}

في تأنيث السرد: خواطر وطقوس

وارد بدر السالم وارد بدر السالم 23 يوليه 2026

من باب الاقتراب من تجربة الكتابة، تكون التجربة الشخصية أقرب إلى الهدف، فالتجارب الإنسانية بعمومها لا تتشابه؛ حتى وإن تشابه الفعل، غير أن ردّة الفعل تفترق لزومًا، فالثقافة المجتمعية تتأصل في روح الكتابة التي تُعدُّ ردة الفعل في الثقافة الشخصية، لا سيما عند الكاتب الذي يوائم بين الواقع وخياله، بمعنى بين الواقعة - الأثر وبين خيال الكتابة الذي يستجمع عصارة المجتمع كلها وينثرها في متنها ويحمّل شخصياته فهمه الشخصي في غالب الكتابات، وأحيانًا فهمَ غيره في الواقع، حتى لو تناقض معه. أي إن الكتابة (وهنا أخص الروائية) معرفة شاملة ومحاولة لكليّة الثقافة الشعبية المتوارثة والقرائية، تحدث عن بلوغ الواقعة درجة من درجات الخيال السردي الذي نتماهى فيه كثيرًا.

(1)

نستذكر ونحن في بداياتنا الأدبية القول الذي يفيد بأنّ ولادة كتاب شبيهة بولادة طفل؛ كونها مخاضًا بمجهود عسير وألم نفسي وعصبي، وبتعبير همنغواي بأنه مجهود عضلي أيضًا. يحتاج إلى صبر صحي ومعنوي. وفي هذه الرمزية الموضوعية عرفنا مع التجربة كم هو مؤلم أن (يلد) الكاتب كتبه؛ كتابًا تلو كتاب في مخاض الزمن الممتد به لـ"خلق" ما لم تخلقه الطبيعة على وجه التقريب، ليكون هو "الخالق" والمبدع والمبتكر لحيوات تتحرك وتتنفس وتمارس أدوارها بين الأوراق البيض. لهذا نجد بأن "الخلق" الكتابي يعود إلى "خالق" بشري، له صفات تميزه عن غيره. ومثل هذه الرمزية تنطوي على أسرار وتعقيدات ليس من السهل أن نقولها ونمضي إلى كتابٍ وكتبٍ أخرى، بقدر ما هي تجربة مريرة تصل إلى حد التعاسة. تقطع الأنفاس فعلًا. وتتطلب صبرًا مضنيًا ومراقبة تامة من الجوانب الكتابية كلها. عدا ذلك فالقراءة الذكية مثل الطعام الذي يقوّي المناعة الفنية ويلهمها أساليبَ مناسبة للخروج بها إلى عالَم القراءة والتقييم. أقول إن القراءة هي النمو الطبيعي في رحم الكتابة، فهي التي "تخلق" الإلهام وتأتي بمَلَكة الكتابة كما هو معروف، وتعوم في فضاءات الإبداع أمام قرّاء ونقّاد ومتتبعين للأثر الجمالي بشكل عام.

(2)

وكما لغيري من الكتب، لي أيضًا حصيلة منها، ولها في نفسي منزلة عظيمة. أحبهن كلهنّ. لا سيما الروايات منهنّ. فهنّ حبيباتي وبناتي اللاتي أحيطهنّ برعاية تامة، وعلى قدر مقدرتي في الخلق الفني والتواصل المضني الذي أخذ مني سنواتٍ كثيرة. ولأن الكتاب- الطفل- الولادة- الخلق الجديد هو من مستنبتات الوعي الجمالي، فهو الأكثر إثارة في اكتماله ومن ثم نموّه في المجتمع بما فيه من أنشطة ثقافية وأدبية وبحثية وعلمية. لذلك فإن تأنيث سردياتي الروائية هو بعضُ ما مُتحصّل من رؤيتي للمرأة في جوانبها المتاحة وغير المتاحة؛ الواقعية منها، والخيالية أيضًا، فلا يستوي السرد إلا بتشغيل منظومة الخيال، وما الخيال إلا هو الواقع في كثافته المعهودة. وكل نسائي في رواياتي خرجن إلى الواقع وذهبنَ إلى الخيال، أو جئن من الخيال والتصقنَ في الواقع وبَصمْن عليه.

