ولما عجز المتظاهرون عن تجاوز الحواجز الحديدية، قرروا تغيير وجهتهم والسير نحو مركز الشرطة البريطاني القريب. وكان أول رد فعل للقوات البريطانية هو إطلاق النار على الحشد المتجمع أمام المركز. وفي الوقت نفسه، كان الجنود يقتحمون صفوف الناس ويعتدون بهراواتهم، بحقد وغضب شديدين، على كل من يصادفونه أمامهم. وكان من أوائل الذين طاولتهم هذه الوحشية موسى كاظم الحسيني باشا، رئيس بلدية القدس السابق، الذي تولى رئاسة اللجنة التنفيذية الوطنية الفلسطينية بعد أن عزله البريطانيون من منصبه. وكان موسى كاظم باشا في الثمانين من عمره آنذاك، وقد انهال عليه الجنود البريطانيون ضربًا بلا رحمة. وبعد خمسة أشهر استشهد متأثرًا بجراحه الخطيرة التي أصيب بها خلال تلك الاشتباكات التي قُتل فيها نحو ستة وعشرين فلسطينيًا.
وكان ثمة اسم آخر حاضرًا ذلك اليوم في قلب اشتباكات يافا. فقد أصيب هذا الرجل في رأسه برصاص الجنود البريطانيين، غير أن رفاقه تمكنوا من إخراجه من بين الحشود وإنقاذه، ثم عولج في سرية تامة. ولم يكن ذلك الرجل، الذي نجا على نحو بدا أشبه بالمعجزة، سوى محمد عزّة دروزة، الذي سيصبح في السنوات اللاحقة واحدًا من أهم رموز القضية الفلسطينية. ولن يكون في وصفه بأنه «جيش عظيم من رجل واحد في مواجهة السردية التاريخية الصهيونية» أي قدر من المبالغة.
موظف بريد من نابلس
بدأت قصة حياة محمد عزّة دروزة سنة 1887، أي قبل أحداث يافا بستة وأربعين عامًا، في نابلس، إحدى أجمل مدن فلسطين. كان والده، عبد الهادي بن درويش دروزة، تاجر أقمشة ومن تجار سوق نابلس التاريخية. وعندما أنهى تعليمه الثانوي في نابلس، كان التقويم يشير إلى سنة 1905. وكان أبناء الأسر العربية الميسورة يتوجهون عادة، بعد إتمام الدراسة الثانوية، إلى مدن كبرى مثل القاهرة أو إسطنبول أو دمشق لمواصلة تعليمهم. لكنه كان يرى أن عليه أن يبدأ العمل، لأن دخل والده أخذ يتراجع يومًا بعد يوم، ولم تكن الأوضاع الاقتصادية لأسرته جيدة.
كان أول مكان عُيّن فيه ضمن إدارة البريد العثمانية هو نابلس، المدينة التي وُلد ونشأ فيها. غير أن عمله موظفًا في البريد أتاح له السفر كثيرًا ومتابعة الصحف الصادرة في مدن مختلفة من العالم الإسلامي. ولم تكن هذه المهنة بالنسبة إليه مجرد وسيلة للعيش، إذ كان يقف في قلب شبكة واسعة من الأخبار مكّنته من الوصول إلى التيارات الفكرية في القاهرة وبيروت وإسطنبول. أرسل مقالاته الأولى إلى صحيفة "الإخاء العثماني" الصادرة في بيروت. ثم بدأ يكتب مقالات أسبوعية في صحيفة "فلسطين" لعيسى العيسى وصحيفة "الكرمل" لنجيب نصار. وكان المستقبل السياسي لفلسطين، واللغة والثقافة العربيتان، وبيع الأراضي، من بين أهم القضايا التي شغلته منذ تلك السنوات المبكرة.
وفي الأثناء، تولى سنة 1911 العضوية وأمانة السر في جمعية العلم العربية بمدينة نابلس التي وُلد ونشأ فيها، ثم أسس سنة 1913، مع مجموعة من أصدقائه، جماعة هدفها توعية الناس بمسألة بيع الأراضي في فلسطين. وكان قد أسس في الوقت نفسه الجمعية العلمية العربية التي ستعمل في مجال اللغة والثقافة العربيتين. غير أن الحرب التي اندلعت فجأة ستعطل أعمال الجمعية أيضًا. وبينما كانت كل هذه التطورات تتلاحق، عُيّن أولًا معاونًا لمفوض بريد نابلس، ثم أُرسل إلى بيروت مديرًا لمبيعات الطوابع البريدية.
