تندرج إمبريالية الولايات المتحدة في الإطار العام لهجوم ليبرالي كوني، وهي ترمي إلى توحيد قسريّ للآداب والأذواق والرغبات، وإلى استواء التقاليد والمظاهر الخاصة بكل شعب، وإلى القصور الروحي، وإشاعة اللامبالاة العالمية. فالهدف النهائي هو حصر البشرية في كتلتين متواجهتين، كتلة شرائية قوامها زبائن متموّلون (شُرّاة)، مستهلكون، زبائن مسهمون في إثراء الطبقة الأوليغارشية والرأسمالية المالكة، وكتلة أقلوية قوامها باعة وصناعيون ومتموّلون ووسطاء تجاريون قلّما تسهم في تشغيل مجتمع لا يعنيها إلّا قليلًا. وليستمرّ النظام المقام على هذا النحو، يتمّ العمل على تفكيك كل ما يشكّل هويات جماعية يُنظر إليها كعقبات أمام المبادلات. يجب أن تفقد الشعوب مشاعرها الجماعية وذاكرتها المشتركة وتُحوَّل إلى جمهور من أفراد غير متمايزين، غير ثقافيين، لا وطنيين، استهلاكيين قابلين للإبدال، مدعوين إلى العمل بداخل بنية تحكمها القوانين الاقتصادية وحدها. مشروع "الجمهرة" هذا أنتج حرب الجميع ضد الجميع في قانون غاب يشجّع الإثراء والقوة للأقوياء، الأقلّ ضميرًا والأشد تسلّحًا بالمكر وروح الربح، والأكثر أنانية. يمرّ ذلك كله من خلال تدمير النخب القادرة على قيادة الشعب سياسيًا وتنويره ثقافيًا.
| |
| سعت الولايات المتحدة أيضًا إلى توحيد الزيّ العالمي من خلال تعميم ذاك اللباس الفظّ الذي كان يرتديه الكاوبوي أو راعي البقر، من قماشة عملية لا تتّسخ |
هذه الحرب الثقافية والاقتصادية تضع الإنسان تحت رحمة إله التجارة والمال، وتجعل الأرض سوقًا واسعة بلا حدود، وتمنع الفرد من طرح السؤال السقراطيّ: مَنْ أكون؟ على هذا النحو تراكم الولايات المتحدة دور الرمز المعياريّ للرأسمالية الليبرالية والإرادة الإمبريالية، مستندةً بقوة إلى الدعاية والإعلام، فالأميركيون هم أول واضعي اليد على وسائل الإعلام الأساسية لفرض مخيال معلّب على الثقافات الوطنية في كل مكان، وتلك الوسائل مكوّنة من وكالات الصحافة والإعلان والسينما والتلفزيون ومعاهد الاستطلاع وأدوات التواصل الاجتماعي. وهم يمارسون نفوذًا مؤثرًا في العناصر الكبرى التي تشكّل الفضاء الروحي للشعوب كالآداب واللغة والتربية. امتلكت الولايات المتحدة سلطانًا إعلاميًا ذا مدى لا يُسبر غوره يسمح لها بقولبة فكر بضعة مليارات من البشر. هم يوجّهون الخبر ويبرمجونه و"يسمّمونه"، كما فعلوا في حرب العراق، وقبل ذلك في حربي كوريا وفيتنام.
إلى جانب الإعلام، ثمة الإعلان الذي بات لدى الأميركيين سلاحًا شديد الفاعلية للتلاعب بالجماهير، وللغزو السياسي والثقافي والاقتصادي. ومهما بدا الإعلان لمعظم الناس عاديًا لكونه ينتمي إلى مشهدنا اليومي بنحو خاص، فإنّه يمثّل خطرًا مميتًا لو جرى التقليل من أهميته. فالإعلان كما طوّره الأميركيون خطير بطبيعته وبما يُحدث من نتائج، فهو قائم على المعيار الوحيد للإشباع الشخصي، وبرؤية باهرة تمتد إلى مجمل رؤية العالم التي يروّج لها، حتى إن الناس الأذكياء يكتسبون حياله ردود فعل غبية، إنه إعلان "لذيذ"، مرح، ضاحك، فردوسيّ. بينما لا يقدّم الإعلان هذا أي برهان عن حقيقة ما يروّج له. فعندما تربط ماركة سجائر (قبل منع إعلاناتها) أو عطر بالصورة بممثلين وممثلات، جميلين وجميلات، منعمين ومنعمات بالصحة، فإنك تخفي ما يعرّض الصحة للخطر (في حال السيجارة) أو ما هو غير ناجح (العطر)، فالإعلان يُحدث اضطرابًا وقبولًا بواسطة المخيلة المصطنعة. ما يحقّقه الطّرق (matraquage) هو تذرير الحقيقة المرئية والمسموعة، من خلال الإيجاز البلاغي المتلاعب للإعلان. سياسيًا، تؤول هذه الطريقة إلى استبدال المخيال المتنوع حضاريًا وثقافيًا بمخيال أحاديّ البعد، تجاريّ، متحدّر من الحصرية الاقتصادية الملازمة لليبرالية وما بعدها. الغاية الوحيدة لكل خطاب ليبرالي أو نيوليبرالي: الربح. لا يحترم الإعلان شيئًا، يقلب القيم ويقولب كوكب الأرض في بُعد واحد.
