}

المرأة والكتابة: من سلطة المنع إلى سلطة الاعتراف (1-2)

فاطمة بن محمود 25 أغسطس 2026
آراء المرأة والكتابة: من سلطة المنع إلى سلطة الاعتراف (1-2)
(Illustration by Nate Woeber)


في مقالته الشهيرة "ما المؤلف؟"، تحدّث ميشال فوكو عن "اسم المؤلف" (1) بوصفه لا يقف خارج النص، بل يؤدي وظيفة داخل الخطاب، ويسهم في تصنيف النصوص وتحديد طريقة تلقيها، فالاسم ليس علامة محايدة، وإنما يدخل في تشكيل هوية الكاتب وموقعه داخل المجال الأدبي. لذلك عرفت علاقة المرأة الكاتبة بالاسم، في تجارب أدبية وثقافية مختلفة، تحولات مهمة: من إخفاء الاسم الحقيقي والالتجاء إلى الاسم المستعار بوصفه درع نجاة، إلى تحوّله لاحقًا إلى تعبير عن هوية أدبية، وصولًا إلى الحاجة أحيانًا إلى سند خارجي يثبت شرعيته الإبداعية.

وعلى امتداد تاريخ المرأة الكاتبة، بدت إشكالية الاسم معقدة، تعكس في جانب منها طبيعة الوضع الملتبس للمرأة في المجال الأدبي داخل مجتمع تحكمه خصوصياته الاجتماعية والثقافية. فكيف تشكلت علاقة المرأة الكاتبة باسمها؟ وإلى أي مدى استطاعت أن تتحكم فيه، وأن تجعله يعكس هويتها الإبداعية ويمنح النص استقلاله عن سلطة الآخرين؟

لعل تجربة المرأة العربية الكاتبة تلتقي، في بعض جوانبها، مع مشاغل المرأة الكاتبة وأسئلتها في تجارب وثقافات أخرى، لكنها تختلف عنها أيضًا وفق سياقات اجتماعية وثقافية مغايرة. فما خصوصية علاقة الكاتبة العربية باسمها؟ وما الرهانات التي تطرحها هذه العلاقة في مسارها نحو تثبيت حضورها الأدبي؟

1- الاسم بوصفه قناعًا

عندما وضع جيرار جينيت مفهوم "عتبات النص"، قصد العناصر التي تسبق النص وتحیط به، مثل العنوان والإهداء والغلاف واسم المؤلف وغيرها، واعتبرها من مكوّنات النص الموازي التي تسهم في توجيه القراءة والتأثير في تلقي النص (2).
أن يضع المؤلف اسمه واضحًا على غلاف كتابه يعكس رغبة في التواصل مع القارئ بوجه مكشوف، ويشير أيضًا ضمنًا إلى رغبة في تقديم نفسه وعمله بمسؤولية كاملة، لكن لم يكن الوضع دائمًا بهذا الشكل، إذ نجد في التاريخ الأدبي العديد من المؤلفين يتراجعون عن التعريف بأنفسهم ويضعون حواجز مع القارئ ويختارون الكتابة من خلف أسماء مستعارة لإخفاء الهوية، وبمرور الوقت يصير القناع هو الوجه الظاهر أمام الآخرين، الوجه الأكثر شهرة وتحققًا أدبيًا. حدث هذا في كل الثقافات تقريبًا ولكلا الجنسين.

في سنة 1804 وُلدت أمانتين أوروا لوسيل في فرنسا، التي ستعرف لاحقًا باسم "جورج صاند"، تَخَفَّت باسم رجل لتكتب كل نصوصها، وفي سنة 1886 وُلدت في الناصرة ماري إلياس زيادة، التي اختارت لنفسها اسم "مي" وعُرفت باسم مي زيادة. واختارت عائشة عبد الرحمن أن تنسب إلى المكان لتكتب تحت اسم مستعار هو "بنت الشاطئ".

لم يقتصر الأمر على النساء فقط، فقد عُرف عن العديد من مشاهير الأدب لجوئهم إلى الكتابة تحت أقنعة، من ذلك أن علي أحمد سعيد صار أدونيس، والكاتب الجزائري محمد مولسهول الذي نشر رواياته باسم ياسمينة خضرا، وهو اسم زوجته، والقائمة تطول.

