منذ الوجود الأول، لم يتوقف سعيُ الإنسان إلى ابتكار وسائل لجعلِ الحياة أقلّ ثقلٍ، وحتى اللحظة، ما تحقق يفوق ما كان ينشد، ومن بين الأفكار المختلفة، الجادة والترفيهية، والتي باستطاعتها تحقيق الغاية المحددة، والمتمثلة في صناعة مشاعر ما لدى المتلقي، خُلقت كرة القدم، اللعبة الأكثر شعبية في العالم، والتي أصبح لها محبون ضمن الفنون، باعتبارها تلبي كافة الشروط الممكنة، كنشاط إبداعي يقدم جمالًا آسرًا للبشرية، ويؤثر بشكل أو بآخر، في تفكير، وعواطف المجتمعات. بل إن هناك جزئياتٌ بسيطةٌ تتفوّق فيها اللعبة على المجالات الجمالية الأخرى، مما يجعل كرة القدم، كعرض شاعريٍّ مباشرٍ، متقدمةً بخطوة عن غيرها، لأن هذا النقل الحي المثير، والمسرحي، قيمة بحدّ ذاته، حتى لو كان من صلب اللعبة التي لا يمكن استقامتها، إلا به.
بماذا تتفرد كرة القدم عن باقي الفنون؟
لا جدال في عبقرية الشعر، وليس هناك من يجرؤ على التقليل من سحر السينما والمسرح، ولا يوجد أدنى شك في عظمة الفنون التشكيلية، ولا نقاش على متعة الموسيقى، والرقص، وكلّ مجالٍ فنيٍّ إبداعيٍّ؛ لكن جميعها تتم عبر العمل المسبق عليها، فلا تصل إلى المجتمع بصورتها النهائية، إلا بعد جهد شاق في الغرف المظلمة، ولا يمكن لشاعر أن يطلّ من شاشة مباشرة ليلقي الشعر من عقله إلى المستمع، دون صقل كامل للقصيدة في وحدته، أو فنان يمثل نصًا لا يعرفه، وموسيقي يعزف مقطوعة لم يتدرب عليها، وحدها، ممارسة كرة القدم، تتفرد في عفويّة عرضها؛ وشاعريّتها العشوائية، فمهما احتلّ التدريب مكانة متقدمة، إلا أن ما يحدث في تسعين دقيقة هو أمر مغاير، أو غير مطابقٍ، لما تمّ الإعداد له.
تصل الكرة إلى اللاعب على المستطيل الأخضر، ولديه ألف احتمال مختلف للتصرف. ومهما كانت الخطط المقدمة له، أو تلك الخيالات التي فكر فيها قبل المباراة، إلا أن الحركة المستمرة للاعبي الفريقين في مساحة الملعب - والتي لا يمكن حصرها - تمنعه من أي تصرف مُعَدٍّ مسبقًا. ففي تلك الأثناء، أمامه أجزاءٌ من الثانية لصناعة أمرٍ ما، وكل أدواته، تتمثل بذهنٍ محاطٍ بضغوطاتٍ لا نهائية، وجلد مُدوَّر، ومع ذلك، يستطيع إنتاج مشهد عبقري يدهش المتابعين ويمتعهم، بفعل تم رسمه وتطبيقه في تلك اللحظة.
لا يمكن إنكار التحديثات التكتيكية في عالم كرة القدم، وعملها على الحد من الارتجال الفردي - والذي هو أعظم ما في اللعبة - للعروض الإبداعية التي تنشأ جرّاء ذلك. لكن هذا لا ينفي أن اللعبة ما زالت تحتفظ بسمتها الأساسية والمميزة، في كونها "مشاهد شاعرية" تصعد من أقدام اللاعبين، وتعتمد على قرارات متخذة بحسب الوضعية اللحظية للشخص. وبقدر ما تؤدي كل حركة الغرض الأساسي للمباراة - محاولة إسكان الكرة في الشبكة - أيضًا تستطيع منح المشاهد شعورًا ممتعًا من الصعب وصفه. وبالرغم من أنها تشترك مع باقي الفنون، في القدرة على صناعة هذه المشاعر، إلا أنها تتفرد في عمل ذلك بطريقة مباشرة؛ عكس كل الفنون التي لا يتم عرضها إلا بعد إعداد كامل، وحتى لو تم عرض شيء بشكل مباشر، فإنه يتم بعد إجراء التجارب المختلفة قبل الظهور، وحفظ كل تفاصيل تقديمه بدقة فائقة.