السينما كأداة لبثّ النموذج
مذ اخترع السينماتوغراف على أيدي الأخوين لوميير ومن سبقهما ولحقهما (من أديسون إلى مويبريدج وكثر آخرين ذوي فضل ومساهمة)، لم تقبل الولايات المتحدة رعاية أي أحد آخر، أوروبي خاصة، لهذا الاختراع العظيم. فمع حلول زمن السينما الناطقة اجتذب الأميركيون إليهم كبارًا يُعتدّ بهم في المسرح والسينما الأوروبيَّيْن، وما كانت السينما الأميركية لتولد من دونهم (البريطاني تشارلي شابلن مثالًا ساطعًا). راحت السينما الأميركية (الهوليوودية) تفرض سريعًا صورة إيجابية نموذجية عن أميركا، ببساطة مانوية (ثنائية) لا تتعدّى مبدأ صراع "الخير" مع "الشر" وفق الرؤية الأميركية بالتأكيد. حالة والت ديزني نموذجية على هذا الصعيد، فهو متعاطف مع النازية وتعاون كمخبر لدى لجنة ماكارثي، واشيًا بجميع المشتبه بأنهم "شيوعيون في هوليوود". فأخطر ما في الثقافة الأميركية، كما أنتجتها مصانع ديزني استنادًا إلى حكايات خرافية أوروبية، هو أنها تحتفظ منها بمظهرها، لكنها تحرّف دلالاتها العميقة وتكيّفها مع نظامها القيميّ الخاص، الفردي والاستهلاكي. رسوم ديزني المتحركة هي امتداد للنموذج الأميركي وأيديولوجيته التجارية والتبشيرية التي تسعى إلى التوطّن على سطح الأرض كاملًا. مثال ذلك طريقة التلاعب بالتاريخ الأوروبي، وإعادة تلوينه وفق الرؤية الأميركية. "كوفاديس" عن التاريخ الروماني المعاد تأويله أميركيًا وذكوريًا، دليل على ذلك. يجمع كل شيء مبهر فنيًا وتقنيًا لكنه يقطر سمًّا شديدًا، فالفيلم مقتبس عن رواية للبولندي الكاثوليكي المنشق هنريك سينكويتز، والرواية والفيلم يقدّمان صورة مشوّهة عن الإمبراطورية الرومانية، مخالفة للحقيقة التاريخية، وتبسيطية بشكل مفضوح لكل مشاهد مهما بلغت درجة ثقافته. مهما كان الأسلوب فعّالًا، فإنه لا يصمد أمام التحليل التاريخي.
تغرق أميركا العالم بإنتاجاتها السينمائية والتلفزيونية المخصّصة لسرعة الاستهلاك ولخنق إنتاجات العالم المماثلة. تستبدل كل المضامين الثقافية والتاريخية والتراثية بمضامين الأيديولوجيا الأميركية، باستثناء بعض الأفلام التي تتجرّأ على انتقاد الأيديولوجيا الأميركية وآفاتها. من شأن العنف المنتشر كثيرًا في الإنتاجات الأميركية إحداث أثر استرخائيّ، ترويجيّ، يُفقد الجمهور ثقافته الشخصية الفريدة أكثر فأكثر، ويُفقده وعيه وهويته. ثمّة إفقار عدوانيّ للمضمون الإنسانيّ.