2 - الاسم المستعار: من درع النجاة إلى صناعة الحضور

التجأت بعض النساء المبدعات إلى الكتابة باستعمال أسماء مستعارة، يخترنها من المكان الذي ينشأن فيه، للتعبير عن انتمائهن المتجذر في الفضاء المكاني، بكل ما يمثله من إرث ثقافي وقيم أخلاقية وضوابط اجتماعية، فنجد: "بنت الشاطئ" (3)، و"بنت البادية"، و"بنت البحر".

الانتماء إلى المكان لا يعني أن المرأة ترفض قيم المكان وثقافته، غير أن في تلك الثقافة وعيًا ذكوريًا يميل إلى التشدد، ويمنع المرأة من حقها في حياة عادية تتوافر فيها شروط إنسانية من كرامة وتقدير، ويَحُول دون تحقيقها لذاتها من خلال وسائط متعددة، من بينها الكتابة التي تسمح لها بالخروج إلى المجتمع للتعبير عن رؤيتها للعالم، وموقفها من الوجود، وآرائها في الحياة، وانفعالاتها في تجارب مختلفة.
من خلال مناورة واعية، تعلن المرأة الكاتبة تشبثها بالمكان وانتماءها إليه، وفي الوقت نفسه ترفض الوعي الذكوري المتشدد الذي يحاصر حضورها فيه؛ لذلك تلجأ إلى الكتابة تحت اسم مستعار يستمد شرعيته من المكان نفسه.
كأن المرأة تريد أن تقول: أنا ابنة هذا المكان، ولذلك لي الحق في أن أتكلم باسمه ومن داخله.

2أ - الاسم المستعار: درع نجاة

أظهرت بعض الدراسات أن استعمال الكاتبات للأسماء المستعارة لم يكن مجرد وسيلة لإخفاء الهوية، بل ارتبط أيضًا باستراتيجيات الظهور والتفاوض مع المجال الأدبي وبناء صورة المؤلفة (4).

ومن هنا يمكن النظر إلى الاسم المستعار لا بوصفه أداة للاختفاء فحسب، وإنما بوصفه وسيلة لإتاحة الظهور؛ فالكاتبة تخفي هويتها الاجتماعية لكي تُظهر صوتها الإبداعي، بمعنى أن الاسم المستعار، أو الاسم البديل، لا تعتمده المرأة للتخفي من المجتمع أو للهروب منه أو للتخفيف من تشابكاته؛ فهي تلجأ إليه لتخفي نفسها من جهة، ولتُبرز أفكارها ومواقفها وانفعالاتها من جهة أخرى. لذلك يتحول الاسم إلى قناع يقيها شرّ المجتمع المنغلق، وفي الوقت نفسه يتيح لها التعبير عن ذاتها. وهذا يعني أن غايتها من استعمال الاسم المستعار ليست الاختفاء في حد ذاته، بل البروز وتقديم ذاتها بدون الدخول في مواجهات قد تعطل مسارها، وتشوش أفكارها، وتجهض أحلامها. كأن المرأة تقول، بصورة ضمنية: "لكي أستطيع أن أكتب، ينبغي ألا يعرفوا أنني أنا التي أكتب".

فالاسم المستعار هنا يصبح قناعًا دفاعيًا في مواجهة مجتمع يرى المرأة من خلال موقعها الاجتماعي والجندري قبل أن يراها كاتبة، في ظل ثقافة محافظة تميل إلى التشدد وتحاصر المرأة في البيت. وهذا يعني أنها ثقافة تتعمد إخفاء المرأة تمامًا عن المشهد العام. لذلك وظيفة الاسم المستعار هنا ليست إخفاء المرأة، بل تقديمها حتى تستطيع أن تعبر عن إبداعها بدون عوائق، فهو قناع دفاعي يخفف عنها المواجهات التي تعرقل مسيرتها ويحميها من تشدّد المجتمع.

من اليمين: بنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن)، يمنى العيد (حكمت الخطيب)، جورج إليوت (ماري آن إيفانس)، باحثة البادية (ملك حفني ناصف)


إن الاسم المستعار لا يؤدي بالضرورة وظيفة الإخفاء بقدر ما قد يتحول إلى وسيلة لإتاحة الظهور؛ فالكاتبة تخفي هويتها الاجتماعية لكي تُظهر صوتها الإبداعي، وتدخل إلى المجال الأدبي من دون أن تجعل هويتها عائقًا أمام تلقي نصها.

ينطبق هذا على ملك حفني ناصف التي اختارت أن تكتب تحت اسم "باحثة البادية" لتكون إحدى أهم أصوات الحركة النسوية في مصر في بداياتها، وقد نشرت باحثة البادية آراءها في قصائدها وفي مقالات صحافية كانت تنشرها في كبرى صحف مصر في ذلك الوقت مثل "الصحيفة" و"المؤيد".

