}

عن الذكاء الاصطناعي وكتابة الرواية: لماذا نحتاج إلى الكاتب؟

مناهل السهوي 31 أغسطس 2026
آراء عن الذكاء الاصطناعي وكتابة الرواية: لماذا نحتاج إلى الكاتب؟
(Getty)

إذا تمكن الذكاء الاصطناعي من كتابة أدبٍ يوازي أو حتى أفضل من الأدب المكتوب من قبل البشر، وإذا كان البشر يفضلون القصص المكتوبة من قبل الذكاء الاصطناعي، فلماذا يزيد تفضيل القراء للقصص المكتوبة بالذكاء الاصطناعي لو قيل لهم إنها مكتوبة من قبل إنسان؟
في دراسة نشرتها دورية judgment and Decision Making طُلب من المشاركين قراءة قصص (بعضها مكتوب من قبل بشر، وبعضها من قبل الذكاء الاصطناعي)، مع تضليل نصف القراء بشأن الكاتب الحقيقي، ثم طلب منهم تقييم جودة القصة، ومدى استغراقهم فيها، وتفاعلهم معها.
كانت القصص المولدة بالذكاء الاصطناعي أكثر إثارة لاهتمام المشاركين، كما أنها أعلى جودة من قصص الإنسان، لكن المشاركين ورغم هذا منحوا تقييمات أعلى فورًا لأي قصة قيل لهم إنها من كتابة البشر! أي إنَّ هنالك تأثيرين مختلفين: أولًا جودة النص ذاته، وثانيًا تصورهم لهوية مؤلفه.
إذًا، ربما ستكتب برامج الذكاء الاصطناعي قريبًا أدبًا، قد يوازي الأدب البشري وقد يكون أفضل منه حتى، لكن ما الفرق حقًا بين قصتين، لا فرق بينهما، سوى أن إحداهما كتابة بشرية.

لماذا نتمسك بالكتابة البشرية؟
ربما ستصبح الكتابة البشرية أشبه بأدوات "أنتيكا" نشتاق لها، مثل الهاتف الأرضي، أو المسجلة. لكن لماذا نتمسك بالكتابة البشرية كما يتمسك بعضهم بجمع الطوابع، أو شراء آلة كتابة يدوية؟
مع الذكاء الاصطناعي، بتنا نخسر التجربة، والتي نصنع من خلالها تاريخًا للمنتج النهائي، سواء كان روايةً، أم لوحةً فنيةً. ولذلك لوحة رسمها فنان بشري هي أغلى من لوحة أنتجها الذكاء الاصطناعي، ولا نعني ماديًا وحسب، بل عاطفيًا وفكريًا. الأولى تعني جهدًا ومشاعر في أثناء رسمها، تردد في وضع لمسة هنا، أو لمسة هناك، أمّا الذكاء الاصطناعي فهو لا يملك هذه التجربة بالأصل، ويحاكي النتيجة من دون أن يعيش أي تاريخ للفكرة.
عام 2026، خلصت خمس دراسات إلى أنه يمكن للناس أن يشعروا تجاه فنّ AI بالمتعة والاهتمام الجمالي المماثل للفنّ البشري، لكنهم في النهاية يمنحونه قيمة اقتصادية أقل بكثير، والسبب الرئيسي هو انخفاض مقدار الجهد الذي يعتقد المشاركون أنه بُذل لإنتاج العمل.
قريبًا، ومع زيادة تغذية الذكاء الاصطناعي بالكتب، وهو ما يحصل فعليًا، يمكن أن نطلب من هذه البرامج كتابة رواية تمتلكُ روحَ وأسلوبَ وبناء كتابةِ كافكا، وسيستطيع ذلك.
لكن هل هنالك فرق بين كتاب كتبه الذكاء الاصطناعي ويمتلك أسلوب وبناء ولغة كافكا، وبين عمل كافكا الأصلي؟ ربما بالمبدأ لن يكون هنالك فرق، وقليلون من سيتمكنون من اكتشاف الأصل.
لكن ما هو العمل الأدبي في النهاية؟ هل هو القصة النهائية؟ أم كل ما حدث قبل الكتابة وخلالها وبعدها؟
الأعمال الأدبية ليست المنتج النهائي وحسب، بل ما تحمله من قيمة وتاريخ، وحتى معاناة. هنالك قيمة إنسانية للتجربة الأدبية البشرية، ولا مقياس لها في أدوات الذكاء الاصطناعي، ولا حتى في حياتنا، قيمة يضمها العمل بين صفحاته، وتشمل تجربة الكاتب بكل تعقيداتها، أحلامه مخاوفه، تردده، اشتباكه مع الشخصيات، وحتى خوفه من النشر، وندمه أحيانًا. كافكا أراد إحراق مسودته بعد موته، لكن صديقه نشرها، وبات هذا التفصيل جزءًا أساسيًا من أعمال كافكا.
إنه الفضول البشري لمعرفة تجربة الكاتب، كم مرة قرأنا كتابًا، أو عبارة، وبحثنا عن تاريخ كاتبه، ثم قرأنا سيرته الذاتية؟
تثير حياة الكتّاب فضولنا. ما الذي يدفعنا لقراءة رسائل ألبير كامو لحبيبته ماريا، ولماذا تعد حياة سيلفيا بلاث متصلة بكتابتها لهذا الحد؟ ولماذا مقهى جلس فيه الجواهري في براغ التشيكية بات يُعرف باسمه؟
القصة خلف القصة هي جزء من عملية الكتابة، فالقصة لا تعني المكتوب وحسب، بل أين كتبت؟ وكيف؟ ولماذا؟




