}

غسيل الأموال وتعافي المجتمعات بعد التحوّلات الكبرى

سوسن جميل حسن سوسن جميل حسن 29 أغسطس 2026
آراء غسيل الأموال وتعافي المجتمعات بعد التحوّلات الكبرى
العملات الرقمية جعلت تعقّب الأموال أصعب (Getty)

وقعت، بينما كنت أقرأ في أحد المواقع، على حكاية تقول: "في تلك الليلة، عاد كروشينا إلى شقته الفاخرة الواقعة في الطابق الخامس من مبنى في موسكو مخصص لأعضاء النخبة العليا من النومنكلاتورا السوفياتية، طبقة البيروقراطيين المؤثرين في الحزب والحكومة الذين استمتعوا بكل ما هو الأفضل في مجتمع ’من دون طبقات’. وبعد أن تمنى ليلة سعيدة لزوجته، ذكر أن لديه بعض العمل للقيام به. وفي حوالي الساعة الخامسة صباحًا في اليوم السادس والعشرين من آب/ أغسطس، صعد كروشينا إلى شرفته وقفز نحو موته، حاملًا معه أسرار مالية الحزب الشيوعي السوفياتي".
قادتني هذه المعلومة إلى البحث عن هذه الشخصية، فانزلقت إلى سراديب قادتني على التوالي إلى البحث عن قضية مشهورة وغامضة في الوقت نفسه، إنها ما يُسمى "غسيل الأموال" أو بتعبير آخر "تبييض الأموال".
بداية لا بد من التعريف بهذه الشخصية، ما دام أنها قادتني إلى هذه السراديب، فمن هو نيكولاي يفيموفيتش كروشينا (14 أيار/ مايو 1928 – 26 آب/ أغسطس 1991)؟
كان مسؤولًا شيوعيًا سوفياتيًا رفيع المستوى، مدير شؤون اللجنة المركزية للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي منذ عام 1983 وحتى وفاته، وكان فعليًا الخزّان الرئيسي للحزب، مسؤولًا عن أصوله الضخمة (التي أطلق عليها الناس لقب ذهب الحزب)، والتي تقدر قيمتها بحوالي 9 مليارات دولار، ولم يتم العثور عليها منذ ذلك الحين. ويُقال إنه ترك بالقرب من مكتبه، على الكرسي، ملفًا سميكًا يحتوي على العمليات التجارية غير القانونية للحزب الشيوعي الأخيرة.
لقد بات معروفًا أنه منذ اختفاء ستالين في عام 1953، لم تتوقف الحالة الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي عن التدهور. كان الاتحاد السوفياتي يعاني من شيخوخة قياداته، ففي السنوات التي سبقت وفاته عن عمر يناهز الخامسة والسبعين، اضطر بريجنيف، "القيصر الشيوعي" الأخير، كما يلقبّه بعضهم، إلى التراجع في مواقف عديدة، خاصة في أفغانستان وبولندا. ونشأ مجتمع جديد، واقتصادات موازية، وثقافات مضادة ومعارضات لم تعد السلطة قادرة على السيطرة عليها.
ثمة مقالة طويلة منشورة في موقع ICHI.PRO، حول هذا الأمر في الاتحاد السوفياتي، تشرح كيف سرق جهاز الكي جي بي وغسل مليارات الدولارات من أموال الحزب الشيوعي خارج الاتحاد السوفياتي قبل انهياره. فقبل ستة أيام من "انتحار" كروشينا، حاول الكي جي بي القيام بانقلاب على أمل إنقاذ الإمبراطورية السوفياتية. لم يدم هذا سوى أربعة أيام، وبعدها تم اعتقال زعيم الانقلاب ورئيس الكي جي بي فلاديمير كريوتشكوف وكبار معاونيه.