في قلب حلقة النار
غير أن الحرب العالمية الأولى ستقلب كل شيء من جذوره. ففي غضون سنوات قليلة توالت أحداث كثيرة بسرعة مذهلة، فوُقعت اتفاقية سايكس بيكو، وصدر وعد بلفور، وبدأت القوات العثمانية تنسحب من المنطقة. وعندما دخل الجنرال أللنبي القدس في 11 كانون الأول/ ديسمبر 1917 بنبرة متغطرسة، كانت المدينة كلها مزينة بالأعلام البريطانية. لكن المشهد لم يكن يقتصر على ذلك بطبيعة الحال. فقد كانت ثمة قوة أخرى تظهر داخله، أولًا بصورة ضبابية ثم بوضوح كامل، وهي الحركة الصهيونية التي كانت تسعى إلى جعل مدن فلسطين ذات الإرث العريق، وشعبها الحي، وثقافتها المتجذرة، غير مرئية أمام التاريخ. لقد عمل الصهاينة منذ زمن طويل على تعزيز ادعاءاتهم بالحق في أرض فلسطين، وقد حان بالنسبة إليهم وقت جني ثمار ذلك العمل.
كان محمد عزّة دروزة يومئذ شابًا، وقد ألقى بنفسه من دون تردد في قلب النضال، عند عتبة هذا المنعطف التاريخي البالغ الأهمية. كانت أزمنة مأساوية. كانت الخرائط تُرسم من جديد، والمدن تنتقل من يد إلى أخرى، والجيوش تنسحب، ومصائر ملايين البشر تتحدد في لقاءات سرية تُعقد في العواصم الأوروبية. كانت أزمنة تمتلئ بقصص الحياة المأساوية. وكان من الصعب التمييز بين اللحظة التي انتهت فيها الحياة القديمة واللحظة التي بدأت فيها الحياة الجديدة. وبدا الماضي والمستقبل كأنهما لغزان متجاوران لا تُعرف لهما إجابة.
كان محمد عزّة دروزة قد بدأ العمل في مدرسة النجاح التي تأسست في نابلس قبل الاحتلال البريطاني بقليل. وخلال السنوات الخمس التي أمضاها في إدارتها، خرّج عددًا من الطلاب الذين سيؤدون في المستقبل أدوارًا بالغة الأهمية، لا في تاريخ فلسطين وحدها، بل في التاريخ العربي أيضًا. كان أحدهم سليمان النابلسي، الذي سيصبح لاحقًا رئيسًا لوزراء الأردن. وكان آخر أكرم زعيتر، أحد أبرز رموز المقاومة الفلسطينية. كما كان الشاعر الفلسطيني الكبير إبراهيم طوقان من بين طلابه. وفي الوقت نفسه، كانت تقع على عاتقه أعباء كثيرة من المهام السياسية المهمة. ولم تكن أمانة سر الفرع الجديد للجمعية الإسلامية المسيحية المناهضة للاحتلال في نابلس سوى واحدة منها. فقد كانت المدينة أيضًا من أوائل الأماكن التي تأسس فيها التحالف الإسلامي المسيحي عقب الاحتلال البريطاني.
وعلى الرغم من عمله المكثف، واصل إرسال مقالاته إلى المجلات الصادرة في بيروت والقاهرة. وكان عضوًا في مؤسسات مثل المؤتمر العربي الفلسطيني الذي تأسس في القدس، والمؤتمر السوري العام، والجمعية العربية الفلسطينية. بل إنه شارك بنفسه في تأسيسها جميعًا. وكانت مقالاته تُنشر أيضًا في صحف القدس ويتابعها جمهور واسع من القراء. وفي تلك الأثناء أُسندت إليه مهمة أخرى، فأصبح مديرًا لإدارة الأوقاف الإسلامية في نابلس. وكانت إدارة الأوقاف الإسلامية عملًا بالغ الحساسية، سواء بالنظر إلى المكانة التاريخية لمدينة نابلس وما تتمتع به من نسيج إسلامي غني، أو بالنظر إلى المرحلة التاريخية التي كانوا يمرون بها. فقد كانت المستوطنات الصهيونية تواصل التوسع يومًا بعد يوم، وكان المحتلون قد شنوا حربًا لا على الشعب وحده، بل على التراث الثقافي الفلسطيني كله أيضًا.
