أحدثكم عن شاعر سوداني شاب سرعان ما سيحمل لقب شاعر المسرح السوداني. وفي ذلك العهد البعيد، في مطلع ستينيات القرن العشرين، كان هذا الطالب الجامعي الذي يدرس الحقوق موسومًا بالرومانسية من جهة، وبالحداثة من جهة، على خطى محمد الماغوط وبدر شاكر السياب وأحمد عبد المعطي حجازي وعبد الوهاب البياتي وأقرانهم من رواد الحداثة الشعرية العربية. ومما كتب في قصيدة "ها هنا": "فلاة عتمة/ هباء من الرمل/ تناثر في خواء من البيد". وفي القصيدة ملاعبة الكلمات والخيال: عتمة فلاة طير من الأشجان/ رمل من العتمة/ رقاد بلا نعاس/ سهر على أرق/ غبارُ تيه/ زمن ضبع... وفي المسرحية التي سيكتبها هذا الشاعر الشاب تحت عنوان "حصان البياحة"، تتخلل أحد فصولها قصيدته "عيذاب".
من عيذاب قدم صاحبنا، وهو يصفها بالجزيرة، بينما تصفها التعريفات بالميناء التاريخي الذي خربه جنود السلطان صلاح الدين الأيوبي. وعلى ذمة ابن بطوطة أن فقيهًا أخبره أنها كانت أعظم مراسي الدنيا، منها يركب أهل المغرب وأهل مصر وأهل الشام إلى جدة للحج، وللتجارة تأتيها المراكب من الهند واليمن وزنجبار بالفلفل والبهار والرقيق، ويكتب ابن بطوطة "والآن قد خربت". هكذا انتهت مملكة عيذاب البحرية، مملكة القبائل "البجاوية" التي ينتسب إليها صاحبنا. وعلى ذمة ابن جبير أن أحمال الفلفل والقرفة كانت تلقى بقارعة الطريق مع سواها من السلع بلا حارس، وتبقى بموضعها إلى أن ينقلها صاحب.
إنها المكان الأول الذي سكن روح الشاعر الذي ستتعدد ألقابه، فلا يغادره على الرغم من أنه أسرع منذ عشرات السنين إلى الخرطوم، فإلى رومانيا وقطر إلى أن يستقر به المقام في الشارقة.
شاعرٌ وطالبٌ يدرس الحقوق هو إذًا، لكن السينما تناديه فيرمح إليها، وينتج عددًا من الأفلام القصيرة، وينال نصيبًا من الجوائز. وكما لبّى نداء السينما، لبّى نداء الأكاديمية، ولكن في المسرح، فحمل درجة الدكتوراه بفضل أطروحته "توظيف الأساطير في المسرح العربي المعاصر" وتبدأ عطاءاتها "الورشة الثقافية" التي اسمها يوسف عيدابي، كما هو اسم "المثقف المؤسسة".
في زيارتي الأولى للشارقة مشاركًا في معرض الكتاب الوليد عام 1984، التقيت بيوسف عيدابي أول مرة، وكانت بذرة الصداقة التي انتشت بين عشية وضحاها لتغدو سنديانة الصداقة خلال اثنتين وأربعين سنة مضت.