أيضًا نجد عائشة عبد الرحمن، وهي ابنة عالم في الأزهر وحفيدة شيوخ وعلماء دين، منعها والدها من الذهاب إلى المدرسة، فالتجأت إلى التعلُّم في البيت، وقد استطاعت بفضل ذكائها ونبوغها أن تتفوق دراسيًّا، ومن ثَمَّ دخول الجامعة. تحدثت عائشة عبد الرحمن في سيرتها الذاتية فأشارت إلى أن الفضل في ذلك يعود إلى أمها التي دافعت بشراسة عن حقها في دخول الجامعة، وتحصلت على الدكتوراه. التجأت عائشة عبد الرحمن إلى الكتابة تحت اسم مستعار هو "بنت الشاطئ"، وكتبت في كبرى الصحف في زمنها، كما أصدرت العديد من الكتب، من بينها "أعداء البشر" و"أرض المعجزات".

2ب - الاسم المستعار: حين يصبح القناع هوية

كانت الكاتبة تستخدم اسمًا مستعارًا لأن اسمها الحقيقي يمثل خطرًا عليها، لكن استمرار النشر بهذا الاسم، وتكوّن قراء ونقاد حوله، وتراكم الدراسات النقدية والمراجعات والندوات، يحوّله تدريجيًا إلى ذاكرة أدبية. أي إن الاسم المستعار يصبح معبِّرًا عن شخصية المرأة الكاتبة في المجال الأدبي، وقد تصبح الكاتبة معروفة باسمها المستعار أكثر مما هي معروفة باسمها المدني. عندها لا يعود الاسم المستعار مجرد درع للنجاة، بل يتحوّل إلى هوية أدبية.

في سنة 1935، وُلِدت في مدينة صيدا بجنوب لبنان حكمت الخطيب، نشأت في بيئة تشجع على العلم والمعرفة، زاولت دراستها في لبنان إلى حين حصولها على شهادة الدكتوراه من السوربون في فرنسا. وجدت حكمت في اسمها حرجًا لأنه يُطلق على الذكر والأنثى، ولذلك اختارت أن تغيِّره كاملًا، فتحولت من حكمت الخطيب إلى يُمنى العيد. هنا يتحول الاسم المستعار من التعبير عن الانتماء إلى مكان جغرافي معين بكل دلالاته الثقافية، إلى اسم جديد تختاره صاحبته بنفسها لتعبر عن إرادتها وحريتها التامة في أن يكون لها الاسم الذي يمثِّل هويتها الأدبية بدلًا عن هويتها المدنية، وتختار ليعرفها الجميع به، حتى إنه لا أحد ينتبه الآن أن يُمنى العيد في الحقيقة هي نفسها حكمت الخطيب (5). اختارت يُمنى اسمًا جديدًا يبعدها عن تلك الثنائية التي تجمع الذكر والأنثى، وكان الاسم الجديد "يمنى"؛ فيه نوع من الليونة والخفة، ويوحي بالخير والبركة والتفاؤل. ونلاحظ أن هذا القطع لم يشمل الاسم فقط، بل اختارت لنفسها لقبًا جديدًا، وكأن المرأة بذلك لم يعد يعنيها الارتباط بالمكان، بل أصبحت مستعدة للتخلي عن مؤسسة العائلة نفسها، وبذلك تقطع مع كل الإرث الثقافي، لتكون المرأة الكاتبة القوية والمتمردة، التي باستطاعتها أن تعلن عن ولادتها من جديد، وأن تختار هويتها بنفسها.

مع يمنى العيد يصبح الاسم المستعار أداة للتحرر من الهوية الاجتماعية المفروضة، فبذلك لم يعد الاسم المستعار يخفي الهوية الشخصية للكاتبة ليسمح لها بالتعبير عن ذاتها، بل أصبح هو الطريقة التي تظهر بها المرأة، وتتحوّل تدريجيًا إلى هوية أدبية مستقلة. وبهذا تعلن المرأة عن ولادتها من جديد، فكأني بها تقول: لا تقرؤوني بوصفي "امرأة تكتب"، بل بوصفي "كاتبة".