كان محمد عزّة دروزة من مؤسسي حزب الاستقلال، إلى جانب عدد من أبرز الوطنيين في ذلك العصر، مثل أكرم زعيتر، وعجاج نويهض، وعوني عبد الهادي، وصبحي الخضراء، ورشيد الحاج إبراهيم، ومعين الماضي، وفهمي العبوشي، وحمدي الحسيني، وسليم سلامة. وكان حزب الاستقلال يهدف إلى تنمية الوعي السياسي لدى الشعب الفلسطيني، وتعزيز الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، وخوض نضال مشترك ضد الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني. كما كان الحزب يسعى إلى تنظيم الشباب الفلسطيني.
كان محمد عزّة دروزة منخرطًا في هذا النضال حين أصيب برصاصة في رأسه في يافا سنة 1933. لقد نجا من الموت، لكنه اعتُقل بعد ذلك مباشرة وحُكم عليه بالسجن عشرة أشهر. وبعد اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى (1936 ـ 1939)، سيُبعد عن فلسطين ويضطر إلى الذهاب إلى دمشق. وأصبح هناك المسؤول الإداري والمالي عن المقاومة الفلسطينية. كانت أنحاء دمشق كلها مملوءة بذكريات أناس يشتركون معه في القضية ذاتها. ولم يكن قد مضى بعد عشرون عامًا على مسير يوسف العظمة الشجاعة نحو الموت في معركة ميسلون، وهو يدرك قوة الجيش الفرنسي الذي يواجهه ويعرف نتيجة المعركة سلفًا. وظل اسمه حيًا، لا بوصفه رمزًا لهزيمة، بل رمزًا لإرادة رفضت الاستسلام. أما استشهاد عز الدين القسام قرب حيفا فلم يكن قد مضى عليه سوى بضع سنوات. كانت أزمنة عصيبة. وكانت صلات المقاومة الفلسطينية بسورية تخضع لمراقبة شديدة. كما بدأ ضغط الفرنسيين على محمد عزّة دروزة يتزايد يومًا بعد يوم. وفي النهاية، في 5 حزيران/ يونيو 1939، اعتُقل في المحكمة التي مثل أمامها بتهمة كونه أحد قادة المقاومة الفلسطينية، وأُرسل إلى سجن المزة. وبعد أن أمضى أربعة أشهر في المزة، نُقل إلى سجن دمشق. وهناك أيضًا، كما كان يفعل دائمًا، واصل القراءة والتفكير.
خرج دروزة من السجن، لكن دخوله إلى وطنه فلسطين ظل ممنوعًا. ولهذا كانت تركيا أنسب بلد يمكنه اللجوء إليه. وهكذا وصل إلى تركيا في الأشهر الأولى من سنة 1941، بعد رحلة طويلة ومرهقة. وبسبب دخوله الحدود من دون إذن، احتُجز مدة قصيرة في سجن مانيسا، ثم أُفرج عنه، فتوجه إلى بورصة واستقر في حي تشكيرغه، أحد أقدم أحياء المدينة وأجملها. وبعد ذلك انتقل إلى إسطنبول... وفي تركيا بدأ أيضًا تأليف تفسيره للقرآن، وهو واحد من أهم مؤلفاته.
وعندما غادر تركيا سنة 1945، بعد أن أمضى فيها نحو خمس سنوات، كانت سورية قد نالت استقلالها، لكن الأمور في وطنه فلسطين كانت تزداد سوءًا يومًا بعد يوم. وكان دخوله إلى فلسطين لا يزال ممنوعًا. ولهذا عاد إلى دمشق، فهي المكان الذي يمكنه أن يكون فيه أقرب ما يكون إلى وطنه. غير أن الكارثة الكبرى، التي كانت بمثابة حكم إعدام على الشعب الفلسطيني، كانت تقترب بسرعة. فالنكبة، أي قيام إسرائيل، ستقتلع مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم وأوطانهم وتحولهم في لحظة واحدة إلى لاجئين.
