}

نظرة إلى الثورة السورية من نافذة غرامشي

كنتُ في المرحلة الثانوية عندما سمعتُ باسم أنطونيو غرامشي للمرة الأولى. كنت أدرس في مدرسة ثانوية يكاد يكون جميع طلابها من اليساريين. في تلك السنوات، كنا نحب النقاش كثيرًا. كنا نتحدث عن أسماء كثيرة، مثل كارل ماركس، وفريدريك إنجلز، ونقرأ كتبهم واضعين خطوطًا بقلم الرصاص تحت بعض جملها، وبدأ اسم أنطونيو غرامشي يتردّد كثيرًا في أحاديثنا أيضًا. في البداية، لم أكن أعرف عنه سوى أنه أحد أهم منظّري الحزب الشيوعي الإيطالي. لكن بعد أن قرأت كتابه "دفاتر السجن"، تركت قصة حياته المليئة بالمعاناة أثرًا عميقًا في نفسي. كان كتابًا ضخمًا يتألف من مجلدين، وأذكر أنني أمضيت أسابيع في قراءته. بل إنه ذكر صلاح الدين الأيوبي في أحد الأمثلة التي ساقها. (وبالمناسبة، لا أدري إن كان من الضروري أن أذكر هذه التفصيلة، لكنه كان أول إيطالي أراه في حياتي يتحدث عن صلاح الدين الأيوبي).
غير أن أكثر ما أثّر فيّ هو مفهوم "التابع" الذي استخدمه غرامشي.
كانت تلك هي المرة الأولى التي أصادف فيها مفهومًا كهذا، وذلك في "دفاتر السجن". فقد كان يستخدمه لوصف الفئات الاجتماعية الواقعة خارج علاقات السلطة، التي يُقمع صوتها ويُسعى إلى جعلها غير مرئية داخل التاريخ. غير أن التابع عند غرامشي كان ذاتًا معقدة. فالتابعون لم يكونوا صامتين بالضرورة. كان في إمكانهم أن يتكلموا، وأن يغضبوا، وأن يثوروا، وأن يشكّلوا تنظيمات مؤقتة، وأن يقاوموا الفئات المهيمنة. لكنهم لم يكونوا قادرين على كتابة تاريخهم بصورة متصلة، ولا على تحويل مطالبهم المتفرقة إلى إرادة سياسية دائمة، ولا على بناء مؤسساتهم الخاصة، ولذلك ظلوا خاضعين لهيمنة الفئات المسيطرة.
ولهذا السبب، كان تاريخ التابعين، وفقًا لغرامشي، "متشظيًا وعرضيًا". كانوا موجودين داخل التاريخ؛ لكن لأن التاريخ كان يُكتب في الغالب بأيدي الآخرين، فإن وجودهم لم يكن يصبح مرئيًا إلا في اللحظات التي يثورون فيها، أو يُقتلون، أو يهدّدون فيها نظام المهيمنين. كان من الممكن أن تدخل انتفاضة فلاحية، أو إضراب، أو صرخة سجين، أو موت لاجئ عند معبر حدودي، إلى كتب التاريخ. لكن عالم ذلك الفلاح، وذاكرة العامل، ولغة السجين، وما يفكر فيه اللاجئ بشأن حياته، لم تكن تُسجّل في الغالب.
لم يكن التابع، بهذا المعنى، مجرد إنسان أُخمد صوته. بل كان إنسانًا حُرم من القدرة على تقرير الكلمات التي سيُسمع بها صوته. وهنا تحديدًا اكتسب مفهوم الهيمنة عند غرامشي أهميته. فالفئات الحاكمة لا تمارس سلطتها من خلال الجيش والشرطة والمحاكم والسجون وحدها. فالمدارس، والصحف، والجامعات، والمؤسسات الدينية، والأسرة، والأدب، واللغة اليومية، كلها كانت أيضًا ساحات للسلطة. وفي تصوّر غرامشي للدولة المتكاملة، لم تكن الدولة مجرد مجموعة من أجهزة القسر، بل كانت اتحادًا بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني. وبعبارة أخرى، كانت الهيمنة محمية بدرع القسر.
وكان أعظم نجاح للسلطة يتمثل في قدرتها على حكم الناس من دون الحاجة إلى ضربهم باستمرار. فعندما يبدأ الناس في النظر إلى النظام الذي يقمعهم بوصفه أمرًا طبيعيًا وحتميًا، بل ومتوافقًا مع مصالحهم، تكون الهيمنة قد ترسخت. وكانت رؤية الطبقة الحاكمة للعالم تتحول إلى "الحس المشترك" للمجتمع. وعندئذ لم تعد السلطة مضطرة إلى إصدار الأوامر كل يوم؛ لأن الناس كانوا يعيدون إنتاج لغة السلطة بأفواههم هم.
أما التدخل الذي قامت به غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك في مفهوم التابع الذي ورثته عن غرامشي، فقد كشف بُعدًا آخر للمسألة. ففعل "الكلام" في سؤال سبيفاك الشهير: "هل يستطيع التابع أن يتكلم؟" لم يكن يعني مجرد إصدار صوت. فالـتابع كان يتكلم بالطبع. كان يبكي، ويكتب، ويقاوم، بل ويحوّل جسده أحيانًا إلى سردية. غير أن كلامه لم يكن يُعترف به بوصفه كلامه الخاص داخل نظام المعرفة المهيمن. فإما أن يُترجم، أو يُصحح، أو يُستخدم دليلًا على أطروحة سياسية لشخص آخر، أو يُتجاهل تمامًا.
ولهذا السبب كانت قصة عمة سبيفاك الكبرى، بوفانيسواري بهادوري، مهمة. فقد أنهت الشابة، التي كانت على صلة بتنظيم يكافح الاستعمار البريطاني، حياتها لأنها لم تتمكن من تنفيذ مهمة أُسندت إليها. وقد انتحرت في أثناء فترة حيضها حتى تمنع تفسير موتها على أنه نتيجة حمل غير شرعي. وهكذا حاولت تحويل جسدها إلى رسالة أخيرة تشرح سبب موتها. غير أن عائلتها أعادت تفسير موتها داخل حكاية عن الحب والأنوثة.
وهنا تكمن مأساة التابع بالضبط: كان الجميع يتحدثون باسمه، لكن أحدًا لم يكن يخلق الظروف التي تتيح له أن يتكلم بنفسه.