(3)

يحتاج أي مؤلف روائي أن يتعرف على شخصياته الروائية، وأن يعشقهنّ عشقًا مجيدًا. فالذكورة لا تمنع من تقمّص الأنوثة وأدوارها المختلفة في الحياة في نموها العُمري والجسدي والنفسي. هذا يتطلب وعيًا فريدًا في تتبع أطوار الأنوثة والبحث عن نسقيتها السيكولوجية من مصادرها الواقعية والبحثية، فلكي تكتب- تعشق- تتماهى مع الأنثى، تُرغمك الحالة أن تتكيف مع دورك النسائي في الأنوثة التي تعرضها بظروفها الموضوعية التي تحيط بها. ومن ثم تحاول أن تمسك أية ثغرة في الحائط النسائي لكي يتحول إلى ورقة شفافة، وهذا التحضير للمشكلة الكتابية يعيه مَن له إسهامات في توطيد علاقاته مع شخصياته النسائية في مختلف أطوارهنّ النفسية والجسدية والبيولوجية. وبالتالي فأنا صادق كليًا في عشقي لـ "ريحانة"[1] و"زيتونة"[2] و"نشتُمان"[3] و"نور"[4] وكلهن صبايا في الحياة التي تدور بنا وحولنا. وهنّ اللاتي أخضعتهنَ الظروف إلى تجارب مريرة وقاسية. وأجبرتني ظروف الأحداث الكثيرة التي مرّت على الوطن على اختيار هذه الفئات العمرية، لما تمثله من أنساق شبابية صاعدة في أدوارها الحياتية المفترضة، قبل أن يخرجن إلى المتن الاجتماعي ويصبحنَ ذواتٍ فريدة في أن تكون لهنّ واجبات وشروط ووظائف مختلفة.


أنتمي لرواياتي انتماءً أكيدًا، مع أن لكل رواية ظرفها وجوّها الشخصي وطريقة طرحها والزمن الذي قطعْته في كتابتها. ومثلما هو الزمن الذي أحصره بالأحداث المعروفة وغير المعروفة، فلا حاجة بي إلى الأرقام والتواريخ إلا فيما ندر. وهذه الندرة يُمليها ظرف وطني أو عربي عام، كما حصل في روايتي (عذراء سنجار)، إذ اضطررت لأن أشير إلى الغزوات الخارجية (على الغلاف الخارجي) التي هاجمت مدينة سنجار والمواطنين الأيزيديين والتي بلغت 74 غزوة دموية. فأجد أن لكل رواية- بنت منهنّ لها حكايتها التي أجسّدها على الورق، لكن أحاول وأستميت أن أكونها بنبضها الحقيقي.

(4)

يقرأ القارئ الرواية ويمضي إلى رواية أخرى. قد تستغرق منه القراءة يومًا أو يومين أو ثلاثة. ومهما تكن الرواية بسيطة أو معقدة، فإن قارئًا عابرًا لا ينتبه كثيرًا إلى أن ثمة كاتبًا "خلق" له عالمًا جديدًا، قد لا يراه في الواقع، مع أنه يعيشه بكل قبحه أو جماله عيشًا فرديًا أو جماعيًا. لذلك بإمكاني أن أؤلف كتابًا بحجم "الحلوة" أو يزيد، أستدرجُ فيه مصادر الكتابة ومراجعها الفنية والصوفية والجمالية من موسيقى ونحت وفن تشكيلي وأغانٍ وأساطير وخرافات اجتماعية، وأقف على إلهام الكتابة في هذه الرواية التي أتعبتني طريقة تنفيذها؛ لا سيما "ريحانة" فتاتي التي أكنّ لها الحب العظيم بأبوّة سردية، عندما حاولتُ إنقاذها من خطر الحرب ومراراتها الاجتماعية، غير أنني لم أفلح كثيرًا. لكنني - ربما - أفلحتُ إلى حد ما في تغيير الشكل الروائي القديم الذي اعتدناه، بشكل آخر فيه يلعب الرقم دورًا كبيرًا في إنشاء شكل الحلوة الخاص بها. لذلك فإن لها مكانة أثيرة في نفسي. ولشخصية ريحانة- الوعي المبكر أكثر من مكانة. أعترف بأنها احتلتني وما تزال قائمة بي. فتحولت روح الأبوة السردية إلى حب غريزي غريب. وطالما تخيلتُ بأنني أعشق تلك الفتاة اليانعة التي خلقتُها خلقًا من واقع عراقي مشوّه ومشبوه بالاحتلال ومتغيراته السلبية على الصعيد الاجتماعي في الأقل.

