ارتبط المسرح بالحياة منذ نشأته الأولى، لأن الشخصية المسرحية حملت إلى الخشبة أسئلة الإنسان الأساسية... ماذا يريد؟ ممَّ يخاف؟ كيف يختار؟ وما الذي يحدث حين يخطئ الاختيار؟ ومن خلال هذه الأسئلة تشكلت واحدة من أكثر الأدوات قدرة على قراءة النفس الإنسانية، حيث تتكشف الشخصية عبر أفعالها وقراراتها وعلاقاتها وصراعها مع القوى التي تعترض طريقها.
في التصوّر الأرسطي للتراجيديا يحتل الفعل مكانة مركزية. الشخصية تظهر من خلال ما تفعله، ومن خلال القرارات التي تتخذها عندما تواجه الضغط والخطر والتحول. ولهذا تصبح الحبكة سلسلة مترابطة من الأفعال التي تقود الشخصية من حالة إلى أخرى، حتى تصل إلى لحظة يتغيّر فيها مصيرها بصورة جذرية.
ومن أهم المفاهيم التي قدمها أرسطو في هذا السياق مفهوم الهامارتيا/ Hamartia، أو الخطأ التراجيدي. يشير هذا المفهوم إلى خطأ في الفعل، أو الحكم، أو التقدير، يقود الشخصية إلى نتائج قاسية. وقد يتحول قرار واحد اتُّخذ في لحظة معينة إلى بداية سلسلة طويلة من النتائج التي يصعب إيقافها لاحقًا.
تكتسب هذه الفكرة عمقًا أكبر حين ترتبط بمفهوم آخر عند أرسطو، هو الانقلاب/ Peripeteia، حيث ينتقل مسار الشخصية من الاستقرار، أو القوة، إلى المحنة والانهيار. ثم تأتي لحظة المعرفة/ Anagnorisis، وهي اللحظة التي تنكشف فيها الحقيقة أمام الشخصية، فتفهم شيئًا كان غائبًا عنها، وتعيد قراءة أفعالها السابقة على ضوء هذه المعرفة الجديدة.
في مأساة أوديب، مثلًا، تصنع هذه العناصر جوهر التجربة التراجيدية. فالشخصية تتحرك، وتبحث، وتسأل، وتقرر، ثم تصل إلى الحقيقة التي كانت تسعى إليها، وعند لحظة الاكتشاف يصبح معنى الأفعال السابقة مختلفًا تمامًا. المعرفة هنا تحمل معها الألم، لأنها تصل بعد أن أخذت الأحداث مسارًا لا يمكن استعادته.
ومن هذه النقطة يبدأ التقاطع العميق بين المسرح والحياة.
نحن نعيش بين أشخاص تتشكل مصائرهم بالطريقة ذاتها تقريبًا؛ قرار صغير، ثم قرار آخر، ثم موقف يترسخ، ثم سلسلة من النتائج. بعضهم يكتشف الحقيقة في وقت مبكر، وبعضهم يصل إليها بعد أن أصبحت آثار قراراته ثقيلة، وبعضهم يرى إشارات الانحدار ويستمر رغم وضوحها.
وهنا تظهر سمة التصلب، أو التعنت، التي نجدها في عدد من الشخصيات التراجيدية، وخاصة في التراجيديا اليونانية. وهذه السمة ترتبط ببعض الشخصيات أكثر من ارتباطها بقاعدة عامة للتراجيديا. كريون في "أنتيغونا" يقدم مثالًا واضحًا على شخصية تتمسك بموقفها إلى الحد الذي يتحول فيه الثبات إلى قوة مدمرة. يبدأ القرار من سلطة يعتقد صاحبها أنها تحمي النظام، ثم يتحول الإصرار إلى عجز عن رؤية الطرف الآخر، حتى تتراكم الخسائر.
ويتصل بهذا أحيانًا مفهوم الهيبريس/ Hubris، الذي ارتبط في الثقافة اليونانية بفكرة التجاوز والغرور والإفراط في تقدير الذات أو المكانة. وقد ظهر هذا المفهوم في قراءة عدد كبير من الشخصيات التراجيدية، خصوصًا حين يدفع الشعور بالقوة الإنسان إلى تجاوز حدوده، أو تجاهل التحذيرات التي تحيط به.
وتصبح المأساة أكثر إيلامًا حين تبدأ الشخصية في إدراك مسارها، ثم تواصل السير فيه. هنا ندخل منطقة تتجاوز التعريف الأرسطي الضيق للهامارتيا، وتقترب من التجربة الإنسانية كما نراها كل يوم. فالإنسان قد يعرف أن موقفه يؤذيه، وقد يشعر بأن علاقة ما تنهار بسبب عناده، وقد يلاحظ أن كبرياءه يدفع الآخرين بعيدًا عنه، ومع ذلك يستمر.
تظهر هذه الشخصيات في الفضاء الأخضر للحياة، في العائلة والعمل والصداقة والحب، كما تظهر في الفضاء الأزرق الافتراضي، حيث يعيش الإنسان جزءًا كبيرًا من حياته عبر الشاشات. ففي العالم الرقمي يزداد التمسك بالموقف صعوبة وتعقيدًا، لأن الرأي الذي يعلنه الإنسان أمام الجمهور يتحوّل أحيانًا إلى جزء من صورته وهويته.