تاريخ التابعين في بلاد الشام
لم يكن من الممكن فهم حكاية التابعين في بلاد الشام من خلال تفسيرات سطحية مثل "التخلف"، أو "العجز عن التحديث"، أو "ضعف الديناميات الداخلية". فالهشاشة السياسية، والتفاوتات الطبقية، والتوترات المذهبية، والتفككات الاجتماعية في المنطقة لم تنشأ فقط من عيوب المجتمعات المحلية، ولم تظهر تلقائيًا بوصفها نتيجة طبيعية لمسار التاريخ.
بل كانت نتيجة مسار تاريخي طويل تداخلت فيه صراعات السلطة المحلية مع التدخلات الاستعمارية والإمبريالية. وبعد تفكك الإمبراطورية العثمانية، لم تعد بلاد الشام مجرد جغرافيا نشأت فيها دول جديدة. بل تحولت أيضًا إلى مختبر أعادت الدول الأوروبية تصميمه بما يتوافق مع مناطق نفوذها، وطرق تجارتها، ومصالحها العسكرية، وحساباتها السياسية. وقد قطّعت الحدود الجديدة العلاقات التاريخية بين المدن والقرى والعشائر وشبكات التجارة والعائلات. لكن أثر التدخل الاستعماري لم يقتصر على رسم الحدود. فقد أعادت السلطة الاستعمارية تسمية الجماعات وتصنيفها وتقسيمها إلى فئات قابلة للإدارة.





وكان تقسيم سورية خلال فترة الانتداب الفرنسي إلى وحدات سياسية مختلفة، وتحويل الهويات المذهبية والإقليمية إلى تصنيفات إدارية، وتنظيم الوحدات العسكرية المحلية مع مراعاة الانتماءات الجماعية، كلها أجزاء من هذا المنطق في الحكم. لم تخترع فرنسا الاختلافات الموجودة في المجتمع السوري؛ لكنها جعلتها أكثر صلابة، وحولتها إلى أنظمة بيروقراطية، ثم استخدمتها أدوات للسلطة السياسية.

التابعون الذين صنعهم نظام الأسد: الخوف والسجن والصمت
لم يكن تعريف النظام الذي أسسه حافظ الأسد عام 1970 بوصفه سلطة طائفة بعينها كافيًا لفهم البنية المؤسسية للنظام، ولا قواعده الاجتماعية. فقد كان نظام الأسد كتلة تاريخية أوسع وأكثر تعقيدًا بكثير من مجرد طائفة.