ريحانة الرواية

ثمة أمور سأقولها وأنا أكتب "الحلوة"، فالبيّنات كثيرات على هذه العلاقة التي أجهدتني زمنًا طويلًا. وهي علاقة تفاعلية بين كاتب وشخصيته المتخيلة. لكنها تتحول إلى علاقة من دم ولحم وروح ومشاعر واختلاجات، وفي أحيان كثيرة تخرج "ريحانة" من الكتابة وتقول لي أشياء غريبة لكنها عذبة وجميلة: تبوس أصابعي وتقف في زاوية من غرفة الكتابة وتبكي...!

لأقل بوضوح: ريحانة هي ما مضى من عمري الواقعي والكتابي معًا. أملٌ قديم خنقته سنوات الضباب والفقر واليُتم الروحي أيضًا. لذلك كنتُ أراها وأنا أكتبها. تحدثني وتثق بي كثيرًا. تتقافز بين السطور كفراشة وحيدة تريد أن تبتعد عن النار. وفي كثير من الأحيان تقول لي من بين السطور: هذه لست أنا بالضبط... هذا الوصفُ ليس مني بشيء... لا تبالغ بوصفي... اخلقني من جديد... لكن لا تُضيّع ملامحي الطفولية البريئة. اكتبني مثلما عرفتَني على مدار الرواية... وأبْقِ على اسمي: ريحانة.

وريحانة كانت فكرة وخيالًا وسردًا فضائيًا، وبعد النشر، أخرجتها من واقعة شَرفية صعبة، تعرفت عليها لاحقًا في محافظتين عراقيتين؛ قريبتين من بغداد، وعاصمة عربية، فوجئت بها وهي تحكي لي بأنها هي "الحلوة" وهي ريحانة التي كتبتُها، مع فارق الظروف بينهما. مع أن الزمن ذاته، هو زمن الاحتلال الأميركي للعراق الذي شملت آثاره النفسية بلدانًا أوسع من العراق كمكان جغرافي.

أن تلتقي بشخصية خيالية في الواقع هو أمر مثير وجديد. هذا يشي بأن الكتابة التي امتدّت لسنوات ما، هي أطوار الحياة الواقعية التي ضربت الشخصيات الحقيقية في أمكنة مختلفة من البلاد، وربما من خارجها أيضًا. فالاحتلال الأجنبي أيًا كان نوعه هو موقد النيران التي تمتد وتستطيل إلى خارج الجغرافية الوطنية.

تجربة "الحلوة" ليست مُرّة، والعنوان أسعفني بأن أخلق معادلًا موضوعيًا بين مفردتي الحلوة ومرارة الحياة بعد الاحتلال، لذلك جاءت التوليفة كعتبة عنوانية تشير إلى زمنها الطبيعي مع الأحداث السردية التي تركت أثرها في عموم الشخصيات وهي تحرّك روح الرواية، كما حرّكتْها ريحانة- فتاة البلاد التي اكتشفت الخيانة الوظيفية لمن هم قريبون من نسلها العشائري القروي الذي لم أغادره، كوظيفة جمالية وأسطورية، تعزز قيمة السرد بأن يتحرك في الطبيعة الريفية النقية، كما هو متحرك في الطبيعة المدينية الملوثة في ظرف ميداني عسكري، حاولت الوقائع فيه أن تخلط الأنساب وتستبيحها في موقعة الاحتلال التي نصبت فخاخها المثيرة في كل لحظة من لحظاتها الدموية.

على وفق تلك الأرضية اتجهت إلى:

(أ)

اجتهدتُ كثيرًا برسم ريحانة داخليًا وخارجيًا، في محاولة أن أمتثل لدور الرسام الماهر، لما يجد أمامه لوحة مفروشة ومهيأة للرسم، لكنها مسطحة. بيضاء مثل نسيج من القطن. لكن عليه أن يبتكر طريقةً ما لإبراز ما خفي من روح الفتاة. يجسّد خلجاتها بتكثيفٍ عالٍ. لذلك قرأت كثيرًا عن مدارس الفن التشكيلي وكيف للفنان أن يخلق أسطورته الشخصية، نحّاتًا كان يخلق من الطين هيئة بشر وينفخ الروحَ فيه، أم رسامًا تقوده الألوان وعطرها إلى ما يجب أن تقود إليه.