هل يكتب المنتصرون التاريخ؟
كان يُراد للشعب الفلسطيني أن يُدفع إلى نقطة صفر يكتب عندها المنتصرون التاريخ. فقد أُفرغت مئات القرى من سكانها، وغُيّرت أسماؤها وأُطلقت عليها أسماء عبرية. وهكذا لم يكن الناس وحدهم يُنتزعون من أرضهم، بل كان يُراد أيضًا محو الذاكرة التي راكموها على تلك الأرض طوال قرون. وكانت السردية التاريخية الصهيونية تسعى إلى تصوير فلسطين بوصفها جغرافيا فارغة بلا ماض. ووفقًا لهذه السردية، كان للشعب اليهودي حقوق قومية وتاريخية في فلسطين. وكان قيام إسرائيل يُقدم بوصفه قصة العودة الكبرى والبعث من جديد بعد منفى دام ألفي عام. كما كان المستوطنون الصهاينة يُصورون بوصفهم روادًا أنقذوا الأرض وأخضروا الصحراء. نعم، كانت ثمة قاعدة مرعبة تقول إن المنتصرين هم الذين يكتبون التاريخ. فالمنتصرون هم الذين يقررون من المحق ومن المبطل، ومن ابن البلاد ومن الغريب...
لكن التاريخ لم يكتبه المنتصرون في الحقيقة، بل كتبه محمد عزّة دروزة، بتفسيره الشهير، وبمؤلفاته في العلوم الإسلامية، مثل القرآن والمرأة، والقرآن والضمان الاجتماعي، ودستور القرآن والسنة النبوية في شؤون الحياة، وسيرة النبي، والتفسير الحديث، واليهود في القرآن الكريم، والقرآن والمبشرون، إلى جانب موسوعته الكبرى من المؤلفات التي تناولت تاريخ فلسطين ومقاومتها، مثل مأساة فلسطين، والقضية الفلسطينية في مختلف وجوهها، وسبب الاحتلال الصهيوني، والنكبة، وفي سبيل فلسطين، وجهاد فلسطين.
لم يكن محمد عزّة دروزة، في مواجهة الكتابة التاريخية الصهيونية، مجرد «كاتب يروي حقيقة فلسطين»، بل كان في الوقت نفسه أرشيفًا عظيمًا قائمًا بذاته، يسجل الوجود التاريخي للفلسطينيين. وكان من الممكن في الحقيقة شرح هذه السمة، التي يمكن أن تُكتب عنها مئات الصفحات، في عدة نقاط.
1 ـ توثيق المجتمع الفلسطيني في مواجهة مقولة «أرض بلا شعب» في السردية التاريخية الصهيونية: كان من أهم مرتكزات السردية الصهيونية المؤسسة تصوير فلسطين بوصفها جغرافيا بلا صاحب سياسيًا، ومفككة اجتماعيًا، ولا تمتلك وعيًا وطنيًا حديثًا. ووفقًا لهذه السردية، كانت فلسطين بلدًا فارغًا لا يقوم على أرضه انتماء تاريخي قوي، ولا نظام اجتماعي راسخ، ولا تصور مشترك للمستقبل، وكأنه ينتظر إرادة تعيد إنشاءه من جديد. أما الفلسطينيون فكانوا يُصورون غالبًا، لا بوصفهم مجتمعًا يتحدث في مصيره ويطور مطالب سياسية ويخوض نضالًا منظمًا، بل بوصفهم سكانًا محليين منغلقين أمام التحديث، سلبيين، مفككين وبلا جذور. وبهذا كان يمكن تقديم احتلال فلسطين وتحويلها، لا بوصفه اقتلاع شعب حي من وطنه، بل بوصفه إعادة بناء لجغرافيا عُدّت بلا صاحب.