كانت هذه الكتلة تتألف من الأجهزة الأمنية، ومراتب محددة داخل الجيش، وحزب البعث، وبيروقراطية الدولة، ودوائر الأعمال التابعة للنظام، والنقابات الخاضعة للرقابة، والمؤسسات الثقافية الرسمية، وبعض رجال الدين، والمثقفين الذين يعيدون إنتاج لغة السلطة داخل المجتمع. ولم يكن ما يربط الناس بالنظام هو العقيدة أو الانتماء الطائفي وحدهما. فالوظيفة، والراتب، والترقية العسكرية، والامتياز البيروقراطي، والخوف الأمني، والمصلحة الاقتصادية، والقلق من المستقبل، كانت كلها أجزاء من هذه البنية.
ومع ذلك، لم تكن هذه الهيمنة مكتملة يومًا. فعندما كانت الهيمنة تضعف، كان جهاز القسر يتدخل. وكانت سجون مثل المزة، وتدمر، وكفرسوسة، وصيدنايا، أكثر الأشكال وضوحًا لما وصفه غرامشي بـ"درع القسر". فقد سجن النظام من لم يستطع إقناعهم، وقتل تحت التعذيب أجساد من لم يستطع إسكاتهم، ودفن حكايات من لم يستطع محوهم من الذاكرة في ظلام أرشيف الدولة.
ولم يكن من المصادفة أن يصبح أدب السجون تيارًا بالغ القوة في سورية. فقد أراد النظام أن يسيطر ليس على أجساد الناس وحدها، بل كذلك على حقهم في رواية ما عاشوه. ولم تكن مهمة السجين أن يطيع فحسب، بل أن يقرّ بأن ما حدث له لم يحدث أصلًا. ولهذا جسّد السجين السياسي السوري، بأكثر الأشكال رعبًا، ما قاله غرامشي عن تاريخ التابعين. فإلى جانب تعرضه للتعذيب، أو الاختفاء، أو القتل، كان محرومًا أيضًا من إمكان توثيق حكايته الخاصة. وكان يتحول في أرشيف النظام إلى رقم في ملف، بينما يبقى في ذاكرة عائلته فراغًا لا يُذكر اسمه إلا همسًا.
أما عهد بشار الأسد، فكان مرحلة يمكن تفسيرها من خلال مفهومي غرامشي عن "الثورة السلبية"، و"التحويلية"، إذ أُعيد فيها إنتاج علاقات السلطة تحت مظهر التغيير. فقد وصل بشار الأسد إلى الحكم عام 2000 حاملًا وعودًا بالإصلاح والتحديث والانفتاح الاقتصادي، لكنه بدلًا من توسيع المشاركة السياسية، جمع النخب البيروقراطية القديمة ودوائر رأس المال الجديدة المرتبطة بالنظام داخل الكتلة التاريخية نفسها. ولم يعتمد النظام على قسر الجيش وأجهزة الاستخبارات وحدهما؛ بل اعتمد أيضًا على قدر محدود من الرضى صُنع من خلال خطابات الاستقرار والعلمانية و"دولة المقاومة". غير أن هذه الهيمنة انهارت في عام 2011، ووصلت إلى المرحلة التي سمّاها غرامشي "الأزمة العضوية". ولم يرد النظام على مطالبة الشعب بالحرية من خلال عقد اجتماعي جديد، بل من خلال عنف مكشوف وصف المتظاهرين بأنهم "إرهابيون"، والثورة بأنها "مؤامرة خارجية". وهكذا تحول عهد بشار الأسد إلى المرحلة الأخيرة من كتلة تاريخية استبدادية أحكمت السيطرة على مطالب التابعين، ثم لجأت إلى أجهزة القسر عندما نفدت قدرتها على إنتاج الرضى.