لكن كيف رسمت، لا أقول كتبتُ، ريحانة في سرد طويل، بأحداث الاحتلال وانهيار المجتمع، وظهور عصابات القتل على الهوية، والميليشيات المسلحة، وجماعات الخطف الكيفي الثأري، وصراع الهويات الفرعية فيما بينها؟

كيف رسمت ريحانة الحلوة من تلك الأجواء الاجتماعية والسياسية السوداء؟

(ب)

اخترت دافنشي نحّاتًا من المدرسة الفنية القديمة في عصر النهضة الإيطالي. وقرأت ما تيسر من بحوثه العلمية في علم التشريح، لأقف أمام عبقريته النحتية، مدققًا في مجسماته النحتية في عصر النهضة الإيطالي. عندما لم ينفعني وجه "الموناليزا" المتقلب يمينًا وشمالًا، فأسعدتني الطفولة في "ابتسامة المسيح"، وكنت أستعيدها- رسامًا- وأركّبها تركيبًا على وجه ريحانة العراقية. فلقد كان دافنشي وقتها في عمرها. صغيرًا وجميلًا، ذا أحاسيس مركّبة. لهذا سحرتني ابتسامة المسيح، شبح الابتسامة وحسب. ذلك الطيف الطفولي الفريد الذي لا يراه إلا مَن كان يبحث عن ابتسامات الطفولة النقية.

(ج)

استوقفتني لوحة "ست جزائريات" لأوجين ديلاكروا في المدرسة الواقعية، فتأملت فيها الفتاة التي على جهة يسار الرائي لها. ومن بول سيزان تمثلتُ إحساس التصوير في الملامح البشرية التي يجيد تجسيمها في "المستحمّات" واهتماماته في البورتريه الذاتي إلى حد كبير. ومن هنري ماتيس وحشية الألوان وتفجيرها بتقنيات عالية. ومن الفن المستقبلي تفكيك جزيئات الأشياء وتحطيمها وإعادة "ترميمها" بشكل ينظر إلى الإنسان على أنه مجموعة جماليات ظاهرة وباطنة في حركاته وأوصاله، ومن ثم إعادة تشكيل قوته الذاتية على وفق رؤيا أكثر التصاقًا بذاتيته. هكذا استغرقني الفن التشكيلي ومعه مجسمات النحت العالمية، ووزعتْ ألوان الفن العالمي رائحتها في مزيج كبير لينتج "الرائحة" الزكية الملاصقة لريحانة، التي تسببت في مشكلتها الشخصية في الرواية. تلك الرائحة العطرية التي ورثتها من القرية وليس من المدينة.

المدن آفات ملوثة ومخيفة.

(د)

الذي قرأ الرواية سيلاحظ أن هناك فصلًا أسطوريًا خاصًا برائحة هذه الفتاة، تسبب به "شمشار- مشط" قروي يبث في رأسها وشعرها رائحة غير مألوفة، يكسبها عطرًا شخصيًا بين الفتيات. ويشير إليها من دون فتيات القرية والمدينة. وهو حالة بل مشكلة فطرية لم تنتبه إليها الفتاة، إلا عندما وقعت في مشكلة جنسية في الزنا الحرام الذي لم تكن تعرفه ولا تفكر فيه، بسبب نموها البيولوجي الذي تكثف كثيرًا في "الشمشار" القروي، فصار مثل حبل المشيمة الذي يربطها في عالم وحشي لا عقلانية فيه. وفي هذه التعقيدات المتسارعة، توجب عليّ أن أرسمها رسمًا بمقدرة فنان يهمه إبراز المخفي من لوحته، فلوّنه بظلال متعددة، وكان جريئًا في إحاطتها بألوان البهجة والسعادة، بالرغم من أن ريحانتي لم تكن تعيش السعادة والبهجة، بل كانت تتخيلهما، كأية صبية حالمة. ولكن الظرف الوطني كان يسحقها بالتدريج.

موسيقى "الكلمات" لمولانا جلال الدين الرومي، والتي افتتحت بها الرواية (لماذا يئنُّ الناي؟)، كانت أحد المفاتيح الروحية بالدرجات الـ7 والأبعاد الـ7 فيها لصياغة النغمة الموازية للسردية الطويلة في شجنها وحزنها 


(
هـ)

ريحانة يتيمة الأب.

وُلدت في عصر هو غير عصرها. جاءت بالخطأ في ظروف احتلال وحرب طائفية على الاسم والهوية، بما فيها من متغيرات حاسمة لم تكن وقتها واعية لتفهمها بالشكل المطلوب. وهذه أرضية لفقدها والدها، سندها الأول في حياة الذئاب المتصارعة على السلطة. وبالتالي استسلمت لوقائع متتالية فُرضت عليها فرضًا، لبراءتها وثقتها في الحياة غير العادلة. وهو الأمر الذي قادها لأن تفقد الكثير من عذوبتها البكر.