وفي 24 آب/ أغسطس، تخلى ميخائيل غورباتشوف عن منصبه كأمين عام للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي ووقع مرسومًا بنقل ممتلكات الحزب. وبصفته رئيس هيئة الأركان للجنة المركزية، كان الشغل الشاغل لكروشينا هو نقل الملكية، وكان قد كُلّف لسنوات بمراقبة الأموال الهائلة والخفية للحزب الشيوعي السوفياتي، والتي كانت تشمل مليارات الدولارات سواء في روسيا، أو مخبأة في الخارج، وعندما اضطر لمقابلة ممثلي الحكومة الناشئة في موسكو، قبل انتحاره بيوم، لمناقشة الانتقال في اجتماع استمر حتى الساعة 9 مساءً، وكان مثيرًا للجدل ولم يسر بشكل جيد بالنسبة للمسؤول الحزبي المصدوم، فانتحر بأن ألقى نفسه من الشرفة. يقول المحللون إن هذا لم يكن إلا البداية في "أسطورة" مليارات الكي جي بي.
يقول ريتشارد ل. بالمر، وهو رئيس سابق للمكتب التابع لوكالة الاستخبارات المركزية في الاتحاد السوفياتي السابق: "تمت مناقشة خطط النهب للدولة السوفياتية لأول مرة في عام 1984"، ويتابع: "هذا الجهد الضخم شمل العديد من كبار موظفي الحكومة السوفياتية، عدة عناصر من الـ KGB (الذي يُعرف اليوم بـ FSB)، مصرفيين قدامى وجدد، صناعيين وبالطبع مجرمين تقليديين، مثل المافيا الروسية - التي كانت لديها بالفعل خبرة وكادر كبير متمركز في الغرب. كان هدفهم الرئيسي هو ضمان وضعهم المالي والسياسي في المستقبل، من خلال السيطرة على الأموال والموارد الهائلة للحزب وتحويلها إلى أصول شخصية لا يمكن تتبعها أو مصادرتها من قبل الحكومات المستقبلية".
هذه المسائل لا تمرّ بشكل سلس على مسمع أي فرد من مجتمعات منهكة ناهضة من حروب أهلية وصراعات سياسية وانهيار نظام ديكتاتوري وشمولي، كانت التجربة السوفياتية أحد أهم الأنظمة التي يقتدي بها، أو كحكاية مسليّة، بل إنها تنبش آلامه دفعة واحدة، وتستفز ذاكرته وتفكيره، فلا يستطيع الهروب من تحرّش "القرائن" به.
كان الاتحاد السوفياتي الشيوعي يحتفظ بشبكة واسعة من البنوك والشركات متعددة الجنسيات المدعومة من الدولة موزعة بشكل استراتيجي في جميع أنحاء العالم.
هذه المؤسسات السرية لم تكن تمول أنشطة التجسس فقط وتدير التجارة الخارجية، بل كانت أيضًا تغسل الأموال التي تم تحويلها إلى الأحزاب الشيوعية والمنظمات اليسارية في جميع أنحاء العالم. هذا في دولة قوية، تبوّأت ذروة أحد القطبين اللذين كانا يتنازعان النفوذ على العالم، فكان لبنوكها وشبكاتها دور أساسي في استراتيجياتها وخططها في إدارة العالم وفي المسك بخيوط اللعب. حتى لو عمّ الفساد المالي في جهازها المرعب "الكي جي بي"، أو في قمة السلطة السياسية ممثلة بالحزب الشيوعي، وعندما انهار الاتحاد السوفياتي، انتشر أولئك الأثرياء من وراء سلطتهم ونفوذهم في كل أنحاء العالم، وبنوا إمبراطورياتهم المالية، مستغلين نظامًا في الظل ينتشر في كثير من دول العالم أيضًا، إنه نظام تبييض الأموال وغسل الجرائم الكثيرة التي تمت جباية الأموال بارتكابها. فكيف بدول صغيرة كدولنا التي ما إن انتفضت شعوبها طلبًا للكرامة الإنسانية وبناء دولة تقوم على أساس المواطنة والحقوق والمؤسسات والديمقراطية، حتى انهالت عليها حمم المطامع من الخارج واشتغل التضليل، ودُفعت الشعوب إلى الاقتتال في ما بينها؟

