يُعرف السينمائي البرازيلي هيكتور بابينكو (Héctor Eduardo Babenco) (7 شباط/ فبراير 1946 – 13 تموز/ يوليو 2016) بأفلامه التي تمثل الضمير الاجتماعي، وتركز على الناس الذين يعيشون على هامش المجتمع. وبالتالي فإنه يشكل امتدادًا لحركة السينما الجديدة في البرازيل المعروفة بـ"سينما نوفو" (Cinema Novo) التي انطلقت في ستينيات القرن الماضي على أيدي مخرجين مرموقين مثل غلاوبر روتشا ونيلسون بيريرا دوس سانتوس وكارلوس دييغيس. وحظي بابينكو بشهرة عالمية من خلال أفلام حصدت الكثير من الجوائز في المهرجانات السينمائية الدولية، مثل "بيكشوت: قانون الأضعف" (1981)، و"قبلة المرأة العنكبوت" (1985)، و"كارانديرو" (2003). ونظرًا لمكانته الرفيعة تم اختياره عضوًا في لجان تحكيم مهرجانات عالمية عريقة مثل "كان" و"برلين" و"البندقية" و"صندانس".
ورغم أن ولادته كانت في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس لأب من أصول أوكرانية وأم يهودية بولندية مهاجرة، إلا إن هيكتور بابينكو نال الجنسية البرازيلية واعتبر نفسه سينمائيًا برازيلي الهوية والمقصد. في سن مبكرة ظهر اهتمامه بالفلسفة الوجودية. عاش في أوروبا بين عامي 1964 – 1968، ثم تنقل في العيش بين أميركا اللاتينية وأفريقيا، وخلال هذه المرحلة عمل في مهن شتى، ليعود ويقيم في مدينة ساو باولو البرازيلية عام 1971 حيث قرر أن يصبح مخرجًا سينمائيًا متأثرًا بحركة السينما الجديدة "سينما نوفو". تزامن ذلك مع الانقلاب العسكري الذي وقع في البرازيل آنذاك، وتصاعد عمليات القمع والتضييق على المثقفين والفنانين، ومنهم السينمائيون الذين اضطر معظمهم للهروب خارج البلاد. لكن مع ذلك صمد بابينكو في الداخل وتعلّم صناعة السينما بإخراجه عددًا من الأفلام القصيرة والوثائقية والإعلانية، إلى أن أخرج فيلمه الروائي الطويل الأول "ملك الليل" (1975).
"بيكشوت: قانون الأضعف" وأطفال الشوارع الذين يمثلون أدوار أنفسهم
كان أول فيلم يحقق شهرة عالمية لبابينكو هو "بيكشوت: قانون الأضعف" Pixote: A Lei do Mais Fraco (1981)، يتناول فيه المخرج حياة أطفال الشوارع في الأحياء الفقيرة من مدينة ساو باولو، من خلال رصد حياة الطفل "بيكشوت" (الذي يعني في البرتغالية: الصغير) ذي الأحد عشر عامًا وزملائه.
الأولاد الذين مثلوا في الفيلم هم أنفسهم أولاد شوارع متورطين في أعمال إجرامية مثل السرقة وتجارة المخدرات وغيرها. وبالتالي فإنهم يلعبون شخصياتهم هم وأدوار أنفسهم أمام الكاميرا التي تتبعهم في أماكن تواجدهم بأسلوب "السينما المباشرة" الأقرب إلى الوثائقي. يظهر هذا الأسلوب التوثيقي كيفية انسياقهم بالتدريج إلى تلك الأعمال الإجرامية، وتنقلهم من ساو باولو إلى ريو دي جانيرو في مهمة تجارة المخدرات. أسلوب الفيلم هذا نراه بدءًا من المشهد الافتتاحي، حيث يقف راوٍ (هو المخرج نفسه) فوق سطح أحد بيوت الصفيح في ساو باولو، ويصف هذه المنطقة وسكانها الفقراء، ويقدم إحصائيات وأرقامًا صادمة عن الفقر فيها وعن سكان البرازيل عمومًا، كما يقدم لأحداث الفيلم حيث يخرج من هناك معظم الأطفال المشردين لأسباب كثيرة أولها الفقر والإهمال وغياب الرعاية الحكومية في البرازيل آنذاك كتمهيد سوسيولوجي للأحداث.