(و)

"الحلوة" ابتكرت شكلها معها للضرورات الفنية التي كنت آملًا فيها أن تختلف عن غيرها من الروايات (أحاول عادةً أن لا أشبه غيري)، وهذه رؤية طبيعية: أن لا تشبه غيرك في الكتابة. وأن تستقل برؤيتك لابتكار صيغة جمالية فنية لا تشبه الآخرين. لذا أرهقني شكل الرواية. وأرهقتني الأرقام المتتابعة فيها. فكان عليّ ضبط الأرقام ومضاعفاتها؛ فمرة أنطلق من الرقم 6 قبل أن ينطلق الخلق في الرقم 7، ومرة من الرقم السماوي 7 بانطلاق الخلق، ومن ثم لتحديد ملامح الشكل على الأرقام التي تحفل الرواية بها كعدد ثقوب الناي ومضاعفاته (الناي خَلقٌ متكامل بثقوبه السبعة)، وأضاعفها سردًا كلما أجد الحاجة تقتضي ذلك. لأزيد من أيام الحلوة ريحانة، وهي تكابد وتكافح بأن تكون نايًا متكاملًا في المجتمع المستذئب الذي وُجدت فيه. وهي تعي- متأخرة- بأنها فقدت "ثقبًا" شَرفيًّا؛ من قبل خالها المتأمرك الذي جاء مع سلطة الاحتلال؛ فتسبب لها بمشكلة نفسية- اجتماعية- أخلاقية. وكان عليها أن لا تستسلم، بل تقفز من خلال الأحداث إلى ما يتوجب أن تقفز إليه، لتبتكر وجودها بطرق متعددة، بعد أن اكتسبت وعيًا مناسبًا أمام حادثتها الشخصية، ومع أحداث وطنية كانت تراقبها وتنتبه إليها.

(ز)

بين الرقمين (6) و(7) ومضاعفاتهما العددية، وثقب ريحانة المغتصَب، سار الشكل الروائي متقطعًا بخروجه عن رتابة الأرقام الحسابية. وفي أحيان قليلة لا يلزمني الترقيم الذي أعي أهميته ووجوده في الرواية. كأنني أريد مخالفة المنطق العددي متقصدًا، أو ما تمليه عليّ ضرورة النقص والاكتمال فنيًا. وهذا ما كنتُ أعيه. فثقب الفتاة صار ثقبًا ثامنًا في الناي، تعدّى حدود الخلق الأسطوري الذي نعرفه، مثلما تعدّى ثقوب الناي السبعة التي عزِفتْ الرواية عليه.

(ح)

تنسج الرواية شكلًا فنيًا خاصًا بها، مثلما تنسجه التصفيرات المتتالية التي رافقت الأرقام الفنية، فهي غناء متقطع وأصوات دالّة على شيء ما يحدث في الرواية. لذلك كنت أبحث عن وصلات الموسيقى التي جعلتها فواصل بين الفصول، كما لو هي هدهدات ناعمة لريحانة الحلوة التي جاءتها الكوارث الأخلاقية من دون أن تدري، مع خال جاء مع الاحتلال الأميركي. وهذا تأمركَ كليًا وفقد الكثير من أخلاقه القروية التي كان عليها قبل أن يغادر البلاد والعباد إلى مثواه الأميركي. فوجدتُ أن الموسيقى في الرواية تأخذ شكلًا مساعدًا لتخفيف وطأة الحدث الكارثي الذي مرّت به فتاة الرواية ذات الرائحة المختلفة. وهي الفتاة التي عطّرتها الملائكة كما ورد في الرواية. طالبة موسيقى تجيد العزف، وتستمع إلى القديم والحديث من الموسيقى العالمية والأغنيات المحلية: خليط عجيب من ثقافة تريد أن تنمو في ظروف الحرب الطائفية لتواجه أعداءها بالموسيقى، بعد أن قتلوا أباها قتلةً طائفية. توجّب عليّ أن أدرس الكثير من السمفونيات العالمية، ابتداءً من الفصول الأربعة لـ"بحيرة البجع" حتى "الموهيكانز" التي أذهلتني حتى هذا اليوم، مرورًا بسمفونية القيامة لغوستاف مالر التي تستحضر الحياة منذ بداياتها حتى الموت.