توحيد المأكل والملبس وإلغاء التمايزات
"الوجبة السريعة" (Fast Food) والهمبرغر والهوت دوغ، التي تفشّت عالميًا على نحو مؤسف ومؤلم وضارّ، حلّت مكان المطابخ العالمية الغنية جدًا بالأطباق المتنوعة والمغذية والصحية، شرقًا وغربًا، جاعلةً من الأطعمة اللامتناهية المذاق والكثيرة الروائح التي أنتجتها المهارات المطبخية على امتداد ألوف السنين، أكلة ناشفة بلا مذاق أصيل. ثلاثة آلاف سنة من المطبخ المتنوع، الغني بمذاقاته، مرآةً للأمزجة الوطنية الفريدة، حُصرت في طعام لا طعم له. فالمقهى الملكي، ومطاعم مكسيم، و"عند التانت إيفيت"، و"لو بوتيه روتييه دي كوان"، حيث تتذوّق مدام "موتا" إحدى طبخاتها العائلية المتألقة منذ أجيال، وجدت نفسها مختصرة تحت لافتة "ماكدونالد" (!)، فعند "ماكدو" هذا أجور العاملين قليلة، مؤلّفة من ساعات عمل أسبوعية بلا عدد محدود. إنه المطعم العالمي بكل انتشاره المأساوي. والمشروبات الغازية متمّمة لوجبات كهذه، مكوّنة من عناصر سرّية الطبيعة والمقادير، لا يُعرف منها سوى أنها خلاصات من جوز الكولا وورقة الكوكا، والسكر والكافيين. مشروبات ضارّة تغزو جهات العالم الأربع.
أما لناحية اللباس الذي يعكس البيئات الثقافية والحضارية وحتى المناخية للشعوب، والذي يضاهي اللغة والأدب الخاصين بكل شعب، فقد سعت الولايات المتحدة أيضًا إلى توحيد الزيّ العالمي من خلال تعميم ذاك اللباس الفظّ الذي كان يرتديه الكاوبوي أو راعي البقر، من قماشة عملية لا تتّسخ (هي قماشة ما يُسمّى "الجينز" اليوم) أو مبرقشة مضحكة ("melting pot") أو "كيتش" (رديئة من سقط المتاع). فلو دخلنا العالم كلّه اليوم إلى أي قاعة دراسة ونظرنا إلى ما يرتديه الفتيان والفتيات الجالسون خلف المقاعد، لوجدنا أن الأكثرية ترتدي الجينز. بذلك لم يعد هناك فرق في الجنس أو في الشكل. هذا الرداء البقري، المستورد مباشرةً من الولايات المتحدة أو المقلَّد، أضحى هو السروال العالمي. وحين نجمع هؤلاء مع الذين يرتدون "تي شيرت" يحمل أسماء مدن وجامعات أميركية، ويعتمرون قبّعات أميركية (لكرة السلة مثلًا)، فإننا نحصل على صورة دقيقة جدًا عن الإذعان الكوكبي لمعايير الزيّ الأميركي.
اللغة العالمية الموحّدة
المفارقة أن اللغة التي تفرضها أميركا على العالم ليست الإنكليزية تمامًا، بل الاعتماد المحلي المحرّف لهذه اللغة، لكنةً ومفردات. هذا عدا سياسة محاربة اللغات الأجنبية في عقر دارها من خلال فرض إلغائها من الجامعات في فرنسا وسويسرا وألمانيا وسواها، واعتماد الإنكليزية إذا شاء طلابهم لاحقًا دخول الولايات المتحدة للتخصّص.
"أمركة" العالم باللغة سلاح رهيب يستخدمه الأميركيون بقوة. بل إن الإنكليزية البريطانية الأصيلة نفسها تمّحي لمصلحة "المزيج الأميركي" الذي قفز فوق أصول اللغة وشوّهها، طوعًا أو عنوةً. ساعد العلم والصناعة والتقنية والمصطلح الجامعي والرياضة والسينما والتلفزيون في نشر اصطلاح وإملاءٍ أميركيَّين، من خلال الشاشات والأماكن العامة ولوحات الإعلان ومنتجات الأسواق الكبرى، حتى إنه ظهر عام 1783 كتاب American Spelling Book الذي يشمل كلمات وتعابير وكتابة أميركية حلّت مكان العناصر الإنكليزية المقابلة، فكانت مثلًا Center بدلًا من Centre وThru بدلًا من Through، وColor بدلًا من Colour، وTheater بدلًا من Theatre. بعد يوم شاق في المكتب أو المشغل يجد المرء نفسه في أميركا Home بدلًا من at home، وحين يمرض يقال عنه Sick وليس Ill. ونسمع I've gotten to know him بدلًا من I've got to know him، أو يقولون It's important that he be told بدلًا من It's important that he should be told، أو الأفظع He didn't here بدلًا من He isn't here. فمحو مصطلحات اللغة الأم وانهيار الخزان المعجمي وإفقار الصرف والنحو، هي بذور الأمية اللغوية، وتشويه للغة شكسبير، وتعميم إكراهي للأميركية المشوّهة في أرقى الجامعات، للهيمنة على جميع الشعوب الأخرى وثقافاتها ولغاتها، بلغة محكية قليلة الاعتناء بالقواعد والأصول. ثمّة في اللكنة الأميركية غياب للرهافة، وغلاظة في الصوت والتفكير.