فن كرة القدم، الدعاية الإعلامية، مشاعر المجتمع
لا يزال البعض يعترض التعاطي مع كرة القدم كفن مكتمل، لكن لا يمتلك هؤلاء المبررات الكافية لاستبعاد اللعبة من هذا الأمر، فكل ما تقدمه الفنون الأخرى، تستطيع لعبة كرة القدم فعله، بل إن الدهشة التي تصنعها تفوق بعض الفنون. وجراء أو نتيجة لذلك، تذهب إلى أبعد من حيث الوصول؛ فالانتشار الذي حققته اللعبة صادم، ومتجاوز لباقي الفنون. فهناك بعض التقارير ذهبت للقول بأن عدد المشاهدين حول العالم لمباراة ريال مدريد ومانشستر سيتي - في دور الثمانية من دوري أبطال أوروبا 2024 - وصل إلى ملياري شخص حول العالم، أي ربع سكان الأرض، هذا الهوس - رغم بساطة تفسير دوافعه النفسية، بأن هؤلاء الأشخاص يريدون الحصول على سعادة معينة - إلا أن حقيقته عصية على الفهم؛ فلماذا البشر حصلوا على الإشباع الغريزي في كرة القدم أكثر من أي شيء آخر؟
صحيح أن عدد المعجبين حول العالم، ليس معيارًا كافيًا لحسم مسألة ما إذا كانت كرة القدم فنًا، أم لعبة عادية، إلا أن هناك قياسًا علميًا صارمًا نوعًا ما، وإذا أخضعنا كرة القدم إليه، فمن خلاله، قد يتم البت واحتساب هذه الممارسة المهارية فنًا مكتملًا؛ فالفنون تشترط توفر الموهبة الفطرية والإلهام، بحيث لا يتم إجادة الأمر بالتعلُّم، ولا يستطيع الفرد إتقان الفعل في كل مرة يقوم به. فكل دربة بالإمكان اكتسابها، والقيام بها على الدوام بدون خطأ، وفيها لمسة تكرار، تُستبعد من قائمة الفنون. هذا بالرغم من أنه لم يعد من المهم إثبات ما إذا كانت فنًا، أو تفوق الفنون من حيث الإبهاج، وما إذا كانت متابعتها تتجاوز أقرانها من مواد الترفيه، لكن، من المهم دراسة وتناول كرة القدم من جوانب أوسع من كونها مجرّد لعبة.
| |
| نسبة كبيرة من المجتمع مستعدة للذهاب إلى المدرجات مقابل مبلغ يصل في بعض المباريات إلى خمسمائة يورو رسميًا، وهناك من يدفع آلاف الدولارات عبر السوق السوداء (Getty. San Francisco 13/6/2026) |
قد تكون عوامل الدعاية الحديثة ساعدت في انتشار اللعبة بشكل أكبر، والترويج لها، وتكريسها؛ إلى الحد الذي أصبحت شيئًا أساسيًا في حياة عدد كبير من سكان العالم، إلا أن ذلك الوصول يعود للجمال الذي تصنعه سيقان اللاعبين، لا أساليب التسويق. ففي ثمانينيات القرن الماضي، بينما الحدود سائدة، والعُزلة بين حواضر العالم لم تنكسر بعد، أي قبل الثورة التكنولوجية؛ استطاع اسم مارادونا أن يجوب في أوساط المجتمعات البعيدة، وكان بالإمكان أن تجد كهلًا في قريةٍ عربيةٍ بعيدةٍ يشعر بالهيام تجاه ما يفعله ابن التانغو. تلك العاطفة الخالصة، هي معنى كرة القدم.