لم تكن هذه السردية التاريخية تنكر الوجود السياسي للفلسطينيين فحسب، بل كانت تجعل ذاكرتهم الاجتماعية وإنتاجهم الثقافي والمؤسسات التي طوروها في العصر الحديث غير مرئية أيضًا. فقد استُبعد من هذه السردية النشاط التجاري والثقافي للمدن الفلسطينية، والعلاقات الاقتصادية بين القرى والمدن، وتطور الصحافة المحلية، وتكاثر المؤسسات التعليمية، وتأسيس الجمعيات السياسية، وتنظيم الفئات الاجتماعية المختلفة حول القضايا المشتركة. ذلك لأن الاعتراف بأن فلسطين كانت تحتضن مجتمعًا حيًا ومنتجًا وصاحب كلمة في مستقبله، كان سيجعل إضفاء الشرعية الأخلاقية والتاريخية على مشروع الاستيطان الصهيوني أمرًا أشد صعوبة.
أما حياة محمد عزّة دروزة وكتاباته فكانتا تقفان في مواجهة هذه السردية تمامًا. ففي مذكراته ودراساته التاريخية لم تكن فلسطين أرضًا فارغة، ولا جغرافيا غامضة أُدخلت لاحقًا إلى مسرح التاريخ. بل كانت مجتمعًا حيًا متحركًا، له مدنه ومدارسه وصحفه وأوقافه وجمعياته السياسية ومؤتمراته وتجاره وحرفيّوه وفلاحوه ومثقفوه وجماعاته المسلمة والمسيحية. ولم تكن مدن مثل نابلس والقدس ويافا وحيفا وعكا مجرد مراكز سكانية على الخريطة، بل مراكز مهمة ازدهرت فيها التجارة والتعليم والصحافة والسياسة والحياة الثقافية. أما القرى فلم تكن مجرد مناطق للإنتاج الزراعي، بل كانت حاملة للذاكرة المرتبطة بالأرض، وللروابط العائلية، ولإحساس الانتماء الذي انتقل من جيل إلى جيل.
2 ـ عرض الفلسطينيين لا بوصفهم مجرد موضوع، بل كفاعلين يصنعون التاريخ:
في السرديات التاريخية المتمركزة حول الصهيونية، كان الفلسطينيون يُتناولون غالبًا، لا بوصفهم أحد العناصر الأصلية في التاريخ، بل بوصفهم جماعة ثانوية ردت لاحقًا على أنشطة الحركة الصهيونية. وكانت الحركة الصهيونية في هذه السرديات هي الفاعل الأساسي الذي يصنع التاريخ ويوجهه ويدفعه إلى الأمام. وكانت موجات الهجرة اليهودية، وتأسيس مؤسسات الاستيطان، وشراء الأراضي، والتنظيم السياسي، ثم إعلان دولة إسرائيل في النهاية، تُعرض بوصفها مراحل من التحديث والتقدم الحتمي. أما الفلسطينيون فكانوا يُجردون من كونهم شعبًا له حياته الاجتماعية وأفكاره السياسية وتجاربه التاريخية، ويُختزلون في عائق يظهر أمام هذه التطورات أو في «مشكلة» ينبغي حلها.
أما في رؤية محمد عزّة دروزة، فكان التاريخ يُروى من مركز مختلف تمامًا. ففي مؤلفاته لم تكن فلسطين خلفية تُستخدم لشرح تطور الحركة الصهيونية، بل كانت بلدًا حيًا له دينامياته الاجتماعية ونضالاته السياسية الخاصة. وكان في مركز التاريخ، إلى جانب الكيفية التي نمت بها مستوطنات المهاجرين، أيضًا الكيفية التي قيّم بها الفلسطينيون هذه التطورات، والتدابير التي حاولوا اتخاذها، والنقاشات التي دارت بينهم، والبرنامج السياسي الذي طوروه بشأن المستقبل.
ولم يكن الفلسطينيون الذين وصفهم دروزة مجرد أناس حلت بهم الكارثة وفقدوا أراضيهم وبيوتهم. فقد كانوا يعقدون المؤتمرات، ويؤسسون الأحزاب والجمعيات السياسية، ويصدرون الصحف، وينشرون البيانات، ويحاولون تنظيم الناس حول مطالب مشتركة. وكانوا ينظمون الإضرابات، ويرسلون العرائض ونصوص الاحتجاج إلى الإدارة البريطانية، ويطلقون الحملات لمنع بيع الأراضي، ويسعون إلى توحيد الحركات السياسية في مختلف المدن ضمن مركز مشترك. كما كانوا يفتتحون المؤسسات التعليمية، ويحاولون غرس الوعي الوطني في الأجيال الشابة، ويشرحون عبر الصحافة الأخطار التي كانت البلاد تواجهها.