ليوسف عيدابي براءة الطفل، غرارته، والتواضع والدفء السودانيين. وله صلابة الماس، والهمة التي لا تفتر، والعطاء الذي لا ينتظر شكرًا. أما الخبرة، فاسألوا عنها الورشة والمؤسسة الثقافيتين اللتين اسمهما: يوسف عيدابي. والحق أن المرء ليحار في الحديث هنا، لذلك سأدعه يجري على هواه، فإذا بصديق العمر في صدر الجيل المؤسس للمسرح السوداني، مرة تراه كاتبًا مسرحيًا، ومرة مدرّسًا للمسرح. مرة تراه ينظّر ومرة تراه يعدّ نصوصًا تراثية أو يحققها. مرة ينظم برامج ومسابقات ويشكل ويدير لجانًا ثقافية من الخرطوم إلى الشارقة، ومرة يدير مركز التراث الشعبي في الدوحة ويؤسس مجلة المأثورات الشعبية. ومن العهد القديم تبرق البوارق: فيوسف عيدابي يؤسس مع الشاعر الراحل محمد عبد الحي ملحقًا لجريدة "الصحافة"، والملحق يصير جريدة عنوانها "ثمن الثقافة". بل هو يدير مركز الوثائق والفولكلور في السودان، وهو محاضر في جامعات سودانية ورومانية وإماراتية، بل هو مؤسس مجلة "وازا"، والوازا هي آلة موسيقية تنزف جمالًا وحزنًا في جنوب وشرق النيل الأزرق. وقد أسس هذه "الورشة/ المؤسسة الثقافية" مع محمد عبد الحي حركة/ تيار "الغابة والصحراء"، والاسم ينادي التفاعل بين ثقافة الصحراء العربية وثقافة الغابة الأفريقية، ويرمي إلى تضافر الهويات والإثنيات السودانية، وهذا ما كان أيضًا شاغلًا لتشكيلين سودانيين أسسوا "مدرسة الخرطوم" التشكيلية. وفي ذلك العهد البعيد ساهم في تأسيس معهد المسرح الذي تحول إلى كلية الدراما والموسيقى في جامعة السودان. ومما يعاجلني هنا هو أن يوسف عيدابي عمل سنوات شريكًا لمحمد الماغوط في الإشراف على الملحق الثقافي لجريدة "الخليج" الإماراتية، وأنه مستشار الهيئة العربية للمسرح، وأنه ظل لسنوات المنسق العام لمعرض الكتاب في الشارقة. وقد تتوجت هذه المسيرة الحافلة بموقع المستشار الثقافي لحاكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان القاسمي.
عبر كل هذا التاريخ الزاخر بدا المسرح هو المبتدأ وهو الخبر. وقد دعا يوسف عيدابي منذ شبابه إلى "مسرح لعموم أهل السودان"، بما يعني ذلك من استلهام الظواهر الاحتفالية الشعبية لجميع الإثنيات والثقافات، وليس المسرح فقط، بل للسينما أيضًا ولسواها من الفنون. ويحدد عيدابي استلهام الأشكال الفرجوية في السودان، نشدانًا للمسرح الاحتفالي الذي بشّر به وحمل رايته سعد الله ونوس. وفيما يخص تجربة يوسف عيدابي المسرحية، تحدث عن استلهامه مما قرأ من الأشكال الفرجوية في الأشعار الصوفية، وفي كتاب "الطبقات" ومن هذا الكتاب استمد مسرحيته "حصان البياحة"، وكان قد كتبها عام 1947، ومزج فيها – كما يعبر – بين التسجيلي واللامعقول والمسرح الشعري في لوحات تمزج الهوية والأصول العرقية والسلطة. وليوسف عيدابي أيضًا مسرحيات "العصفورة – والممثلون – الفنار – الحلم – المشوهون – المسوسون"، وللأسف لم يتح لي الاطلاع عليها.