اقتبس بابينكو الفيلم عن رواية للكاتب البرازيلي خوسيه لوزيرو، وكتب السيناريو وفق بنية خطية تتراصف فيها المشاهد القاسية إلى جانب بعضها بعضًا وصولًا إلى المشهد الأخير الذي شكل ذروة القسوة والمأساة في الفيلم، حتى بالمعنى الأرسطي. تتجلى هذه الذروة في المشهد الذي يقوم فيه بيكشوت بقتل الزبون الذي أوقعت به "سويلي" (ماريلا بيرا) وقادته إلى شقتها كي يأتي بيكشوت وزملاؤه في العصابة لسرقته. لكن بيكشوت، وبدل أن يكتفي بسرقة الزبون، يقوم، وبحركة طائشة ومن دون إدراك لنتائجها، بإطلاق النار على الزبون فيصيب زميله والزبون على حد سواء ويرديهما قتيليْن على الفور.
هنا، وأمام جريمة القتل هذه، تدخل سويلي في حالة من عودة الوعي، وتفكر بوضعها كممتهنة للدعارة والسرقة، فتقرر ترك هذه المهنة والعودة إلى بلدتها، وتطلب من بيكشوت العودة معها، حيث سيتعرف هناك على ابنها الذي يبلغ من العمر مبلغ بيكشوت، لكن بيكشوت يرفض الفكرة، ويخرج من شقتها لنراه في مشهد ختامي يسير بغير هدى على سكة قطار، في استعارة بصرية يقدمها المخرج عن استمرار حالة الضياع والتشرد لدى هذا الطفل إلى ما لا نهاية.
إن الولد الذي لعب دور بيكشوت نفسه (فرناندو راموس دا سيلفا) عاد بعد انتهاء تصوير الفيلم إلى مواصلة حياة الضياع والتشرد والجريمة، بل إنه قُتل في عام 1987 في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة. لنكون بذلك أمام نموذج آخر لتماهي السينما مع الواقع. التماهي الذي سيستخدمه لاحقًا المخرج البرازيلي الشهير فرناندو ميريليس في فيلمه "مدينة الله" (2002) وباولو موريلي في فيلمه "مدينة الرجال" (2007).
حصد الفيلم تسع جوائز عالمية. وكتب عنه الناقد روجر إيبرت مصنفًا إياه ضمن قائمة الأفلام الكبرى في تاريخ السينما، بينما اعتبره ناقد آخر أهم فيلم في الخمسة والعشرين عامًا الأخيرة.
"قبلة المرأة العنكبوت" وتشريح القمع والتعذيب في السجون الديكتاتورية
أخرج بابينكو فيلمه الأهم "قبلة المرأة العنكبوت Women Kiss of the Spider" عام 1985 عن رواية شهيرة للكاتب مانويل بويغ تحمل العنوان نفسه (ترجمها إلى العربية مالك سلمان، اللاذقية: دار نون، 1997). ونال الفيلم ثلاث عشرة جائزة عالمية أهمها الأوسكار لأفضل دور رئيسي للممثل ويليم هيرت، كما رشح لتسع جوائز منها أوسكار أفضل مخرج، وأفضل صورة، وأفضل سيناريو مقتبس عن عمل أدبي.
تقوم قصة الرواية/ الفيلم على مفارقة وجودية وسياسية تبدأ منذ اللحظة الأولى، وتتمثل باحتجاز صحافي وناشط سياسي يساري جنبًا إلى جنب مع أحد الشاذين جنسيًا في عتمة زنزانة واحدة من زنازين أحد السجون البرازيلية في مرحلة الحكم العسكري الديكتاتوري. فالشاذ لويس مولينا (الذي لعبه وليم هيرت) يرتدي زي المرأة، ويلجأ إلى تزجية الوقت وسد الفراغ النفسي عبر إعادة حكاية قصص وتمثيل مشاهد من أفلام سينمائية قديمة بأسلوب ميلودرامي في محاولة منه للترويح عن نفسه ونفس شريكه في الزنزانة، الصحافي فالنتين أرغوي (راؤول جوليا). لنكون بذلك أمام تقنية "الفيلم داخل الفيلم" المستعارة من "المسرح داخل المسرح". لكن الأهم من كل هذا هو ما يكشفه الفيلم عن الأساليب النفسية والأدوات الوحشية التي تعتمدها الأنظمة الشمولية لكسر إرادة المعارضين السياسيين، سواء داخل السجن أو خارجه.