عند الحديث عن تعلق المجتمعات في كرة القدم حاليًا، بكل تأكيد، لا يكفي الإحالة إلى العرض الساحر الذي تقدمه اللعبة، بل قد يكون هناك أسباب أخرى، مثلًا، كثافة المادة المقدمة بشكل مستمر، في حال تم مقارنة كرة القدم بباقي الفنون، أي - وبشكل أوضح - كم عدد القصائد الجميلة التي أنتجها الشعراء خلال العقد الأخير؟ وكم هي كمية الأفلام التي تستحق المشاهدة؟ وكذلك اللوحات العبقرية؟ بينما كم عدد المباريات الجميلة التي عبثت بأعصاب المشاهدين وصنعت فيهم مشاعر متضاربة؟ سلبية، أو إيجابية، فهناك عدد هائل من المباريات أسبوعيًا، وبالضرورة هناك مباراة تستحق المتابعة، وتستطيع التأثير في أعماق أشخاص كُثُر حول العالم، وبين الحين والآخر، لا تخلو مباراة من تقديم ملحمة درامية خالدة تضاف لتاريخ الفانتازيا الواقعية للعبة؛ ففي كل بطولة سنوية إمكانية لصناعة "جيم أوف ثرونز" آخر.
شاعرية كرة القدم، وإنسانيتها
يعتبر الشعر من أرقى الإنتاجات البشرية الفنية، للمادة المتميّزة التي يقدمها، ولأجل أن يتم قبول القصيدة كشعر، وتلقى إعجاب القارئ، يجب أن تكون فيها صور جديدة، وتتم صياغتها ببناء موسيقي ولغوي ذكي وبمستوى رفيع من الأناقة. صحيح أنه لا يمكن مقارنة كرة القدم بشيء كهذا؛ لأن الشعر فلسفيًا يعيد صياغة الحياة بكل ما فيها من جوانب، وعبقرية صناعته تضعه في مستوى صعب الوصول إليه، لكن، بالإمكان جني شاعرية معينة من الأقدام التي تركض، وتداعب الكرة بخيال واسع، فكل لعبة، فيها صورة جديدة، وبين كل تدرج وآخر لحن ما يعزف، وكل هدف جميل هو قصيدة جديدة.
أصبح الاقتصاد هو المسيطر على حياة العالم، وهناك دراسات نفسية لأي مجال، وبقدر العواطف التي تصنعها يتم موازاة الأمر ماليًا، فكل فرد بمقابل ما يحصل من الدوبامين يدفع مالًا، لذا، لا غرابة أن تجد لاعبًا معينًا يتم انتقاله بمبالغ طائلة، ويحصل على راتب هائل، لأن نسبة كبيرة من المجتمع مستعدة للذهاب إلى المدرجات مقابل مبلغ يصل في بعض المباريات إلى خمسمائة يورو رسميًا، وهناك من يدفع آلاف الدولارات عبر السوق السوداء، هذا الشخص الذي يذهب إلى ملعب لا بد أنه يأمل بمطالعة فرجة تمنحه انشراحًا ما. والجهات التي تأخذ المال، لو لم تدرك مدى العرض الذي سيجده المتلقي، لن تجعل الأسعار بهذا المستوى الجنوني، وهرمونات السعادة التي ستُضخ في جسد المتفرج، ليس من الفوز، فقد يخسر، ويشعر بالحزن، لكنه، في كل الأحوال، سيقضي ليلة تظل راسخة في ذاكرته، فهو سيحضر موقعة حُرم منها عدد كبير من سكان العالم.