 بين عامي 1986 و1989، تم فتح شركات وهمية صغيرة وحسابات بنكية بمساعدة حقائب مليئة بالنقود وأموال مخصصة للمقار الدبلوماسية السوفياتية (Getty)


لقد تم تهريب أموال الحزب خارج روسيا ببساطة. بين عامي 1986 و1989، تم فتح شركات وهمية صغيرة وحسابات بنكية بمساعدة حقائب مليئة بالنقود وأموال مخصصة للمقار الدبلوماسية السوفياتية.
بعد إنشاء هذه الشركات الوهمية وحسابات الـ KGB، قامت المنظمات الرسمية للحزب الشيوعي السوفياتي والشركات الحكومية التي يسيطر عليها الحزب بإرسال أموالها إلى الخارج وإخفائها في بنوك وشركات لا ترتبط بالحزب بشكل واضح. وفي تلك الأثناء أنشأ الكي جي بي "شركات وسيطة" غامضة قامت بشراء الموارد السوفياتية بأسعار منخفضة وبيعها إلى الخارج مع زيادة في السعر، وإيداعها في شبكة الشركات الوهمية القائمة بالفعل.
أُطلق على تلك الجهات الفاعلة تسمية "مثلثات الحديد"، وهي مؤلفة من الكي جي بي، ومسؤولي الحزب الشيوعي السوفياتي، والجريمة المنظمة الأوراسية. وهي عبارة عن مجموعة من "الأوليغارشية" تشكلت من المسؤولين السابقين في الدولة السوفياتية والمافيا الروسية، تتميز بقوتها ونفوذها وثروتها في روسيا، وفي جمهورياتها، بل وأصبحت تتمتع بقوة ونفوذ على المستوى الدولي.
هذا نموذج كامل الأركان عن عملية تبييض الأموال، التي هي ببساطة عملية إخفاء أصل الأموال التي تم الحصول عليها بشكل غير قانوني لتبدو وكأنها جاءت من مصادر شرعية. غالبًا ما يكون تبييض الأموال مجرد جزء من جرائم كبيرة أخرى مثل تهريب المخدرات، والسرقة بالعنف، والابتزاز، بل حتى إن البيئة لا تسلم من جرائمهم، كحرق الغابات على سبيل المثال، وأهمها "تجارة الحروب". ولقد ازدهرت أكثر وأصبحت أكثر غموضًا وصعبة الملاحقة بشكل كبير مع ظهور العملات الرقمية مثل البيتكوين.
تُنجز عمليات تبييض الأموال بأن تقوم العصابات المنظمة بتداول الأموال التي تم الحصول عليها بشكل غير قانوني حول العالم عبر البنوك، والشركات الوهمية، والوسطاء، وشركات تحويل الأموال بهدف إعادة ضخها في الشركات والاقتصادات القانونية. في الوقت الحاضر، تلجأ هذه العصابات بانتظام إلى ما يُعرف بالحمير البشرية des mules (البغال) الذين يعملون كوسطاء، والذين في بعض الأحيان لا يعلمون حتى أنهم ينقلون أموالًا غير شرعية، "كمثل الحمار يحمل أسفارًا" مثلما جاء في الآية الكريمة.
من المعروف أن الحروب تُنتج اقتصادات معظمها على علاقة بالجريمة، أو تتشكل رؤوس أموال قائمة على تجارة غير قانونية، وتعتاش على حساب حياة الشعوب وأمنها، بل تزدهر تجارة الممنوعات كلها، من المخدرات إلى السلاح إلى الاتجار بالبشر، إلى ما هنالك من أشكال دائمة التخلّق على وقع الحرب والعنف. وعندما تنتهي الحروب تكون المجتمعات والدول قد انهارت، وبالتالي فإن غالبية من يتحكمون في الاقتصاد، ويستثمرون في إعادة إعمار البلاد، يكونون من هذه الفئة التي أثرت بواسطة الفساد الذي أوصل البلاد إلى الحرب، وبواسطة ظروف الحرب واستغلال الوضع المعيشي والأمني المتردي بسرعة كبيرة.
لا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار في تلك المجتمعات من دون تحقيق العدالة في كل القضايا العامة، ومن دون تشكيل جهاز قضائي على مستوى عالٍ من الكفاءة والمصداقية، واجتراح القوانين الضامنة للعدالة، وأحد جوانب العدالة المهمة هو حلّ القضايا المتعلقة بغسيل الأموال، ومحاربة الجريمة المنظمة، التي تعد أحد الأركان الأساسية التي تم الحصول بها على المال، وتمت عملية غسله بعدها، فممارسو هذه الجرائم والحاصلون على الأموال بواسطتها يعرفون أكثر من غيرهم بأنها "أموال قذرة" وبحاجة إلى "غسيل" كي يلبسوها رداء الشرعية والجدارة.
على المستوى المحلي، في نطاق كل دولة، هل من المستحيل، أو من الصعوبة بمكان، على السلطات الحاكمة محاصرة هذه الجماعات وتجفيف منابعها، ثم إحالتها إلى القضاء وتطبيق القانون عليها؟ بات من البديهيات معرفة كيف تعمل تلك العصابات، أو الجماعات التي تمارس الجريمة لتجني الأموال ثم تسعى إلى غسلها، فتبييض الأموال يمر بمراحل، المرحلة الأولى منها هي الإيداع، حيث يُعاد إدخال الأموال أو الممتلكات المسروقة في نظام مالي أو مصرفي. المرحلة الثانية هي التراكم، وتتمثل في إخفاء وتشويش أثر الأصل غير القانوني للأموال من خلال مضاعفة المعاملات المعقدة. خلال هذه المرحلة، يمكن لمرتكب الجريمة استخدام شركات وهمية، ليس لها نشاط اقتصادي، لإخفاء الأموال غير القانونية وتحويلها إلى أرباح فعلية؛ كذلك تحويل أصول الشركات إلى العملات المشفرة عبر منصات لامركزية، وإنشاء عمليات تجارية وهمية. وغالبًا ما يتم استخدام الأموال المغسولة في أنواع من النشاط الاقتصادي أو التجاري، كالعقارات، أو إنشاء شركات مساهمين وتوزيع الأرباح عليهم، وغيرها الكثير.
لا يمكن بناء اقتصاد متين، ومجتمع معافى، من دون مكافحة هذه الجرائم بكل أشكالها، ومحاصرة عمليات الغسيل، ومن دون الشفافية تجاه الشعب في أداء الحكومة، وإلا فإن الأزمات الداخلية ستتفاقم، ولن ينعم المجتمع بالاستقرار، أو ينهض من عجزه ويتغلب على مشكلاته.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.