2011:
اللحظة التي تحوّل فيها الصمت إلى ثورة
لم تكن الثورة التي بدأت في سورية عام 2011 مجرد نتيجة لأزمات اقتصادية، أو لمجموعة محدودة من المطالب السياسية. بل كانت أزمة شاملة للسلطة من النوع الذي وصفه غرامشي بـ"الأزمة العضوية". ولم تكن الأزمة العضوية تعني أن الطبقات الحاكمة تفقد فجأة أدواتها في الحكم. فقد تبقى الدولة قائمة، ويواصل الجيش تلقي الأوامر، وتستمر القنوات التلفزيونية في البث، وتظل البيروقراطية تعمل. لكن قطاعات واسعة من الشعب لا تعود تصدق الحكايات التي رُويت لها طوال سنوات. تظل السلطة مسيطرة؛ لكنها تفقد صفتها بوصفها قيادة أخلاقية وسياسية موجِّهة. أما الناس فلم يكونوا قد فقدوا خوفهم بالكامل. لكنهم اكتشفوا أنهم قادرون على النزول إلى الشوارع رغم الخوف.
وهكذا لم يكن أول انتصار كبير للثورة هو الاستيلاء على قصر، بل تحطيم جدار الاستحالة في أذهان الناس. فقد اجتمع أشخاص كانوا يعيشون من قبل منفصلين بعضهم عن بعض داخل الشعار نفسه. وبدأ الفلاحون والطلاب والعمال والنساء والمعلمون والأطباء والكتّاب والشباب الذين أُقصوا طويلًا عن الحياة السياسية في تحويل غضبهم المتشظي إلى لغة مشتركة. ولم يكن شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" مجرد مطالبة بتغيير السلطة. بل كان ولادة جديدة للذات السياسية المسماة "الشعب". ووفق تعبير غرامشي، كانت "الإرادة الجمعية" تبدأ هنا في التشكل.

لغة إمبريالية تحت قناع مناهضة الإمبريالية


كانت إحدى أقسى خيبات الأمل التي واجهت الشعب السوري هي الموقف الذي اتخذه قطاع مهم من اليسار العالمي تجاه الثورة. فبعض الأوساط التي ساندت نضال الشعب الفلسطيني ضد الصهيونية لم تنظر إلى انتفاضة السوريين ضد الدكتاتورية بالمعايير الأخلاقية نفسها. كما أن الموقف الذي اتخذته كرر إحدى أكثر الممارسات الاستعمارية جوهرية، وهي جعل السكان الأصليين عاجزين عن الكلام.




كان الخطاب المناهض للإمبريالية الذي أُنتج في مواجهة الثورة السورية، في حقيقته، إعادة إنتاج للإمبريالية بلغة أخرى. فقد اختبأ هؤلاء خلف مفاهيم معادية للغرب، لكنهم كرروا أكثر أساليب الاستعمار جوهرية: نزع صفة الفاعل عن السكان الأصليين داخل حكايتهم الخاصة. وقد انتشر هذا النفاق العظيم في العالم كله متتبعًا خطوات التابعين السوريين. كما كانت ردود الفعل العنصرية تجاه اللاجئين تهدف إلى إسكات أصواتهم تمامًا. وقد جمع إنكار وجود الشعب الفلسطيني وإرادته بين قطبين يبدوان متناقضين، هما مكسيم غوركي، وإدموند اللنبي. أما الانتقاص من نضال الشعب السوري والحط من وجوده، فقد جمع، على نحو غريب، بين جماعات يسارية تدّعي مكافحة العنصرية، وبين العنصريين أنفسهم.