لا تتوقف محاولة حصر كرة القدم بأنها مجرد لعبة فحسب، وفي هذا الأمر حقيقة إلى حد بعيد، ومن يصدر هذه الأحكام ينطلق من أن باقي الفنون تقدم أبعادًا لا تستطيع اللعبة أن تعمل عليها، إلا أن هناك جوانب إنسانية لا يمكن تغافلها، وفيها جسدت كرة القدم إنجازًا واقعيًا لم يحصل في كل جوانب الحياة، حين جعلت الملايين يهتفون حبًا، من أجل لاعب أسود، وغير وسيم، ولا يمتلك أي معايير جاذبية من تلك التي تشترطها السينما، ففي كرة القدم، لا أفضليّة سوى للموهبة، وسيتخلى نادٍ إنكليزيٌّ عن كل مواطني أوروبا، للذهاب إلى شراء لاعب أتى من الكونغو، أو من كوريا، وهذا المستوى العالي من الاندماج الاجتماعي لم يحققه أي مجال ثقافي آخر، ناهيك عن قدرة وصول الرسائل، والأثر الذي يتركه لاعب ما، فمجرد إشارة من نجم صف أول، تترك صدىً واسعًا واقعيًا، أو على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي يتصدر اللاعبون فيها أكثر الأشخاص متابعة في المجرة.
في بعض الجوانب التي قد تبدو هامشية، تتقدم كرة القدم على باقي الفنون بخطوة؛ من ضمن هذه الأمور معيار الصدق الفني في اللعبة، والذي يطغى على الخداع العقلي، مثلًا، وبشرح مفصل؛ هناك عوامل نفسية كثيرة، تجعل المتلقي حول العالم ينجذب إلى البطولة الفردية، لأنه يشعر إزاء ما يتم تقديمه من ذلك النجم، يجسد ما يريد أن يكون عليه هو في ذاته، ولأجل ذلك التوق الجماعي المعروف، تعمل الروايات، والسينما، والدراما، على تغذية هذا الأمر، من خلال صناعة بطل خارق، أو نجم مكتمل السمات، هذا الأمر يتجسد في كرة القدم بواقعية أعلى من غيره، فالأبطال في تلك المجالات، في الغالب يكونون مجرد صنعة من خيال المؤلف، بينما أبطال كرة القدم، تتجلى حقيقتهم الإنسانية أكثر؛ لأنه من الصعب ارتداء أقنعة عند أبطالها، فعندما يعجب المتابع بكريستيانو رونالدو، يعرف كل المتناقضات فيه؛ يتقبله كمجتهد يمنح الإلهام، ومتعجرف في آن، وكذلك ميسي؛ أمام موهبته الخارقة، لا أحد يتقزز من كونه قزمًا، أو يعتبر خجله أمرًا معيبًا في حقه؛ هذا يجعل كرة القدم كفن، تقدم أبطالها كبشر عاديين، ويتقبلهم المتابع على هذا الأساس، بينما باقي الفنون، يتم المبالغة في صناعة بطل مكتملٍ حدّ الأسطورة، وهذا يعيق المتلقي من الحصول على أي حافز لتحقيق ذاته، بينما عند مشاهدة اللاعبين؛ ثمة صوت داخلي عند الجمهور يصعد، قائلًا لكل فرد؛ بإمكانك أن تكون كأعظم نجم في اللعبة.
| |
| عندما يعجب المتابع بكريستيانو رونالدو، يعرف كل المتناقضات فيه؛ يتقبله كمجتهد يمنح الإلهام، ومتعجرف في آن (Getty. Dallas 6/7/2026) |
تختلف الفنون في كل شيء، وتشترك في غاية واحدة: تقديم مادة إبداعية تخلق مشاعر معينة في داخل الآخر، إلا أنه، لا يمكن تجاهل محاولة القائمين على هذه المجالات، في تقديم قيم معينة، أي فكرة الرسالة؛ بما يجعل الأعمال تحمل شكلًا إرشاديًا بنسبٍ مختلفةٍ، لكن الأكيد أنه كلما طغت التوجيهات في عمل ما، أصبح منفرًا أكثر، لأن ذلك الجانب يأتي على حساب البعد الإبداعي الحر، وفي هذا الجانب تعتبر كرة القدم، وأبطالها، أقل فجاجة في تقديم نصائح متطفلة للطريقة المثلى في الحياة، لأن أولويتهم تتركز حول أداء مهمتهم، الفوز في المباريات، ومع ذلك لا مفرّ من التأثير، لكن ما يتركه أبطال اللعبة الشعبية على المتابعين، يكون إيجابيًا بالدرجة الأولى، لأنه يتسم بسمات إيجابية، كالالتزام، والاحترافية، والعيش بشغف، وبشكل صحي، مع أهمية الاجتهاد، والحافز لتحقيق الحلم، بينما الانطباع الذي قد يتركه أبطال الفنون الأخرى، قد يكون جزءٌ منه غيرَ جيدٍ، ولا يساعد الآخر في تحسين تفكير الآخر، خاصة اتسام الأبطال في معظم الإنتاجات البصرية، بالأعمال العدوانية، والتدخين، والأسلحة.