قد يكتشف شخص خطأ ما كتبه، أو دافع عنه، ثم يجد الاعتراف بالخطأ أشد وطأة عليه من الاستمرار فيه. وهكذا تتحول الفكرة إلى موقف، والموقف إلى هوية، والهوية إلى قيد. ومع كل خطوة جديدة تضيق مساحة التراجع، ويبدأ السقوط التراجيدي في التكون بهدوء.
هذه الصورة تقودنا إلى سؤال الإرادة والقدر. فالشخصية التراجيدية تبدو أحيانًا وكأنها تتحرك نحو نهاية مكتوبة سلفًا، ومع ذلك يمكن النظر إلى هذا المصير من زاوية أخرى... مجموعة من القرارات المتراكمة التي صنعت الطريق خطوة بعد خطوة.
قد يكون ما نسميه قدرًا في بعض الحالات سلسلة من الاختيارات التي تكرّرت حتى أصبحت أقوى من صاحبها.
وهنا يمنحنا المسرح فرصة استثنائية لفهم هذه المسارات. فهو يجمع سنوات من القرارات والتحولات في زمن قصير، ويكشف العلاقة بين البداية والنهاية، وبين الخطأ والنتيجة، وبين المعرفة التي تأتي في الوقت المناسب والمعرفة التي تصل بعد فوات اللحظة الحاسمة.
ومن خلال التراجيديا، نتعلم أن السقوط لا يحتاج دائمًا إلى شر عظيم. أحيانًا، يكفي خطأ في التقدير، أو إصرار طويل، أو عجز عن مراجعة الذات، أو خوف من الاعتراف بالحقيقة. ومع تراكم هذه العناصر يبدأ المصير في التشكل.
لهذا تبدو الشخصية التراجيدية قريبة منا إلى هذا الحد. نحن نراها في أوديب وكريون وأنتيغونا، ثم نراها في الإنسان الذي يجلس قربنا، وفي الشخص الذي نتابعه عبر الشاشة، وربما نرى بعض ملامحها داخل أنفسنا أيضًا.
وهل يمكن أن يمتد هذا التصور إلى السياسة؟ الشخصيات السياسية تتحرك أيضًا داخل شبكة من القرارات والصراعات والمصالح والضغوط، وقد يصبح الخطأ الذي ارتكبته في لحظة ما جزءًا من مسارها كله. فالسياسي الذي يربط صورته العامة بقرار معين قد يجد نفسه أكثر تمسكًا به كلما ظهرت نتائجه السلبية، لأن التراجع عنه يعني بالنسبة إليه الاعتراف بخطأ سبق أن دافع عنه أمام الجمهور. هنا يمكن للخطأ السياسي أن يقترب من البنية التراجيدية حين يتحول من قرار قابل للمراجعة إلى موقف مرتبط بالهوية والسلطة والسمعة، وحين تصبح المحافظة على الصورة أقوى من القدرة على إعادة النظر.
ويظهر الأمر بصورة مشابهة لدى بعض الشخصيات الفنية. فالفنان يعيش أيضًا تحت ضغط الصورة التي صنعها لنفسه، والصورة التي صنعها الجمهور عنه. النجاح قد يمنح صاحبه شعورًا بالقدرة والاستمرار، وقد يدفعه أحيانًا إلى تكرار خيارات تسببت في أزمات سابقة. وقد يتحول الخوف من فقدان المكانة، أو الرغبة في الحفاظ على الحضور، أو الإصرار على صورة قديمة للذات إلى مسار تتراكم داخله القرارات حتى يجد الفنان نفسه في مواجهة النتائج التي شارك في صنعها.
والشخصيات الاجتماعية تعيش المسار نفسه بأشكال مختلفة، وخاصة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي. فالشخص الذي يبني حضوره على موقف، أو رأي، أو صورة معينة، قد يصبح أسيرًا لها. كلما اتسعت دائرة المتابعين ازدادت كلفة التراجع، وكلما ارتبطت صورته العامة بما قاله في السابق أصبح الاعتراف بالخطأ أكثر صعوبة. وقد يصل إلى مرحلة يرى فيها التناقض بين الحقيقة والصورة التي يقدمها، ويستمر مع ذلك في حماية الصورة. وفي هذه المنطقة يلتقي الاجتماعي بالسياسي والفني، لأن الإنسان في المجالات الثلاثة يواجه السؤال نفسه... هل يستطيع مراجعة ذاته قبل أن يتحول الخطأ إلى مسار؟
وهكذا تنتقل الشخصية التراجيدية من الخشبة إلى المجال العام. السياسي والفنان والشخصية الاجتماعية قد يحمل كل منهم، في لحظة معينة، عناصر من ذلك المسار: قرار، ثم إصرار، ثم نتائج، ثم معرفة متأخرة، أو مقاومة لهذه المعرفة. ويصبح الجمهور في موقع قريب من جمهور المسرح؛ يرى المؤشرات، ويتابع التحولات، ويتوقع النهاية أحيانًا قبل أن تصل الشخصية نفسها إلى لحظة إدراكها.
المسرح يضع هذه التجربة أمام أعيننا بصورة مكثفة، والحياة تمنحها زمنًا أطول ومساحات أكثر تعقيدًا.
ويبقى السؤال الذي يرافقنا بعد انتهاء العرض:
هل السقوط التراجيدي نتيجة خطأ واحد، أم أنه يبدأ حين يتحوّل الخطأ إلى موقف، والموقف إلى عادة، والعادة إلى طريق يواصل الإنسان السير فيه حتى عندما تبدأ النهاية في الظهور أمامه؟


تحميل المقال التالي...