الثورة السورية: اللحظة التي تكلم فيها التابع
لم تكتفِ الثورة السورية بزعزعة الاعتقاد الصارم بأن التابع لا يستطيع الكلام؛ بل جعلته باطلًا من الناحية التاريخية. لم يكتفِ السوريون عام 2011 برواية الظلم الذي تعرضوا له. بل رفضوا لغة النظام الذي أسكتهم، وانتزعوا من الخوف صفته كسلاح سياسي، وأعلنوا بكلماتهم الخاصة الطريقة التي يريدون أن يعيشوا بها. وقد خلقت الشعارات التي ارتفعت في الشوارع، والكتابات على الجدران، ومقاطع الفيديو المصورة بالهواتف المحمولة، ولجان التنسيق المحلية، لحظة تاريخية فاصلة لم يتوقف فيها التابع عن الحديث باسم الآخرين، بل وضع فيها حدًا لحديث الآخرين باسمه.
ومن منظور غرامشي، كان ما نجح الشعب السوري في تحقيقه بالغ الصعوبة. فلم يكن في مواجهته دكتاتور واحد فقط، بل سلطة متكاملة تتألف من الجيش، والاستخبارات، والحزب، والبيروقراطية، والإعلام، والسجون، وثقافة الخوف التي صُنعت على مدى سنوات طويلة. فقد جعل النظام نفسه مرادفًا للدولة، والدولة مرادفة للوطن، والوطن مرادفًا لعائلة الأسد. وحطّم السوريون هذه السلسلة الهيمنية، ووضعوا في مواجهة كذبة "إذا رحل النظام زالت البلاد" حقيقة تقول: "البلاد ليست النظام". وقد حطموا المسلّمات المهيمنة التي سماها غرامشي "الحس المشترك"، ووضعوا الكرامة مكان الخوف، والإرادة مكان الطاعة، ولغة سياسية مشتركة مكان الصمت.
ولهذا السبب، لم يكن شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" مجرد مطالبة بسيطة بتغيير السلطة. بل كان إعادة تشكيل لأناس اعتُبروا طوال سنوات مجرد موضوعات للدولة، وسجناء في معتقلاتها، وأهدافًا لدعايتها، ليصبحوا من جديد "شعبًا". لقد تكلم التابع لا من خلال ميكروفون مُدّ إليه، بل من خلال صوته الذي خلقه بنفسه، وميدانه الذي صنعه، وتاريخه الذي كتبه. حرّف العالم هذا الصوت، واستخف به، وحاول إسكاته. لكن الأوان كان قد فات. فقد حطّم الشعب السوري الخوف، وهو السلاح الأكبر للنظام، وأثبت للعالم كله أن التبعية ليست قدرًا أبديًا.

أن نكون وحوشًا أو ملائكة
دخل أنطونيو غرامشي في فترة طويلة من الأسر عندما اعتقله النظام الفاشي عام 1926. وعلى الرغم من التدهور المتواصل في صحته، واصل التفكير والكتابة خلف القضبان الحديدية؛ وسجّل في "دفاتر السجن" أفكاره حول الثورة والهيمنة وموقع التابعين داخل التاريخ. ولم يرَ الثورة التي كان يتطلع إليها تتحقق في إيطاليا. وظلت الثورة بالنسبة إليه خط أفق بعيدًا، يبدو ظاهرًا، ثم يتراجع كلما اقترب منه. وقد بقيت لنا منه هذه العبارة التي لا تُنسى: "العالم القديم يموت، والعالم الجديد يصارع من أجل أن يولد؛ إننا الآن في زمن الوحوش".
لم يرَ غرامشي الثورة السورية التي حطّم فيها التابعون الخوف وصعدوا بأصواتهم إلى مسرح التاريخ. لكننا نحن رأيناها. شهدنا تصدّع العالم القديم، وانهيار سلطات كان يُظن أنها لا تتغير، وسقوط السرديات التي بنتها على الخوف. وشعرنا أيضًا بالبدايات الأولى لعالم جديد كان يحاول أن يولد رغم كل الآلام. رأينا زمن الوحوش؛ لكننا شهدنا أيضًا زمن الملائكة. رأينا كيف تشبث الناس بعضهم ببعض في أحلك اللحظات، وكيف دافعوا عن الحياة في قلب الموت.
وبينما كنا نتابع هذه الحكاية، كان أن نصبح وحوشًا، أو ملائكة، أمرًا في أيدينا. كان الأمر كذلك بالأمس، ولا يزال كذلك اليوم. إن محاولة الحط المستمر من قيمة الثورة لم تكن تعني في حقيقتها سوى إعادة تداول طريقة التفكير التي فرضها النظام القديم على المجتمع. وعلى غرار الفئات التي وصفها غرامشي بـ"المثقفين التقليديين"، كان الذين قدموا أنفسهم بوصفهم محايدين ونقديين يفكرون، في كثير من الأحيان، من خلال مفاهيم النظام القديم. أما البحث المتواصل عن العيوب في الثورة بحجة طرح آراء مختلفة، فلم يكن تعبيرًا عن التفكير النقدي، بل كان إخفاءً للانزعاج من صعود التابعين إلى مسرح التاريخ خلف قناع فكري. أي إن هذا الموقف، من منظور غرامشي، لم يكن نقدًا، بل محاولة لترميم الهيمنة المتصدعة على المستوى الفكري. وكذلك كان الأمر من منظور أصدقاء الشعب السوري الثائر… لأن أن نصبح وحوشًا، أو ملائكة، ونحن نشاهد هذه الحكاية، كان وسيبقى أمرًا في أيدينا…

*كاتبة ومترجمة تركية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.