديمقراطية المتمثل في الانتخابات وحرية اختيار النواب، كما لا يعني مقارنة إسرائيل بالبيئة الإقليمية، بل مقارنة واقعها بماضيها.
| |
| تبدو التحولات السياسية داخل إسرائيل خلال العقود الأخيرة أكثر تعقيدا من مجرد انتقال انتخابي من اليسار إلى اليمين (Getty) |
في عام 1941 نشر إريك فروم كتابه الشهير "Escape From Freedom الهروب من الحرية"، وهو عمل تأسيسي في علم النفس الاجتماعي حاول فيه فهم المفارقة الحديثة التي يعيشها الإنسان ومفادها: أنه كلما تحرر الأفراد من القيود التقليدية، ازداد في الوقت نفسه شعور كثير منهم بالقلق وانعدام اليقين. وسبب ذلك أن المجتمعات التقليدية كانت تمنح الإنسان أطرًا ثابتة للهوية والمعنى والانتماء: كالدين، والروابط العائلية، والطبقة أو الموقع الاجتماعي، وأهل المهنة التي ينتمي إليها، والجماعة المحلية من قرية وعشيرة وطائفة وتقاليد وعادات، وهي أطر كانت تمنح الإنسان شعورًا بالاستقرار والمعنى، وإن قيّدت حريته بطريقة أو بأخرى. أما الإنسان الحديث فإنه قد يتحرر نسبيًا من تلك البنى التقليدية، لكنه يصير في المقابل أكثر مسؤولية عن اتخاذ قراراته وتحديد معنى حياته بنفسه، وهو ما قد يؤدي إلى شعور بالقلق نتيجة هذه المسؤولية المتزايدة.
لم يكن فروم يرى الحرية بوصفها حالة مريحة بالضرورة، بل باعتبارها عبئًا نفسيًا أيضًا، لأن الإنسان الذي يفقد يقيناته القديمة يجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة عالم مفتوح ومعقد. ولهذا فإن كثيرًا من الأفراد لا يهربون في لحظات القلق والخوف من القمع فحسب، بل قد يهربون من الحرية نفسها، بحثًا عن يقين أكثر صلابة توفره السلطة أو الجماعة أو الأيديولوجيا المغلقة. وبهذا المعنى تصبح السلطوية ذات جاذبية، ليس بسبب برنامجها السياسي، بل لأنها تمنح شعورًا نفسيًا بالأمان في مواجهة عالم مرتبك. وعلى الرغم من أن هذا الشعور لا يمكن اعتباره شعورًا حقيقيًا، فإنه عادةً ما يُوظَّف سيكولوجيًا في إطار السيطرة على الجماهير.
وتبدو هذه الفكرة قريبة، في بعض جوانبها، مما تحدثت عنه حنه أرندت في كتابها "The Origins of Totalitarianism أصول الشمولية" حين ربطت بين العزلة التي يشعر بها الأفراد داخل المجتمع وصعود النزعات الشمولية. وتذهب أرندت إلى "أن ما يهيئ الإنسان للخضوع للشمولية هو حقيقة أن الوحدة أصبحت تجربة يومية متزايدة"، إذ يؤدي فقدان الروابط الاجتماعية لأن يصبح الفرد أكثر قابلية للامتثال لمن يقدم له شكلًا من أشكال الاطمئنان، حتى وإن كان ثمنه فقدان حريته، أو الارتماء في أحضان أيديولوجيا قومية متشددة أو مجموعات ذات نزعة سلطوية أو خطاب إقصائي.
ومن هذه الزاوية، تبدو التحولات السياسية داخل إسرائيل خلال العقود الأخيرة أكثر تعقيدًا من مجرد انتقال انتخابي من اليسار إلى اليمين. فرغم أهمية العوامل الديموغرافية، كارتفاع معدلات الإنجاب لدى التيارات الدينية مقارنة بالتيارات العلمانية واليسارية، أو الهجرات والتحولات السكانية، في تشكيل الخريطة الانتخابية وتوازن القوى، لا يمكن استبعاد مثل هذه العوامل النفسية/الاجتماعية التي تحدث عنها فروم عن التأثير في تَشَكُّل المزاج الجمعي الإسرائيلي، الذي أصبح يميل نحو اليمين، واليمين الأكثر تطرفًا.
لقد نشأت إسرائيل في بداياتها بوصفها مشروعًا حاول الجمع بين القومية اليهودية وأفكار الحداثة الأوروبية، خصوصًا الاشتراكية والعلمانية والعمل الجماعي. وكانت النخب المؤسسة، المرتبطة بحركات العمال، ترى الدولة الجديدة مشروعًا حداثيًا. وكان الخطاب الداخلي الذي حكم الدولة في العقود الأولى يحمل كثيرًا من مفردات اليسار الأوروبي أو ممارسات تنتمي لهذه الأيديولوجيا: التضامن الاجتماعي، نقابات العمال، مركزية الدولة، الكيبوتسات (المجتمعات التعاونية الاستيطانية الصغيرة). غير أن هذه الصيغة التأسيسية بدأت تتآكل تدريجيًا بفعل عوامل متعددة، وتزامن هذا التآكل مع أزمة في السردية المؤسسة للدولة، وفقدان الأيديولوجيا التي أسست المشروع الصهيوني القدرة على إنتاج المعنى؛ فتراجعت الاشتراكية الصهيونية، وفقدت الكيبوتسات رمزيتها المركزية، وانحسرت الهيمنة الاجتماعية والثقافية للنخب اليسارية بعد أن قادت الدولة لعقود. وفي المقابل، ظهرت قوى جديدة أكثر ارتباطًا بالدين والقومية والهويات الفرعية، وأكثر تشكيكًا في الخطاب الليبرالي القديم. ومع هذا التحول، لم يعد اليمين مجرد تيار سياسي ينافس اليسار، بل أصبح تدريجيًا حاملًا لرؤية جديدة عن المجتمع والدولة والتاريخ.