| |
| الوجبة السريعة" (Fast Food) والهمبرغر والهوت دوغ، التي تفشّت عالميًا على نحو مؤسف ومؤلم وضارّ، حلّت مكان المطابخ العالمية الغنية جدًا بالأطباق المتنوعة والمغذية والصحية |
إلحاق العلم بمتطلبات السوق
ألحقت الأيديولوجيا العمل العلمي بمتطلبات السوق، وأصبحت الجامعات الأميركية تسير علميًا "على الطريقة الأميركية". فالحكومة الأميركية تموّل الجامعات الكبرى، وتدعم بشكل خاص الأبحاث في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء والأمن السيبراني والطاقة والمواد المتقدمة. كثير من الابتكارات العسكرية خرجت من جامعات مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجامعة ستانفورد. كما أن الجامعات الأميركية تستقطب مئات آلاف الطلاب الأجانب سنويًا، ما يعزّز النفوذ الثقافي والعلمي للولايات المتحدة، إذ يعود كثير من هؤلاء الخريجين لاحقًا إلى بلدانهم وهم يحملون أفكارًا أميركية وعلاقات مع المؤسسات الأميركية (قد تشمل أجهزة الاستخبارات المتعدّدة). كما أن الجامعات في أميركا ترتبط بشراكات وعلاقات وثيقة مع شركات التكنولوجيا والدفاع والأدوية، ما يسرّع تحويل الأبحاث إلى تطبيقات اقتصادية أو عسكرية. ويتخرّج من الجامعات الأميركية عدد كبير من المسؤولين والسياسيين والدبلوماسيين ورجال الأعمال، ما يمنح الولايات المتحدة تأثيرًا في تكوين النخب.
بالتالي، تُنتج الولايات المتحدة الهيمنة، أي القدرة على جعل رؤية معيّنة للعالم تبدو طبيعية أو بديهية، ما يؤكد رأي غرامشي في أن الدولة لا تحكم بالقوة وحدها، بل أيضًا عبر المؤسسات الثقافية والتربوية كالمدارس والجامعات ودور النشر، لجعل بعض المفاهيم بمثابة مسلّمات، مثل "القيادة العالمية" و"الأمن القومي". علمًا أن غرامشي يؤكد في المقابل أن الجامعات يمكنها أن تكون فضاءً لمقاومة الهيمنة لا مجرد أدوات لها، ويحدث مثل ذلك أحيانًا في الولايات المتحدة نفسها. كما رأى بيار بورديو أن الجامعات تنتج رأس المال الرمزي، أي الشرعية والمكانة العلمية، فعندما تصدر دراسة عن جامعة مرموقة فإنها تحظى غالبًا بتأثير عالمي أكبر، ما يمنح المؤسسات الأميركية قدرة كبيرة على تحديد أجندة البحث العلمي عالميًا. وقد بيّن إدوارد سعيد بدوره في كتابه "الاستشراق" كيف يستطيع بعض الإنتاج الأكاديمي أن يصوغ صورًا عن الشرق تخدم مشاريع الهيمنة، وهذا ما تعتمده جامعات أميركية منحازة عنصريًا للفكر الغربي ضد الفكر الشرقي، وأكثر تحديدًا للمشروع الصهيوني ضد الحقوق الفلسطينية والعربية، مع ملاحظة بعض التغيّر في أعقاب إبادة غزة وتفتّح وعي الشباب الأميركي على المسألة الفلسطينية وواقع الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال.
إنّ بلدًا يعيش فيه السكان الأكثر مرضًا في العالم، بالأرقام المطلقة وبالنسب المئوية، ويضمّ 35 مليون عائلة تحت عتبة البؤس الأدقع، ويعاني أزمة كبرى في الرعاية الصحية، ويخوض حروبًا وحشية لا تنتهي خارج حدوده، وتنهشه الرأسمالية واللهاث خلف المادة والاستهلاك وما يستجلبان من تعاسة فردية وشعور دائم بعدم الاكتفاء؛ إن بلدًا كهذا لا يستطيع أن يتباهى بنفسه ويصرّ على ترويج صورته كبلد أعظم ومثاليّ يريد تعميم نماذج ثقافته وأنماط عيشه على سائر شعوب الأرض. فعند أفول هذه الإمبراطورية، بحكم منطق التاريخ الذي لا يتبدّل ولا يخطئ، سوف يزول تأثيرها المدمّر وتستردّ الشعوب جوهر حقيقتها وأصالتها.


تحميل المقال التالي...