}

تترات المسلسلات العربية: سرديّات السلطة والمجتمع

إسراء عرفات 2 سبتمبر 2026
آراء تترات المسلسلات العربية: سرديّات السلطة والمجتمع
(Getty)

يحدث في كثير من الأحيان أن تصيبني حالة حزن أو يأس أو قلق وجودي، وفي كلّ مرة تُصيبني فيها هذه الحالة، أذهب إلى الاستماع إلى تتر مسلسل "أحلام كبيرة" الذي أجده معبرًا عن حالتي النفسية والشعورية الآنية، وأجدني أردّد الكلمات مع مغني التتر: "كلّ شيءٍ ضاق، ضاق حتى ضاع، لم يبق للعشاق غير اليأس، واليأس بعض فضائل العشاق... نفدت أمانينا، نفدت مرامينا، أحلامنا نفدت، عصارة روحنا نفدت، وما نفد الكلام".

في آخر مرة استمعتُ إلى هذا التتر، جلستُ أفكّر في كلماته هو وغيره من عشرات التترات التي أحبّ الاستماع إليها في حالات نفسية ووجودية معينة، وقلتُ في نفسي: لعلّ كلمات هذه التترات التي تُلامِس شيئًا من روحي وتَعكس حالاتي الشعورية في كلّ مرة هي خطابات من نوع ما، تلتقطها أذني وتتفاعل معها دواخلي وشعورياتي بطريقة ما.

وما إن خطر في ذهني هذا الافتراض حول التترات بوصفها خطابات، حتى تذكّرت كتاب "النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية" لعبد الله الغذامي، وما يطرحه فيه عن "النقد الثقافي" الذي لا يتعامل مع النص باعتباره متنًا منعزلًا عن سياقاته الثقافية، وإنما باعتباره خطابًا يحمل مرجعيات فكرية ويحيل إلى الأنساق التي أنتجته، وما يرتبط بها من أحداث وتجارب وقوى اجتماعية.

وفي هذا السياق، يُنبّه الغذامي إلى أنّ قيمة النصّ على تعدّد أشكاله وتنوعها، لا تنحصر في معناه الظاهر أو في جمالياته، وإنما تمتد إلى ما يكشفه من تصوّرات وقيم تتصل بالضمير الجمعي والظروف الفكرية والاجتماعية التي تشكّل فيها، فهوَ يدعو إلى ضرورة تجاوز الانشغال بجماليات النص داعيًا إلى النظر فيما يكشفه من دلالات تتصل بالسياقات التي أنتجته.

من هذا المنطلق، يمكن قراءة تترات المسلسلات العربية باعتبارها متونًا نصية مشبعة بحمولات سياسية واجتماعية وثقافية وجودية، وسيتمّ رصد هذه الحمولات من خلال تتبّع كلمات مجموعة من التترات تتضمن "حدائق الشيطان"، و"أفراح إبليس"، و"رجال تحت الطربوش"، و"أشواك ناعمة"، و"ليالي الحلمية"، وذلك بهدف الكشف عما تتضمنه هذه الكلمات من تصوّرات وقيم ومواقف تجاه السلطة والمجتمع والمرأة والزمن والمصير.


بدايةً، تظهر الحمولة السياسية في تتر مسلسل "حدائق الشيطان"، الذي عُرض عام 2006، حين يستعيد صورة فرعون باعتبارها نموذجًا للاستبداد، لكنه لا يكتفي بإدانة المستبد، بل يبحث في العلاقة التي تجعل استبداده ممكنًا، تقول كلمات التتر: "قالوا لفرعون يا ظالم، إيش فرعنك؟ قال: عبيدي، حين نخوا تحت المظالم، انساقوا للمرعى بايدي". فالتتر في العبارات السابقة يجعل من خنوع العبيد وانقيادهم مصدرًا من مصادر استمرار سلطة الظالم، وهو ما يقترب من مفهوم "العبودية الطوعية" عند إيتيان دو لا بواسييه، حيث لا يقوم الاستبداد على القسر وحده، بل على خضوع يتحوّل إلى جزء من آلية إنتاج السلطة.

تكتسب كلمات التتر وزنها السياسي إذا قُرئت في مصر عام 2006، بعد عقود من حكم مبارك، حين كان الاستقرار الظاهري للنظام يخفي علاقة طويلة من الخوف والامتثال والتطبيع مع السلطة؛ فيبدو التتر بذلك، كأنه يلتقط أحد الشروط الاجتماعية التي سمحت باستمرار السلطوية قبل أن تنفجر أسئلتها في المجال العام بعد سنوات.

أما الحمولة السياسية في تتر مسلسل "أفراح إبليس" فتظهر من خلال ما يصوّره من اختلال مضاعف بين أصحاب النفوذ وبقية أفراد الشعب في جانب توزيع القوة والامتياز، تقول كلمات التتر: "مين ضهرنا يا كبير غيرك تسندنا لما الدنيا تميل؟ تفرح قوي وتحرم غيرك، تشرب هنا وتسقينا الويل، وتبني بينا وبينك سور، لا سبت عاشق يتهنى بحبيبه ولا ترحم مظلوم، عايشين في نار وإنتا في جنة، ولا يوم بتعطف على محروم". فالمفارقة التي يصنعها التتر بين الكبير الذي يُطلب سنده وبين الكبير الذي يَحرم ويعزل ويترك الآخرين في النار، تجعل السلطة علاقة تقوم في الوقت نفسه على الحاجة إليها وعلى التضرّر منها؛ أما السور فيحوّل التفاوت إلى مسافة اجتماعية بين من يمتلك الامتياز ومن يُحرم منه.