كما أن اجتماع الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين في المظاهرات نفسها، وتوقيعهم البيانات نفسها، وتطويرهم مطالب مشتركة تتعلق بمستقبل البلاد، كان يبين أن المجتمع الفلسطيني لم يكن، كما ادعت السردية الصهيونية، مفككًا ومفتقرًا إلى إرادة مشتركة. فعلى الرغم من الاختلافات الفكرية والمنافسات السياسية بينهم، كان ثمة وعي مشترك قوي بأن البلاد آخذة في الضياع.
أي إن الفلسطينيين في مؤلفات دروزة لم يكونوا ضحايا سلبيين للتاريخ. بل كانوا مجتمعًا يفكر في مستقبله، ويتخذ قرارات سياسية، ويحاول أن يجد طريقه بين النجاحات والأخطاء. ولم يكن تاريخهم مجرد قصة هزيمة انتهت بالنكبة. بل كان أيضًا تاريخ النضال الطويل من أجل حماية البلاد، والمؤسسات التي أُنشئت، والأفكار التي طُورت، وإرادة المقاومة التي انتقلت من جيل إلى جيل. وهكذا أخرج محمد عزّة دروزة الفلسطينيين من موقع العنصر الثانوي الذي يرد على أفعال الآخرين، وأعادهم من جديد إلى موقع الفاعل الأصلي في تاريخهم.
3 ـ قراءة الصهيونية لا بوصفها مجرد حركة هجرة، بل مشروعًا سياسيًا استعماريًا:
كان من أكثر جوانب محمد عزّة دروزة لفتًا للانتباه أنه لم ينظر إلى الهجرة الصهيونية بوصفها محاولات استيطان فردية مستقلة بعضها عن بعض. فقد أدرك في وقت مبكر أن المهاجرين اليهود القادمين من أوروبا إلى فلسطين لم يكونوا مجرد أناس يريدون إقامة حياة أكثر أمنًا، بل إن هذه الهجرة أُدخلت في إطار مشروع سياسي أوسع بكثير ومخطط له. وكان يرى وجود علاقة مباشرة بين شراء الأراضي، والدعم السياسي والعسكري الذي وفرته إدارة الانتداب البريطاني، والتنامي المستمر لقوة المنظمات الصهيونية، وتأسيس مؤسسات اقتصادية منفصلة، ونقل السكان بصورة منتظمة من أوروبا. وكانت كل واحدة من هذه العناصر، في نظره، مرحلة تخدم الهدف نفسه وتكمل المراحل الأخرى.
ولهذا لم تكن القضية الأساسية في نظر دروزة أن بعض الناس الذين تعرضوا للاضطهاد في أوروبا جاؤوا إلى فلسطين وبدأوا العيش فيها. فقد كان المجتمع الفلسطيني يعيش، على امتداد التاريخ، في بلد اجتمع فيه أناس من أديان وجماعات مختلفة. وكان الخطر الحقيقي يتمثل في حركة مدعومة من الخارج، قوية الموارد المالية، شديدة التنظيم سياسيًا، تحاول أن تحدّد مستقبل فلسطين من طرف واحد متجاهلة إرادة السكان الأصليين للبلاد. ولم تكن الحركة الصهيونية تكتفي بإقامة مستوطنات جديدة، بل كانت تنشئ مؤسساتها واقتصادها وبنيتها الأمنية وآليات تمثيلها السياسي، وتبني خطوة بعد خطوة مجال سيادة منفصلًا. ووفقًا لدروزة، كان الهدف النهائي من كل هذه الأنشطة إضعاف الشعب الفلسطيني في بلاده ووضع سيادة البلاد تحت سيطرة حركة استعمارية منظمة.