في هذه الملحمة الصاعدة إلى السماء، والتي كنت أترجمها ترجمةً نفسية وأعكسها على "ريحانة" بسبب أن بعضًا من مقاطعها عصيّة على الفهم وغامضة جدًا. وصولًا إلى الأغنيات المحلية العراقية لزهور حسين وداخل حسن لما فيها من شجن حزين أعرفه تمام المعرفة، حتى الموسيقى الصوفية التي استلهمتها من موسيقى الكلمات لمولانا جلال الدين الرومي، والتي افتتحت بها الرواية (لماذا يئنُّ الناي؟)، كانت أحد المفاتيح الروحية بالدرجات الـ7 والأبعاد الـ7 فيها لصياغة النغمة الموازية للسردية الطويلة في شجنها وحزنها الذي كان يقرّب لي المناخ الشخصي لريحانة في عذابها الطفولي، عندما افتقدت عفتها في جونيا اللبنانية على أنغام فوضوية وألوان وحشية غير مترابطة وُضعت فيها، من دون أن تعلم أن بكارتها ستسرقها موسيقى الخمرة والألوان المغشوشة التي استولت على عينيها، وبالتالي على جسدها البكر.

(ط)

أرهقني إلى حد كبير مولانا جلال الدين الرومي، بنايهِ الذي يئن على مدار السرد. بعد أن التجأتُ إلى تحفته "مثنوي" ذات الأجزاء الستة، باهتمام غير تقليدي. فلم أجد الناي، بل وجدتُ ثقوبه الصغيرة تتسع وتضيق في روحه الصوفية، لذلك رأيت من المناسب أن يكون ناي الرواية بثقوبه السبعة يتسع ويضيق أيضًا، ليتتبع سيرة فتاة يتيمة تحتفل مع نفسها بالخيال والجمال، ولم تدرك بأن أي ثقب سيبتلعها وتضيع، كما ضاعت صبايا عراقيات غيرها بوجود الاحتلال، وما تركه من ثغرات كبيرة في المجتمع، هي أشبه - شكلًا - بثقوب ناي الرومي، لكنها أكثر اتساعًا وظلامًا وكارثية.

ومع هذه الخلطة التشكيلية- الموسيقية- الصوفية، ومراجع عدة من القراءات المتواصلة، وُلدت "الحلوة" بشكلها الرقمي- المقطعي- لتقول الذي لا يُقال في وقت المحنة العراقية الكئيبة. وُلدت ريحانة في خلق سردي جازفتُ بطرحه بالرغم من واقعيته غير الخافية على القارئ، لكنها واقعية وحشية ومنفلتة، لتكون الحلوة إحدى خلاصات الحرب التي تعرض لها الشعب العراقي مع الاحتلال الأميركي. وتظل ترنيمة جنائزية مؤثرة، بجرأتها التي ناقشت كارثة "زنا المحارم" التي يصعب على الكثيرين الاقتراب منها.

(ي)

الاسم له دلالته الواضحة في الرواية.

"ريحانة" كان معادلًا موضوعيًا للرائحة الطيبة التي كانت عليها فتاة الرواية، وعتبة داخل النص وهو يسير عكس السرد الذي فيه رائحة نتانة وخيانة واحتلال أجنبي وشواذ بشرية كثيرة ملفوظة اجتماعيًا. لذلك كانت الفكرة اللاواعية أن يكون الاسم حاسمًا في انتشار الشذى والعطر الطيب على مدار هذه السردية الطويلة. حتى حضرت ريحانة برائحتها القروية الأثيرة، وغطّت على مساحات واسعة من النتانة السردية التي أحدثتها الرواية.

 


[1] - ريحانة: الشخصية الرئيسية في رواية" الحلوة".

[2] زيتونة: الشخصية الرئيسية في رواية " ضفدعة".

[3] نشتُمان: الشخصية المفقودة في رواية "عذراء سنجار".

[4] نور : الشخصية الرئيسية في رواية " شظية في مكان حساس".

ملاحظات:

  • هذا المقال فصل من كتابي المخطوط "رواياتي بناتي".
  • طبعت رواية "الحلوة" طبعتين في آنٍ واحد وسنة واحدة وشهرٍ واحد: طبعة العراق عن دار سطور- بغداد - 2017 (390 صفحة) وطبعة دار نينوى في دمشق - 2017 (360 صفحة).
  • كُتبت عن "الحلوة" دراسات نقدية كثيرة موزعة في الصحف والمواقع. ومثلها بعض رسائل الماجستير منفردة. وتحضرني الآن أطروحة الطالبتين الجزائريتين غادة بو عزيز وايمان شايب (وكانت عن  بنية الشخصية في رواية "الحلوة").

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.