وكيف أن هذا النظام يطبق سيطرته على كامل المجتمع من خلال أجهزته الاستخباراتية والقمعية، وأساليبه في التعذيب وانتزاع الاعترافات. فإدارة السجن تتعمد وضع شخصين نقيضين في زنزانة واحدة، ثم تحاول الإيقاع بينهما، وهو ما نبه إليه فالنتين في المشهد الذي يتلقى فيه صحني الطعام متفاوتي الكمية كي يتنازعا على الصحن ذي الكمية الأكبر. ثم محاولة هذه الإدارة تجنيد مولينا للتجسس على فالنتين من خلال نقل ردود أفعاله، وبالتالي معلومات إلى إدارة السجن، وصولًا إلى قيام الإدارة بتقديم الطعام المسموم لفالنتين كي يمرض ويصاب بالضعف والوهن ومن ثم ابتزازه لانتزاع الاعترافات مقابل نقله إلى المستشفى. وأخيرًا إطلاق سراح مولينا لأنهم يفترضون أنه سينقل رسالة إلى رفاق فالنتين وبالتالي يتمكنون من خلال مراقبته التعرف عليهم واعتقالهم. وهذا ما حدث بالفعل. لكن ينتهي الأمر بمقتل مولينا في تبادل لإطلاق النار بين عناصر الاستخبارات ورفاق فالنتين. أما فالنتين فينتهي في المستشفى لعلاجه من آثار التعذيب الذي مورس عليه في السجن بغية انتزاع الاعترافات. لكن، ولكي يتجنب المخرج إنهاء فيلمه بهذه النهاية المأساوية، يدخل فالنتين في مشهد حلم، بعد أن يأخذ حقنة المورفين المنومة والمسكنة للألم الشديد، وقد خرج فيه من السجن إلى العالم الذي يحلم بتحقيقه ويلتقي فيه حبيبته التي تركها وحيدة.
الإنتاجات الضخمة وتوظيف كبار الممثلين والعودة للسجن السياسي
بعد "قبلة المرأة العنكبوت" ينتقل بابينكو لإخراج الأفلام التي تعتمد على الميزانية الضخمة والنجوم الكبار، فيخرج فيلمًا بعنوان "العشب الحديدي الضار" Ironweed (1987) من بطولة جاك نيكلسون وميريل ستريب عن رواية تحمل الاسم نفسه للأميركي وليم كندي، وتدور أحداثه في نيويورك في ثلاثينيات القرن الماضي، زمن الكساد الاقتصادي. بعده يخرج فيلمًا بعنوان "اللعب في حقول الرب" At Play in the Fields of the Lord (1991) عن البعثات التبشيرية التي تحاول نشر الدين المسيحي وسط السكان الأصليين في أميركا الجنوبية، وتسعى لتحقيق تعايش الأديان والثقافات الأميركية الأصلية مع الثقافة الأميركية الحديثة. وبعد سبع سنوات يخرج بابينكو فيلمًا رومانسيًا دراميًا بعنوان "قلب أحمق". إلى أن يصل إلى فيلمه الأهم في تلك المرحلة، وهو "كارانديرو" Carandiru (2003)، الذي نال اثنتي عشرة جائزة عالمية ورشح لنيل خمس وعشرين.
في هذا الفيلم الملحمي يعود بابينكو إلى الموضوع الذي كان قد بدأه مع فيلم "بيكشوت"؛ أي المشردين وتجار المخدرات والمجرمين والشاذين جنسيًا. و"كارانديرو" هو اسم لأسوأ سجن عرفته البرازيل عبر تاريخها، ويقع في مدينة ساو باولو. وفيه وقعت أحداث شغب مروعة عام 1992 راح ضحيتها مائة وأحد عشر سجينًا. يستعيد المخرج هذه الحادثة عبر القصة الحقيقية للدكتور دروزيو فاريلا الذي ذهب إلى السجن في مهمة لتوعية المساجين بأخطار مرض الإيدز، الذي كان منتشرًا بينهم، وطرق الوقاية منه، وخلال عمله يجد مئات المحكومين الذين يعانون شتى أنواع العذاب والإذلال بغير وجه حق. وهو ما أدى إلى حادثة التمرد تلك ونهايتها الكارثية. لاحقًا (في عام 2002) هدمت الحكومة البرازيلية ذلك السجن السيئ السمعة الذي كان يضم ثمانية آلاف سجين، مع أن طاقته الاستيعابية لم تكن تتجاوز ثلاثة آلاف. وكان بابينكو قد صور الفيلم قبل هدمه بأشهر قليلة.