4 ـ دحض الادعاء بأن الوعي الوطني الفلسطيني وُلد بعد عام 1948: كانت بعض السرديات التاريخية الصهيونية تقدم الهوية الفلسطينية بوصفها هوية اختُرعت لاحقًا ردًا على قيام إسرائيل، ولا تمتلك جذورًا تاريخية. وكان هذا النهج يتجاهل علاقة الفلسطينيين بأرضهم ووعيهم السياسي الذي ظهر قبل قيام إسرائيل بزمن طويل. أما سيرة محمد عزّة دروزة، ونشاطه السياسي، والمؤلفات التي كتبها، فكانت تدحض هذا الادعاء بوضوح.
فقد كانت حياته تبين أن وعيًا اجتماعيًا قويًا أخذ يتطور في فلسطين منذ العقد الثاني من القرن العشرين حول بيع الأراضي، والتمثيل السياسي، والاستقلال، والوحدة العربية، والحكم البريطاني، وسياسة الاستيطان الصهيوني. وكان المثقفون والسياسيون الفلسطينيون يتابعون عن كثب التغيّرات الجارية في بلادهم، وينظرون إلى أنشطة المنظمات الصهيونية في امتلاك الأراضي، وإلى الدعم الذي قدمته الإدارة البريطانية لهذه الحركة، بوصفهما خطرًا يتنامى باستمرار. ولم يكن هذا الوعي، بطبيعة الحال، يُعرّف دائمًا بصورته الحالية. فقد كان الانتماء العثماني والعروبة والوحدة السورية والفلسطينية تجتمع كلها داخل العالم الفكري نفسه. وكان الإنسان يستطيع أن يرى نفسه في آن واحد مواطنًا عثمانيًا، وعضوًا في الأمة العربية، وفلسطينيًا. لكن ذلك لم يكن دليلًا على غياب الهوية الفلسطينية، بل كان يُظهر الطبيعة المتعددة الطبقات والمتداخلة لهويات ذلك العصر.
وهنا تحديدًا تتجلى الأهمية الأساسية لدروزة. فقد أظهر أن الهوية الفلسطينية لم تنشأ بين ليلة وضحاها، ولا ظهرت فقط بعد قيام إسرائيل، بل تشكلت ضمن تحول سياسي طويل امتد من أواخر العهد العثماني إلى سنوات الانتداب البريطاني. وكانت حياته وكتاباته تكشف عن أن الشعب الفلسطيني امتلك في تواريخ أسبق بكثير شعورًا قويًا بالانتماء إلى بلاده، ووعيًا بالتمثيل السياسي والاستقلال.
5 ـ شهادة قامت مقام الأرشيف المفقود: لم تكن النكبة مجرد إخراج الناس من أراضيهم. بل كانت أيضًا تشتت الوثائق والمكتبات والأرشيفات الشخصية وسجلات المؤسسات الفلسطينية أو تدميرها. وقد أتاحت مؤلفات المؤرخين الفلسطينيين إنقاذ بعض الوثائق التاريخية من الضياع، وتسجيل حياة المدن والقرى والثقافة في المجتمع الفلسطيني.
وكان دروزة، من هذه الناحية، أكثر من مجرد مؤرخ. فقد كان في الوقت نفسه سياسيًا ومربيًا ومنظمًا وصحافيًا عاش في قلب الأحداث. ولذلك كانت مؤلفاته تروي من الداخل مجتمعًا كانت الأرشيفات الاستعمارية الرسمية تنظر إليه من الخارج. وكانت مذكراته واحدة من أهم السجلات التاريخية لنضال الاستقلال العربي وللنضال الفلسطيني في إطاره.
كما لا يمكن النظر إلى أعمال محمد عزّة دروزة بوصفها مجرد نصوص «رد فعل» تجيب على الادعاءات الصهيونية. فهو لم يكن يحاول فقط تفنيد ما يقوله الطرف الآخر، بل كان يبني العالم التاريخي الخاص بفلسطين. وهكذا كان يقلب نظام السرد الذي يحتل فيه التاريخ الصهيوني المركز ويبقى الفلسطينيون على الهامش. وكان لذلك معنى بالغ الأهمية. فقد أنشأ دروزة فضاء أرشيفيًا ينقل إلى الأجيال المقبلة وجود المجتمع الذي جرى إنكاره، وحياته السياسية، وذاكرته.