ازدهار اللعبة الشعبية؛ انتشار للجمال، أم هيمنة غربية؟
وفي الجانب الثقافي، والصراع بين القوميات، يذهب البعض إلى تفسير الانجذاب لمتابعة الدوريات الأوروبية، بأنه من قبيل الانصياع للهيمنة الغربية، وهذا أمر إن حدث، يُخل بمكانة اللعبة، لأن متابعتها باتت بتوجيه قوى ما، وليس رغبة شخصية. وهناك ما ينفي بشكل قطعيّ هذا الأمر، مبررًا لو كان الأمر كذلك، لوجدنا الولايات المتحدة، والصين على قمة اللعبة، وهذا أمر دقيق إلى حد ما، لأن مستوى اللعبة لا يعتمد على هيمنة ما، بقدر ما يخضع لتقييم المتابع الذي لديه معيارٌ جماليٌّ. فلو وجد دوري تنافسي في أقصى الأرض سيتابعه، صحيح أن القدرة المالية تصنع استعمارًا ناعمًا، فالاستثمارات الأوروبية تجلب كل المواهب إلى هناك، لكن، أيضًا، هناك وجه آخر جميل، أنه يتم جلب حسب الإمكانيات، بلا أيَّ مراعاةٍ لمعايير عنصريةٍ ما، تمنح أفضلية لبشر على آخر. فكل لاعب وصل إلى أفضل دوريات العالم، تم اختياره من بين منافسة شديدة، ونجح فيها على الآلاف من أقرانه، إذا لم يكن أكثر، وهذا الانتقاء الذي يتم هو ما يصنع عرضًا جماليًا عاليًا، وبالتالي يغذي توغل اللعبة في المجتمعات.
بالسطوة والنفوذ قد تهيمن هوليوود على شاشة السينما، وجعل العالم لا يغرمون بغير ما تنتج، لكن من الصعب القول بأن الدول بإمكانها احتكار الإبداع، لأن ما يميز الفنّ، والأدب، هو عدم القدرة على حيازته بشكلٍ كليٍ من قبل دول ما، فعلى سبيل المثال، سيصعد ماركيز من كولومبيا، ويصل إلى كل الدنيا، بينما يأتي بوب مارلي من قرية نائية في جامايكا، ويضع نفسه في المقدمة، وهكذا في كرة القدم، فمن يتخيل أن يأتي فرد من البرتغال - بلد يحتقره الأوروبيون - ويصبح ملهمًا لكل شباب أوروبا، بمن فيهم المنتمون لدول أكثر أهمية، وريادة، ومن كان يتصور أن يصعد شخصٌ من صعيد مصر، ويجعل الإنكليز يهتفون باسمه، ويصنعون الأغاني له. في هذا الشأن، وبمقالته الشهيرة عن مارادونا، يعبر محمود درويش عن أهمية كرة القدم، في تعديل موازين القوى، وإعادة تركيبها على أسس مختلفة، ويعتبرها فرصة تتيح الحرية للإفصاح عن الذات المحرومة بسبب السياسة، أو الجنس، أو اللون.