لكن عيدابي ليس كاتبًا مسرحيًا فقط، بل هو الأكاديمي الذي أوقف على المسرح مؤلفات له، وأحدثها هو "الوافي في تاريخ المسرح في السودان". وقد تحدث فيه عن "السودنة" وعن الإعداد والتناص، وعن الفرق المسرحية، وأرّخ لـ "المسرح الوافد" في بدايات القرن العشرين. ومن مؤلفات يوسف عيدابي أيضًا "المسرح الأفريقي بين الممارسة المحلية والقالب الأوروبي". وهنا يتقد واحد من الملامح الأساسية له، ابتداءً بتشديده على أن المسرح ليس حكرًا على أوروبا. وقد أفرد ركنًا من هذا الكتاب لرواد مدرسة الزنوجة من خلال كتابات الشاعر المارتينيكي إيمي سيزار الذي جمعته باريس مع الشاعر السنغالي ليوبولد سيدارسنغور، وللرجلين في السياسة حضورهما الكبير، وقد أسسا معًا صحيفة "الطالب الأسود" التي أطلقت مصطلح "الزنوجة". ومن أعماله "السيرة المسرحية: شهادات ووثائق عن الحياة المسرحية في النصف الثاني من القرن العشرين"، و"دليل المسرح السوداني - الجزء الأول"، و"المسرح المناهض للاستعمار في السودان منذ مطلع القرن العشرين"، و"المسرح في الإمارات: صورة الواقع وأسئلة المستقبل" وفي غير المسرح له أيضًا "الفن الجديد في الإمارات: تغيير الواقع وآفاق المستقبل"، و"التراث الشعبي في الإمارات: بيبلوغرافيا شارحة".
يتصل بذلك ما يأخذه يوسف عيدابي على المسرح العربي، فيما يعده تبعية للمسرح الغربي، ومن ذلك أن المسرح الذي يُدرّس في الجامعات غربي. وينفي أن يكون ذلك من الإقليمية أو العنصرية. ولعيدابي تقييمه الصارم للمسرح العربي اليوم، حيث يذهب إلى أنه يمكن الحديث عن عروض مسرحية في أمصار عربية، وليس عن مسرح عربي. ويعلل ذلك بأن هذا المسرح بدا في سيرورته متقلبًا، مضطربًا، مشوهًا. ويعلل ذلك بالمحرمات المتكاثرة وبأذية الرقابة.
في رؤية يوسف عيدابي المسرحية أن المسرح أداة اجتماعية وسياسية ترمي إلى الاشتباك مع الواقع وإلى مساءلة السلطة. أما المسرح الذي لا ينحاز لقضايا الناس فيراه بذخًا غير مقبول. وقد تحدث بالأمس القريب (شباط/ فبراير 2026) عن مضيّ المسرحيين إلى معسكرات النزوح التي أفرزتها الحرب السودانية الراهنة، حيث الأطفال والنساء، فظهر "مسرح المقهورين" و"مسرح المشاركة". وشدّد على أن المسرح ليس فضاءً للفرجة، بل هو مختبر للوعي، يعيد تدريب المجتمع على الاختلاف، ويكسر دوائر الكراهية، وخاطب المسرحيين: "واصلوا الإبداع، فالإبداع هو القارب إلى النور". ومن قبل، كان يبدي ويعيد في أن المسرح الذي "نريده" هو "ذلك الكشاف لما يعتمل في النفس، وما يعتور في المجتمع (...) لا نريد مسرحًا للنخبة"، فحيث يكون مكان فيه شمس وفيه بدر تمام، يكون المسرح الذي "نريد".
في عام 2017 تم تشييد مركز يوسف عيدابي الثقافي. والمركز ينظم مسابقة سنوية، ويصدر كتبًا سيرية لرواد المسرح السوداني، ويعدّ أرشيف الكتابات النقدية. وقد استحق عيدابي الجوائز التي حملها، ومنها جائزة "رواد المسرح العربي" من "المهرجان السادس للمسرح العربي - 2007"، كما استحق التكريمات، وفي رأسها "مفتاح مدينة الشارقة - 2009"، وقبلها اختياره شخصية المهرجان من مهرجان أيام البقعة المسرحية في السودان - 2006، وبعدها تكريمه في مهرجان دمشق للفنون المسرحية 2012.
وبعد،
أحسب أن من المحبة - أم في رأسها - لمن أمضى عقودًا كورشة ومؤسسة ثقافية، إبداعًا وتأليفًا وإدارة، أن نتذكر مسيرته الزاخرة الطويلة هذه، ثم أن نطوّق عنقه بطوق من الورود التي ليس مثلها ورود، ثم نعانقه.


تحميل المقال التالي...