خلق أزرق لبرنامجه شهرة واسعة صنعها بيده وبمخيّلته وبقدرته على طرح أسئلة جوهرية وبقيمة ما يمتلكه من رأسمال رمزي رافقه منذ نشأته في بلده. لذلك فإن المتأمّل للبرامج السياسية المنتشرة داخل العالم العربي، سيجد نفسه أمام برامج تعيد تكرار نفس الوجوه وتساهم بشكل يوميّ في تكريس موضوعات لم تعد تهم العرب، أمام المآسي السياسية والأهوال الاجتماعية التي يتخبطون فيها اليوم، والتي تفرض على الإعلام العربي ضرورة الانتباه إلى هذه التحولات ومحاولة خلق نقاش سياسيّ حقيقي حول سلسلة من قضاياها. يتمتع برنامج "للحديث صلة" بأهمية بارزة داخل المشهد الإعلامي العربي، لأنه غدا ينتج معرفة ولا يقدمها فقط، حيث تظهر المحاورة باعتبارها أفقًا لبناء حوار فكري يعيد ترميم الأفكار وتكريس المواقف والحفر العميق في بنية اللامفكر فيه داخل الأوطان العربية. كما أن الشكل البصري الذي يظلل سيرة البرنامج، يجعله مختلفًا وأصيلًا وأكثر عمقًا على التوغّل في ذاتية المُشاهد، لأنه شكلٌ يقوم على وحدة الألوان وتناسقها، بما يجعل عين المتفرج لا تشعر بأي انزعاج لحظة المُشاهدة. إذ ليست الموضوعات والضيوف فقط هي ما تصنع البرامج التلفزيونية وإنما أيضًا الشكل البصري والأسلوب الفني الذي من خلاله ينجح المقدّم في تمرير مادته الفكرية، بعيدًا عن الاستوديوهات الكلاسيكية التي تساهم أحيانًا في فشل البرنامج ونسيانه. في حين أن جرأة الشكل وحرارة الألوان والإيقاع الموسيقي تصنع فرقًا وتشدّ المتفرج إلى البرنامج، لأنه يجد نفسه أمام محتوى تلفزيوني أكثر اختلافًا وقدرة على التجديد ودخول باب الحداثة البصرية من خلال البرنامج السياسي.
لعلّ ما فعله أنس أزرق في برنامجه أنه زاوج بين جماليات الشكل وقوة الفكر، حيث نشعر كمُشاهدين بالراحة التي ينعم بها الضيف، بما يجعله يبوح ويفكر ويتفاعل بطريقة تلقائية مع أسئلة المقدم والتي سرعان ما تُخرج الضيف من لحظة الاستقرار النفسي وتزجّ به في فضاء ضيّق، تجعله يبوح ويُظهر العديد من الكواليس التي يجهلها المتفرج. فهذا التأرجح بين الشكل والموضوع ساهم بقوة في صنع البرنامج وجعل مدة عرضه تعدّ من اللحظات المستقطعة التي تمنح للمُشاهد المتنقل بين القنوات التلفزيونية العربية بعضًا من متعة المشاهدة.
إذا عدنا إلى مختلف الشاشات العربية يشعر المتفرج أن البرامج السياسية الجادة بدأت تختفي، إذ لم تعد الشاشات الصغيرة قادرة على تأصيل الأسئلة واستضافة شخصيات سياسية وازنة لها أثرها داخل المجتمع الذي تنتمي إليه. فأغلب ما يوجد في المغرب والجزائر وتونس مثلًا، يتسم بالخفّة لدرجة يصعب فيها على المرء أن يسمي ما يشاهد برنامجًا سياسيًا، بحكم الهشاشة التي تطبعه وعدم قدرته على خلق المعنى السياسي من خلال مناقشة أحداث الساعة والقضايا الجوهرية التي تشغل الناس. كما أن الغياب الدائم للسياسيين للمشاركة في النقاش العمومي داخل التلفزيونات الرسمية يجعل هذه الشاشات ضعيفة وغير قادرة على تأطير المشاهدين سياسيًا وفكريًا، كما كانت عليه الحال إلى حدود نهاية تسعينيات القرن العشرين، حيث كان التلفزيون المغربي ينضح بالبرامج السياسية الحقيقية. إذ رغم ارتفاع منسوب المنع والتضييق أحيانًا، فإنها كانت على الأقل تخلق المعنى السياسي وتساهم بشكل أسبوعي في استضافة سياسيين ومثقفين ومحللين يتمتعون برأسمال سياسي كبير يجعلهم يفككون المشهد السياسي ويبرزون تحولاته وتغيّراته ونتوءاته. واليوم ونحن مقبلون على الانتخابات التشريعية لسنة 2026 تظهر هنا وهناك برامج "سياسية" تعمل من خلالها بعض المؤسسات على استقطاب زعماء أحزاب لخلق نقاش سياسي، لكنه نقاش يظل في عمقه ديماغوجيًا يدور حول التشكيل الإداري للحزب وتقييمه الحكومي وبرنامجه السياسي، لكنه لا يستطيع أن يحوّل اللحظة إلى أفق فكري يتصادى فيها عمل السياسي مع التحولات التي تطبع الفضاء العام كما فعل أنس أزرق. إن ما يميز برنامج "للحديث صلة" أنه أعاد إلى البرنامج السياسي قوته العلمية وصلابته الفكرية، حيث تصبح المعلومة مجرّد عنصر منهجي لبناء علاقة أعمق مع الواقع والذاكرة والتاريخ. لذلك يشعر المُشاهد لحلقات كل من محمد حرب فرزات وعلي محافظة وليلى سورا وسواهم، أنه أمام مادة فكرية عميقة على تضاريس مشهد بصري، وهو نمط مغيّب داخل البرامج السياسية.
فهذا الرهان على الجانب الفكري داخل قالب تلفزيوني، جعل البرنامج يكسّر القاعدة التي ترى أن الوسيط التلفزيوني هو مجال للعامة ولكل ما هو شعبوي عابر في زحمة اليوميّ، لأنه غدا هنا يخترق كل الحواجز والسياجات ويبني لنفسه مسارًا مغايرًا عن الملامح الفكرية التي طالما رسمها له المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه أو مدرسة فرانكفورت بشكل عام. وفق هذا المعطى يأتي الحوار باعتباره قاطرة نحو الفكر، فهو ليس مشادة ولا تدريبًا سياسيًا إنشائيًا، إنه لحظة مضيئة داخل الصورة يتحرر فيها السياسي/ المؤرّخ/ المفكر من الكليشيهات الديداكتيكية المدرسية المتعلقة بالسياسة، صوب نمط من الخطاب الذي ترتفع فيه نغمة الفكر ويصبح السؤال يكتسي بعدًا حداثيًا يقوم على عملية تفكيك الذات وعلاقتها بالسياسة والتاريخ والمجتمع.


تحميل المقال التالي...