ميشيل فوكو يرى أن الخطاب الأدبي لا يُقبل إلا إذا حمل اسم مؤلف وتاريخ كتابته ومكانه وظروفه "والمعنى والقيمة المنسوبان إلى النص يعتمدان على هذه المعلومة".
وحصول الذكاء الاصطناعي على التجربة الإنسانية الفريدة يكاد يكون مستحيلًا، ابتداءً من لحظة الولادة، إذ يملك كل إنسان قصة مختلفة عنها، وصولًا إلى طريقة التنشئة والفوارق الطبقية والجندرية والعمرية بكل ما تحمله من اختبارات للحظات استثنائية خاصة بالأفراد، وهنا لسنا نحاول إثبات التفوق البشري، لأن الذكاء الاصطناعي قد أثبت بالفعل تفوقه في كثير من الجوانب، وخاصة تلك المتعلقة بتنظيم وترتيب الأفكار، لكن هنالك ما هو أبعد من بناء قصة محكمة بلغة لا شوائب فيها، وحبكة لا مثيل لها، هنالك الإنسان خلف كل هذا.
وإن كان موت المؤلف الذي تحدث عنه رولان بارت مختلفًا عن موت مؤلفنا أمام الذكاء الاصطناعي، إلا أن بارت يقول في كتابه لذة النص: "بوصفه مؤسسة، فإن المؤلف قد مات... ولكنني في النص، بطريقة ما، أرغب في المؤلف: إنني في حاجة إلى صورته، والتي ليست تمثيلًا له ولا إسقاطًا عليه".

الكاتب لا يريد نشر كتابٍ وحسب

(Getty) 


إننا أمام مرحلة يمكن القول بأنها لا تنذرنا بنهاية عصر الكتب وحسب، بل بنهاية الكتابة البشرية ذاتها، التي تأثرت بالفعل بصعود الذكاء الاصطناعي، وبات عدد الكتّاب الذين يستعينون بهذه الأنظمة أكثر من أي وقت مضى، وهنا لا نسعى إلى محاكمة استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص، أو إدانة مستخدميه بقدر الاستدلال على ما نريده من القصة.
في الكتابة، يتسارع الأمر على نحو يبدو مقلقًا لبعضنا، وأكثر تفاؤلًا لبعضنا الآخر، إذ نقترب من عصر سيكون أيُّ شخص قادرًا على إصدار كتاب بمساعدة الذكاء الاصطناعي، لو عرف كيف يمنح الأخير التعليمات الصحيحة.
في المقابل، قد تتراجع الأعمال الأصلية البشرية أمام فيضان الكتب المولدة بالذكاء الاصطناعي، أو ربما ببساطة، لن يميل بعضهم إلى بذل مجهود عاطفي وفكري وزمني في مقابل الذكاء الاصطناعي الذي يختصر العمل والوقت، وهي الإيجابية التي يروج لها كثيرون "اختصار الوقت"، فالكتابة فعل مرهق ليس على الصعيد الجسدي وحسب، يبذل الكتاب مجهودًا نفسيًا وفكريًا مضنيًا، ويواجهون لحظات مستحيلة من حبسة الكتابة، وقد يتوقفون لسنوات عن الإبداع. لكن هل من المهم بالنسبة للكاتب أن يختصر وقته، وأن ينهي رواية في شهر بدل أن يمضي سنة، أو خمسًا في كتابتها؟
نعم، يمكن كتابة كتاب بمساعدة الذكاء الاصطناعي في شهر، أو أقل، ويمكن أن يجد الذكاء الاصطناعي حبكات أفضل، ويأخذ شخصياتك في مسارات لم تخطط لها. لكن ماذا يبقى حينها من فعل الكتابة؟ إذ سنفقد حينها بالفعل تجربة الكتابة التي يراها كثيرون جوهر الكتابة، تلك اللحظات في التفكير، وبناء الشخصيات ومخاوفها وطموحاتها، الكتابة، ثم تدمير المسودة الأولى. كل هذا له قيمة لا يمكن تعريفها أو تحديد أهميتها بالمعايير المادية، لأنها تجربة إنسانية خاصة بكل كاتب على حدة.
الكاتب لا يريد نشر كتابٍ وحسب، بل امتلاك تجربته، والغوص عميقًا في ذاته من خلال الاشتباك الطويل مع فعل الكتابة، وحين يختار بعضهم الكتابة فهم لم يفعلوا ذلك من أجل الحصول على كتاب منشور في النهاية، إنه سؤال عن "لماذا نكتب أصلًا؟" ولماذا نريد أن نخلق عملًا بلغتنا وتجربتنا ومشاعرنا؟
الترويج لعصر السرعة واختصار الوقت واستثماره بالطريقة الأفضل هو عملية معاكسة للأفعال الإبداعية التي تحتاج وقتًا لتنضج في رأس صاحبها ثم ينقلها على الورق أو اللوحات.