يعود درويش في نفس المقالة، ويتساءل عن سبب تعالي الفن والأدب على كرة القدم، وعدم اعتبارها حتى موضوعًا للتناول، واضعًا بعض المقارنات، بين المقامر في رواية دوستويفسكي، ولاعب يتقدم لتسديد ضربة جزاء، وعلى عاتقه تحديد مصير أمة، وصناعة مشاعر شعب، قائلًا بأن لحظات الأخير أكثر عصبية لمستوى العواطف الفردية، والجماعية، التي تفجرها، لكن ما استحضره الشاعر في استغرابه لتجاهل كرة القدم، كان يبدو إلى حد ما، كتبرير لنفسه، على كتابة مقالة عن كرة القدم في ثمانينيات القرن الماضي، أي في لحظة كان يعتبرها الوسط الثقافي أمرًا مخجلًا، وتنازلًا كبيرًا يقوم به الكاتب الذي يتناول هذا الأمر، بينما الآن لم يعد كذلك، فالإنتاجات الأدبية عن كرة القدم تكاد ألّا تتوقف للمكانة التي أصبحت عليها هذه اللعبة في حياة البشر، لدرجة يمكن تحريف مقولة جان كوكتو الشهيرة عن الشعر والقول: "كرة القدم مهمة، وليتني أعرف لماذا؟!".
يأتي تناول البعد الأدبي لهذه الرياضة الشهيرة، من باب تحليل حالة، أو تناول ظاهرة تجوب الأرجاء، وليست مسألة دفاع عن كرة القدم، لأن اللعبة التي أسرت العالم لا تحتاج لهذا الأمر، بل إن لها جماهيريتها، والذين بإمكانهم أن يجيبوا عن جدوى متابعتهم للساحرة المستديرة، بتوجيه نفس السؤال؛ ما جدوى المجال الفني الذي تنجذب إليه؟! لأنه، وفي حال أخذنا الشعر، باعتباره، أكثر الأدب أقدمية وأزهى الفنون جمالًا، فلن يستطيع أحدٌ تقديم إجابة حاسمة تفند سؤال دوره في الوجود، أو بشكلٍ أبسط؛ لماذا يتمّ اعتباره شيئًا أساسيًا في الحياة؟ لذا؛ يُفضل تحاشي هذه المسألة التفضيلية لمجال على آخر، حتى لو كانت صائبة، لأنه، وفي حال تم وضع كرة القدم في وضع المنافس الفني للإنتاجات الإبداعية الأخرى، فإن هذا قد يلقي الضرر المعنوي على تلك المجالات القيمة، في الفن والأدب، ليس من ناحية اكتساح جماهيرية كرة القدم، بل لأن هناك أموالًا هائلةً يتم ضخّها على لعبة الجلد المُدوَّر، وهذا الاستثمار يجعلها تزدهر يومًا بعد آخر، ومعه تتسع قائمة المستفيدين ماديًا، سواء المباشرين، والمؤثرين في اللعبة، أو غير المباشرين، ممن تصل إليهم، ولو القليل من الفائدة الناتجة عن حركة دوران الأموال.
بالعودة إلى ما بدأت، لا أريد الجزم بأن كرة القدم أصبحت فنًا بحدّ ذاته، فهذا جدلٌ عدميٌّ، ولا أتطلّع للمجازفة بأنها قد تجاوزت الفنون الأخرى في بعض الجوانب، لأن لديها ميزات معينة، أو أفضليّة في طريقة العرض، فالمسألة ليست هنا في القول بأن هناك مجالًا أفضل من الآخر، أو فنًا يتفوّق على الفن المقابل، فهذا سجالٌ طفوليٌّ، وبدائيٌّ إلى حدٍ ما، ولا يمكن الخوض فيه، كما أنني ذاتيًا لا أحاول حتى وضع اللعبة في مكانة مساوية لتلك الفنون، لأنني لست منحازًا لكرة القدم، وأضع الكثير من المجالات الفنية والأدبية قبل اللعبة، لكن ما أردت التطرّق إليه هو التفاتة إلى البعد الفني في كرة القدم، وكيف باتت تقدم المشاعر ذاتها التي يمكن الحصول عليها من أيّ فنٍ آخر، مع اختلاف أن اللعبة تفعل ذلك، وبشكل مباشر، وتلقائيٍّ، على عكسِ باقي الفنون.


تحميل المقال التالي...