كان محمد عزّة دروزة صانعًا للتاريخ الذي عاشه، وشاهدًا عليه، ومفسرًا له، وبانيًا لذاكرته في الوقت نفسه. وابتداء من أواخر ثمانينيات القرن العشرين على وجه الخصوص، بدأ المؤرخون الإسرائيليون الجدد يشككون في بعض المسلمات الأساسية للسردية الرسمية المتعلقة بقيام الدولة. وبينما بدأ المؤرخون الإسرائيليون الجدد مساءلة السردية الرسمية بعد فتح أرشيفات الدولة، كان دروزة يسجل العملية نفسها وهي لا تزال جارية، ومن داخل المجتمع الفلسطيني.
إعادة قراءة محمد عزّت دروزة بعد غزة
واصل محمد عزّة دروزة النضال من أجل فلسطين حتى وفاته في منزله بدمشق سنة 1984. ومن الواضح أننا، بعد الإبادة الجماعية التي شهدتها غزة، في حاجة إلى الحديث أكثر بكثير عن دروزة، الذي سعى لإعادة الشعب الفلسطيني إلى موقع الفاعل في التاريخ في مواجهة السردية الصهيونية التي أقصت الفلسطينيين إلى خارجه.
أما إذا عبّرت عن مشاعري الشخصية، فلا بد لي من القول إن قصة حياته المشرفة كانت دائمًا مصدرًا عظيمًا للدافع بالنسبة إليّ. وفي كل مرة أقرأ حياته، أرى من جديد كيف يستطيع الإنسان أن يظل واقفًا شامخًا رغم كل ثقل العصر الذي يعيش فيه. لقد أصيب برصاصة في رأسه، وسُجن، ونُفي، وحُرم سنوات طويلة من العودة إلى وطنه، وشهد الكوارث الكبرى التي حلت بشعبه. ومع ذلك، لم يستسلم لليأس، ولم يتخل عن نضاله.
وكان أكثر ما يؤثر فيّ في حياة دروزة قدرته على أن يفتح لنفسه، بعد كل هزيمة واجهها، ميدانًا جديدًا للنضال. فعندما مُنع من نشاطه السياسي، اتجه إلى الكتابة، وحين أُغلق عليه باب السجن واصل القراءة والتفكير، وحين أُبعد عن بلاده حاول أن يبقي فلسطين حية في مؤلفاته. ووضع بدل كل إمكانية انتُزعت منه إمكانية أخرى، وكتب أكثر حين أُريد إسكاته، وتمسك بذاكرة وطنه على نحو أشد حين أُبعد عنه.
وكانت قصة حياته تقدم لنا دليلًا قويًا على أن الإنسان يستطيع، حتى في أشد الأزمنة ظلمة ويأسًا، أن يواصل طريقه متمسكًا بإيمانه وذاكرته ومسؤوليته التاريخية التي يحملها. وكانت تظهر أنه، رغم كل الهزائم والمنافي وخيبات الأمل، يمكن للإنسان أن يواصل النضال من دون أن يتخلى عن القيم التي يؤمن بصوابها، وأن يحافظ على إرادته وموقفه الأخلاقي مهما اشتدت الظروف.
كان كل ما هو صائب وجميل ويحمل في داخله شرفًا يقف إلى جانبه. وهو أيضًا ظل طوال حياته، بكل إرادته، واقفًا إلى جانب الحقيقة والعدالة وكل ما هو شريف. غير أن الإرث الذي تركه لنا محمد عزّة دروزة لم يكن مجرد قصة حياة مشرفة ينبغي الاقتداء بها. فمذكراته ودراساته التاريخية وتقييماته السياسية وشهاداته المفصلة عن العصر الذي عاشه، تمثل حتى اليوم أرشيفًا عظيمًا لا بد من الرجوع إليه. إن مؤلفاته مراجع فريدة لفهم مدن فلسطين وبنيتها الاجتماعية وحركاتها السياسية وممارسات الإدارة البريطانية ومراحل سياسة الاستيطان الصهيوني. ولهذا ينبغي ألا ننظر إلى أعماله بوصفها نصوصًا تنتمي إلى الماضي فحسب، بل بوصفها ذاكرة حية يجب استخدامها مصدرًا أساسيًا لفهم فلسطين.


تحميل المقال التالي...