الأدب يحتاج إلى أن يكون غير مثالي
قد يكون الأدب المكتوب من خلال الذكاء الاصطناعي مثاليًا لقارئ ما، سينتهي من القراءة من دون أن يرسم داخله خريطة معرفية وشعورية للكاتب، لكنه سيعني تجربة إنسانية أقل لقارئ آخر، يريد أن يكتشف نقاط ضعف العمل، أو تردد الكاتب في مكان ما.
إحدى ميزات وسلبيات الذكاء الاصطناعي هي المثالية، هذه المثالية قد تكون أساسية في قطاعات تكنولوجية، أو علمية، لكن الأدب يحتاج إلى أن يكون غير مثالي، ويحمل ضعفًا بشريًا، وليس القصد بالضعف، الأخطاء الإملائية، أو ركاكة الأسلوب، أو القصة، إنه أكثر من ذلك، ضعف كوننا كائنات صغيرة أمام عالم كبير، نحمل مشاعرنا وتجاربنا معنا، والضعف الذي نراه لدى الذكاء الاصطناعي ليس سوى نتيجة لفقر تغذية هذه النماذج.
قد لا يهتم بعضهم بذلك، ويتجهون نحو القصة، أو الكتاب المجرد من التاريخ والمشاعر والتجربة، ويبقى هذا خيارًا مشروعًا. لكن ما الأدب من دون تاريخ الوصول إليه؟ أن نفقد أسس تفاعلنا معه، نقده، الاشتباك مع أفكار كاتبه، الذهاب وسؤال الكاتب: هل كنت تقصد هذا؟ لكن لماذا جعلت هذه الشخصية تقوم بهذا الفعل لا ذاك؟
ببساطة، لا يوجد لدى الذكاء الاصطناعي سبب، أو قصد، أو نيّة سابقة، أو حدث خارجي، يؤثر في مجرى الأحداث. قد تموت أمُّ الكاتب فيقرر أن يكتب لأنه اختبر شعورًا أصيلًا، لكن الذكاء الاصطناعي وعند العودة للحظة الأولى سيكون هناك توجيه إنساني لأنه لا يملك نية واعية، أو قصدية، وحتى حين يقدم لنا الذكاء الاصطناعي إجابات مقنعة حول هذه المعضلة، فهي لا تحمل الوظيفة نفسها التي تحملها إجابة الكاتب عن عمله، ويبقى تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي في المستقبل عاملًا حاسمًا في كل هذا.
هل ما أوردته سالفًا يهدف إلى الوصول إلى نتيجة مفادها أن الكتابة البشرية أفضل من تلك التي ينتجها الذكاء الاصطناعي؟
في الحقيقة لا، ما أجادل فيه هنا هو حيز شعوري وعاطفي وإنساني قد لا يشغل كثيرين، أو لا يعنيهم، إنني أجادل في ما سنفقده، لا في ما سنكسبه، لأني كاتبة بشرية، وأعتقد أني أريد الأشياء غير المثالية، تلك التي يعتقد بعضهم أنها قد لا تعني شيئًا أمام الفرص التي يقدمها التطور التكنولوجي، أريد أن أكتب رسالة حبٍ، وأن أكتب يومًا ما سيرتي أنا بكل انكساراتها ونجاحاتها، أريد كلّ الأشياء البشرية التي تخلق الأدب.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.