بعد "كارانديرو" يخرج بابينكو فيلم "الماضي" El Pasado (2007) يقارب فيه قضية تفكك العلاقات الزوجية من خلال رصده لحالة طلاق بين زوجين تمت بعد مضي أكثر من اثني عشر عامًا على زواجهما. لكن هذا الطلاق يتم بطريقة مختلفة؛ يبقى فيه الزوجان المطلقان على علاقة صداقة، ويستمران في مشاركة الأشياء التي يمتلكانها.
في هذه المرحلة يشارك بابينكو في مشاريع سينمائية وتلفزيونية جماعية، حيث يخرج حلقتين في مسلسل تلفزيوني عن الحب بعنوان "كارانديرو – قصص أخرى" (Carandiru, Outras Histórias) (2005)، ويشارك في مسلسل تلفزيوني أنجزه مخرجون عالميون عن علاقة الإنسان بالله بعنوان "كلمات مع الآلهة" Words with Gods (2014). وهو الجزء الأول من سلسلة أفلام مختارات سينمائية رائدة بعنوان "نبض العالم" (Heartbeat of the World). تتألف السلسلة من عدة أفلام قصيرة أبدعتها نخبة من أكثر المخرجين تميزًا وإثارة للاهتمام على مستوى العالم، ويتمحور فيلم "كلمات مع الآلهة" (Words with Gods) حول موضوع الدين، وتحديدًا فيما يتعلق بعلاقة الفرد بإلهه (أو آلهته)... أو غياب هذا الإيمان تمامًا. وكانت الفقرة التي أخرجها بابينكو بعنوان "الرجل الذي سرق بطة" (The Man That Stole a Duck).
"صديقي الهندوسي": فيلم الوداع عن سحر السينما في مواجهة الفناء
قبل وفاته يخرج بابينكو فيلمه الوداعي الذي يحمل عنوان "صديقي الهندوسي" (Meu Amigo Hindu) (2015). وهو عمل سينمائي مؤثر يحمل طابع السيرة الذاتية شديدة الخصوصية. يروي الفيلم قصة مخرج سينمائي (يجسد شخصيته النجم ويليام دافو) يُشخص بإصابة بمرض السرطان ويواجه الموت تقريبًا. في أثناء رحلة علاجه القاسية والمؤلمة في المستشفى، يلوذ بخياله وفنه، ويتعرف على طفل هندوسي صغير مصاب بالسرطان أيضًا في الغرفة المجاورة. ينشأ بينهما رابط إنساني فريد وقصير، يصبح بمثابة طوق نجاة روحي يعيد له الأمل والشغف بالحياة.
الفيلم مستوحى بالكامل من تجربة المخرج هيكتور بابينكو الشخصية وصراعه الحقيقي مع سرطان الغدد الليمفاوية (الليمفوما)؛ لذلك جاء الفيلم بمثابة رسالة وداع سينمائية مفعمة بالمشاعر الصادقة، وتأملٍ عميق في الفن، والموت، والولادة الجديدة.
يتميز الفيلم بأداء استثنائي ومؤثر من ويليام دافو، الذي استطاع نقل المعاناة الجسدية والنفسية للشخصية ببراعة، وساعده في ذلك رؤية بابينكو الإخراجية التي جردت المرض من الرومانسية وقدمته بواقعية شجاعة تخلو من استدرار العطف.
اعتبر الفيلم قصيدة بصرية تشيد بقوة الإرادة البشرية وسحر السينما في مواجهة الفناء.