في سنة 1819 وُلدت في إنكلترا ماري آن إيفانس، في مرحلة كانت تشهد تحوّلات اجتماعية وفكرية كبيرة، في ظل هيمنة أفكار محافظة على مجتمع كان يتجه نحو مزيد من التحرّر الاقتصادي، بما خلَّفه ذلك من تأثيرات عميقة في أفراده. اختارت ماري آن إيفانس دخول المجال الأدبي الذكوري باسم ذكوري. أي أنها لم تنسحب من المجال ولم تتعامل معه عن مسافة، بل اختارت أن تواجهه من داخله، وبهذا لا تقطع ماري آن إيفانس انتماءها العائلي فحسب، بل تعيد من خلاله تشكيل حضورها الجندري داخل المجال الأدبي، لتصبح جورج إليوت (6).
اختارت ماري آن اسمًا ذكوريًا، كما فضلت أن تتمثَّل هذه الهوية الذكورية في حياتها اليومية، فأصبحت ترتدي لباس الرجال وتدخل مجالسهم وتدخن الغليون وترفع صوتها عاليًا، وهي حركة قوية من امرأة لم تفضل أن تواجه عن بعد الوعي الذكوري لكي تقاوم نزعته إلى المحافظة، بل اختارت أن تقتحمه من الداخل وتعيش نمط حياته لتكتب كل ما تفكر به وكل ما تحمله من آراء ومشاعر وانفعالات.
وهكذا اختارت ماري آن إيفانس، أو جورج إليوت، أن تختبر موهبتها وقدرتها على النجاح الأدبي، فأصدرت سنة 1859 روايتها الأولى "آدم بيد"، التي حققت نجاحًا كبيرًا وأثارت موجة من التساؤلات حول هوية هذا "الكاتب" الجديد. وقد اضطرت ماري آن إيفانس إلى الإعلان عن أنها هي نفسها جورج إليوت. واللافت أنها، بعد هذا الاعتراف، حافظت على هذا الاسم المستعار، وقدَّمت كل منجزها الأدبي تحت اسم "جورج إليوت"، ليصبح حاملًا لهويتها الأدبية.

تمسك ماري آن إيفانس باسم جورج إليوت لم يعد مجرد قناع لتكتب، بل تحوّل إلى نمط حياة وأسلوب كتابة، أي تحوّل إلى استراتيجية اجتماعية وأدبية، فهي لم تختر لها موقعًا معاديًا للرجل ولا مساحة بينهما، بل اقتحمت عالم الذكور وعاشته وكتبت منه، كما أنها اختارت أن تُقرأ أعمالها لا بوصفها "امرأة تكتب" بل بوصفها "ذاتًا تكتب"، وكأنها تقول "اقرؤوا النص من الداخل من دون أحكام قبلية".

وبهذا حرّرت ماري آن إيفانس نصوصها من كل توقعات اجتماعية وأدبية مسبقة، وهي جرأة منها أن تترك كل نصوصها بعيدًا عن تأثيرات اسم صاحبها ونفوذ أصدقائه، وقد حققت رغم ذلك انتصارات أدبية جعلتها واحدة من أهم الأسماء التي تركت أثرًا في الرواية الأوروبية والعالمية.

كان يمكن لجورج إليوت ويُمنى العيد (مثلًا) أن تعودا إلى اسميهما الحقيقيين، لكنهما لم تفعلا، لأن الاسم المستعار تجاوز وظيفته الدفاعية وأصبح جزءًا من الهوية الأدبية.

(يتبع جزء ثان وأخير)

الإحالات:

(1) Michel Foucault, "Qu'est-ce qu'un auteur?", Bulletin de la Société française de philosophie, 63e année, n° 3, juillet-septembre 1969, pp. 73-104.

(2) Gérard Genette, Seuils, Paris, Éditions du Seuil, coll.  Poétique" , 1987".

(3) د. عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ وبنت الأهرام خاضت معركة أدبية مع العقاد وانتصرت إلى الشعر الجديد، مقال أحمد السيد النجار، في صحيفة "الأهرام" بتاريخ 6 كانون الثاني/ يناير 2016.

(4) Lucie Barette, Usage de la pseudonymie par les écrivaines-journalistes de presse féminine au XIXe siècle

CÉRÉdI: Actes de colloques et journées d’étude, n° 34.

(5)  مؤمن سمير، مقال بعنوان "الحياة في مدينة الأسماء المستعارة... أدونيس ويُمنى العيد". موقع "الكتابة" 31 أيار/ مايو 2025

(6) Mary Ann Evans, dite George Eliot; Encyclopédie Larousse.

* كاتبة من تونس.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.