وقد لعب الخوف حين أصبح مكونًا دائمًا في الوعي الجمعي دورًا مركزيًا في تشكيل هذا التحول. فنتيجة للحروب المتكررة والانتفاضات الفلسطينية، وتصاعد الإحساس بالخطر الوجودي، بدأت عملية متدرجة من إعادة تعريف السياسة نفسها من خلال مفردات البقاء والتهديد. ومع الزمن، أصبحت الأسئلة المرتبطة بالحرية والتعددية أقل حضورًا من أسئلة الأمن والهوية والانضباط. وبهذا المعنى، فإن صعود اليمين في إسرائيل مثلًا لم يعد يعبر فقط عن تغير في المزاج الانتخابي، بل عن انتقال أعمق من تصور يرى الدولة إطارًا لتحقيق مشروع حداثي، إلى تصور يعتبرها حصنًا وجوديًا في عالم عدائي.
كان فروم يرى أن الإنسان حين يشعر بالعجز أمام عالم معقد وغير مستقر، يميل إلى "الهروب" نحو أنماط من اليقين الصلب. وهذا ما يضفي على السلطوية جاذبية في أوقات القلق الجماعي. فهي لا تقدم فقط حلولًا سياسية، بل أيضًا راحة نفسية تتمثل في تقسيمات سهلة في ظروف القلق: الصديق والعدو، من ينتمي ومن لا ينتمي، من يجب الوثوق به ومن ينبغي الخوف منه... ومن هنا يمكن فهم جاذبية الخطاب اليميني المتشدد داخل إسرائيل، خاصة في الفترات التي تتصاعد فيها مشاعر الخوف والتهديد.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية مفهوم فروم عن "الهروب من الحرية"، إذ لا تصبح الحرية فقط التمتع بالحق القانوني في الاختيار، بل أن تكون لدى الفرد قدرة نفسية على تحمل التعقيد حتى لا يتنازل عن حريته بشكل طوعي. فعادةً ما تميل المجتمعات التي تفقد شعورها بالاستقرار إلى تفضيل الإجابات البسيطة والحاسمة حتى لو كانت قائمة على الإقصاء أو التطرف. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم كيف صارت قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي أكثر تقبلًا لخطابات كانت تراها في السابق هامشية أو متطرفة.
وإلى جانب ذلك، لعبت التحولات الاقتصادية دورًا مهمًا حين انتقلت إسرائيل منذ ثمانينيات القرن الماضي من نموذج اقتصادي ذي طابع جماعي نسبي، إلى اقتصاد أكثر فردانية ونيوليبرالية. وهو تحول أسهم في تعميق الفوارق الاجتماعية وإضعاف الأطر التقليدية التي كانت تمنح الأفراد شعورًا بالاستقرار والانتماء. وقد صاحب ذلك تراجع لفكرة القومية الإسرائيلية التي كانت تحمل في بداياتها طابعًا علمانيًا نسبيًا، وأصبحت الفكرة، بشكل تدريجي، أكثر تداخلًا مع المرجعيات الدينية والتوراتية. وهكذا لم يعد دور الدين المتزايد مجرد عودة له كممارسة روحية فقط، بل أصبح مصدرًا لليقين التاريخي والرمزي. وهنا التقى الاقتصادي والأمني والديني بالنفسي، وازدادت جاذبية الخطابات التي تعد بالأمن كرد فعل لا شعوري على إحساس الأفراد بالعزلة أو التهديد أو فقدان الذات.
وأمام هذه التحولات وجد اليسار الإسرائيلي نفسه عاجزًا عن مواجهة ما يحدث بفاعلية، وفاقدًا للقدرة على إنتاج خيال سياسي مقنع للجماهير. وفي المقابل، نجح اليمين في تقديم نفسه باعتباره أكثر انسجامًا مع الواقع، وأكثر قدرة على حماية الجماعة وتأكيد هويتها.
تبدو إذًا الأفكار التي تحدث عنها فروم مناسبة تمامًا لفهم التوجه الإسرائيلي نحو اليمين السلطوي، المتهم بالفساد والأداء الشعبوي، رغم أن ما كتبه فروم يعود لما قبل قيام دولة الاحتلال. ويدعم ذلك أن الكثير من الدول التي شهدت صعودًا لليمين الشعبوي والقومي، في العقود الأخيرة، كانت مدفوعة بدرجات متفاوتة بمشاعر القلق وفقدان اليقين، وهو ما شهدناه في الولايات المتحدة وفي بعض الدول الأوروبية. لكن خصوصية الحالة الإسرائيلية تكمن في أن هذه الديناميات تتغذى أيضًا من صراع طويل ومفتوح، يجعل الإحساس بالتهديد أكثر حضورًا واستمرارية.
وهكذا، فإن حسابات الديموغرافيا، على أهميتها، لا تقدم سوى تفسير جزئي للظاهرة. أما المستوى الأعمق فيتعلق بكيفية تشكل الوعي الجمعي نفسه، وكيف يعاد تعريف معنى الأمان والانتماء داخل المجتمع. وهنا تكمن قيمة الطرح الذي قدمه فروم، والذي يفتح الباب لفهم السياسة الإسرائيلية على وجه الخصوص من مدخل نفسي واجتماعي. وبهذا المعنى، فإن "الهروب إلى السلطوية" لا يصف صعود تيار بعينه بالضرورة، بل يذهب أبعد من ذلك إلى فهم المزاج النفسي لمجتمع كامل.


تحميل المقال التالي...