جماليات سينما بابينكو: الصورة كأداة للمساءلة الفلسفية والأخلاقية
لا تنبع أهمية هيكتور بابينكو من مجرد تبنيه للقضايا السياسية والاجتماعية، بل من الخصوصية الجمالية والأسلوبية التي ميزت لغته البصرية، والتي يمكن تلخيصها في المحاور التشكيلية والفلسفية التالية:
- الواقعية الخام والجرأة الوثائقية (Raw Realism):
يرفض بابينكو تجميل الواقع أو "رومنسة" الفقر؛ فجماليات الصورة عنده تتسم بالاعتماد على الإضاءة الطبيعية، والزوايا الحادة، واللقطات القريبة التي تواجه المشاهد ببؤس الشارع وعتمة الزنازين. إن اختياره للممثلين غير المحترفين (كما في بيكشوت) أو التصوير في الفضاءات الحقيقية قبل زوالها (كما في سجن كارانديرو) يضفي على أفلامه طابع "سينما الحقيقة" (Cinéma Vérité)، حيث تصبح الكاميرا شاهد عيان محايدًا وصادمًا في آن واحد. - شاعرية العتمة والهروب بالفانتازيا (Chiaroscuro & Escape):
رغم قتامة المواضيع التي يطرحها، يمتلك بابينكو قدرة فائقة على خلق تباينات بصرية وجمالية داخل الفضاءات الضيقة. في فيلم "قبلة المرأة العنكبوت"، تتحول الزنزانة المعتمة والمقفلة بفضل الإضاءة المتباينة (chiaroscuro) إلى مسرحٍ شاعري تلتقي فيه السينما بالواقع. الجمالية هنا تنبع من استخدام "المخيلة" والقص السينمائي كآلية دفاعية للبقاء؛ فالأحلام والأخيلة (الفانتازيا) واستدعاء شريط الذكريات البصرية ليست مجرد هروب، بل هي أدوات جمالية لمقاومة التشظي النفسي والتعذيب الجسدي. - الأنسنة وتفكيك الأنماط الجاهزة (Humanization vs. Stereotyping):
تتجلى عبقرية بابينكو الجمالية في إدارته للشخصيات؛ فهو لا يرى في "المجرم"، أو "المومس"، أو "المثلي"، أو "الطفل المشرد" مجرد أرقام أو نماذج نمطية (Stereotypes). بدلًا من ذلك، يعيد بناءهم جماليًا كذوات إنسانية مركبة ومليئة بالضعف، والشغف، والبحث عن الحب. الكاميرا عنده لا تدين ولا تطلق أحكامًا أخلاقية، بل تفكك البيئة السوسيولوجية التي أنتجت هذا السلوك، مما يجبر المتلقي على التعاطف والمساءلة الأخلاقية لـ"السيستم" أو النظام الحاكم بدلًا من إدانة الضحية. - البنية السردية المتداخلة والزمن النفسي:
تتراوح البنية السردية في سينما بابينكو بين الخطية التراجيدية الصارمة والتداخل السردي الميتا-سينمائي. إنه يتلاعب بالزمن؛ فالزمن الفعلي (الفيزيائي) داخل السجن أو الشارع يتلاشى أمام "الزمن النفسي" للشخصيات، والذي يعبّر عنه المخرج عبر المونتاج المتوازي، وأحلام اليقظة، والمجازات البصرية الختامية (مثل سكة القطار في بيكشوت أو الإبحار نحو الأفق في قبلة المرأة العنكبوت)، لتتحول الصورة لديه من مجرد وثيقة سياسية إلى قصيدة بصرية عن العزلة، والحرية، والشرط الإنساني المأزوم.
خاتمة
ثمة مخرجون يصنعون السينما لتروي حكايات الآخرين (وأحيانًا حكاياتهم)، وثمة مخرجون - كـهيكتور بابينكو - يذيبون حيواتهم، بجراحها وهزائمها وانتصاراتها، ليحولوها إلى شريط سينمائي ينبض بالصدق.
في ختام هذه المقالة، يتجلى لنا بابينكو كأحد أبرز الأصوات الإنسانية في السينما اللاتينية والعالمية؛ مخرجٌ لم يتنازل يومًا عن شجاعته في تظهير الهوامش المنسية، سواء كان ذلك عبر رصد قسوة الشوارع وعالم الطفولة المشوه في "بيكشوت"، أو في تشريح عزلة الجسد والروح خلف القضبان في "قبلة المرأة العنكبوت" و"كارانديرو".
لم تكن واقعية بابينكو مجرد خيار فني أو مدرسة بصرية، بل كانت التزامًا أخلاقيًا تجاه الإنسان في أقصى درجات ضعفه وانكساره. وحتى عندما شارف قطار حياته على الانتهاء، لم يجد ملاذًا أصدق من الكاميرا ليواجه بها فكرة الفناء، فقدم في فيلمه الأخير (صديقي الهندوسي) شهادة سينمائية ذاتية، تبرهن على أن الفن ليس مجرد أداة للتعبير، بل هو طوق نجاة، وفعل مقاومة ضد الموت والنسيان.
رحل هيكتور بابينكو تاركًا إرثًا سينمائيًا لا يموت؛ إرثًا يعلمنا أن الكاميرا حين تُوجّه صوب الحقيقة العارية تكتسب قدرة فريدة على الخلود. إن سينما بابينكو ستبقى دائمًا مرآة شجاعة لروح بشرية قاومت القبح بالجمال، وحوّلت الألم الشخصي والعام إلى قصائد بصرية عابرة للزمن.


تحميل المقال التالي...