وحين ظهر تتر الجزء الأول من المسلسل عام 2009، لم تكن تصويرات الفجوة الطبقية في كلماته بعيدة عن واقع اجتماعي وسياسي مصري اتسعت فيه الفجوة بين أصحاب النفوذ والثروة وبين الفئات المهمشة، وتداخلت فيه السلطة السياسية مع المصالح الاقتصادية. لذلك تبدو عبارة "تفرح قوي وتحرم غيرك" في كلمات التتر، أكثر من وصف لظلم فردي؛ فهي تأتي كأنّها تكثيف لشعور تصفه الأدبيات السياسية بـ"الحرمان النسبي" والذي يحيل إلى الإحساس بالفجوة بين ما يعتقد الأفراد أنهم يستحقونه وما يملكونه فعليًا. وقد تزايد هذا الإحساس عند طبقة من أفراد الشعب المصري في السنوات السابقة لثورة 11 يناير، حتى ظهر متجسدًا في مطلب "العدالة الاجتماعية" التي رفعه المحتجون إلى جانب مطلبيْ "العيش" و"الحرية" إبان تفجرها، وبذلك يبدو التتر في كلماته وكأنّه يلتقط شعورًا جماعيًا كان يتبلور في مصر قبل أن يتحول إلى مطلب اجتماعي معلن في الشارع.

أما بالنسبة للحمولة الاجتماعية فإنّها تظهر في تتر مسلسل "رجال تحت الطربوش"، الذي عُرض عام 2004، فهوَ يأتي في سياق عربي كانت فيه الخطابات النسوية قد وَسَّعت منذ عقود، مجال مساءلتها من المطالبة بالمساواة القانونية إلى نقد البنى الأبوية التي تنظّم علاقات النساء والرجال داخل الأسرة والمجتمع.

ويعبّر التتر عن هذه المساءلة من خلال مخاطبة الرجل نفسه، تقول كلمات التتر: "ليه يا إنسان كل ما بتقوى بتقوي معك هالظلم؟ ليه يا إنسان كل ما بتكبر بتكبر معك هالهم؟ بجرة قلم بتمحي باللي حنانه لم، بيتك ضناك وقلبك إلك كان أب وأم"، ثم يبلغ نقده ذروته في مقطع آخر تقول كلماته: "بتنكر زمانك أو مكانك بتدعس الورود البريئة".


فالمقاطع السابقة تكشف نموذجًا للرجل العربي الذي ما أن يمتلك القوة حتى يحوّلها إلى ظلم وقسوة وإلى سلوك يمحو أثر العلاقات والحنان والذاكرة، ومن هنا يمكن قراءة التتر في ضوء التحوّل الذي رسخته الموجة النسوية الثانية في النظر إلى علاقات النوع الاجتماعي، حين أصبح نقد وضع المرأة متصلًا أيضًا بنقد النموذج الأبوي للرجولة، وما يرتبط به من امتلاك وقسوة وهيمنة داخل المجال الخاص.

كما تظهر الحمولة الاجتماعية في تتر مسلسل "أشواك ناعمة"، الذي عُرض عام 2005، أي بعد عام واحد من "رجال تحت الطربوش"، في السياق الاجتماعي نفسه تقريبًا، لكن من الجهة المقابلة؛ فبدل مساءلة الرجل عن علاقته بالسلطة، ينتقل التتر إلى مساءلة السلطة الاجتماعية التي تُراقَب المرأة من خلالها، ويدقّق عليها عبرها في تفاصيل حياتها اليومية. يقول التتر في كلماته: "لما تروحي مع مين بتروحي؟ ولما بتمشي انتبهي مع مين؟ ولما بتحكي مع مين بتحكي؟ ولما تخبي بتخبي لمين؟"، حيثُ يكشف عن اتساع مساحة هذه الرقابة وصولًا إلى جسد المرأة ومظهرها: "محسوب عليكي كيف اطلعتي وكيف لبستي وكيف انزلتي، محسوب عليكي شو ما عملتي الناس بتحكي".

يُمكن القول بأنّ كلمات التتر السابقة تتقاطع أيضًا مع أحد أهم التحولات التي حملها إرث الموجة النسوية الثانية، والمتمثل في النظر إلى تفاصيل الحياة الخاصة بوصفها مجالًا للسلطة، انطلاقًا من مقولة "الخاص هو السياسي" التي لفتت إلى أن علاقات القوة لا تُمارس في المجال العام وحده، وإنما تتسلل إلى الأسرة والجسد والحياة اليومية؛ فالمرأة لا تُقيَّد فقط بما هو ممنوع قانونًا، وإنما بما يفرضه عليها المجتمع من حدود للمسموح والمرغوب. ولذلك تظهر المفارقة التي يوضحها التتر في أحد مقاطعه: "الممنوع دائمًا مرغوب، والمرغوب عادة ممنوع"، وهي مفارقة تعبّر عن التناقض الذي يحيط بالمرأة العربية؛ بين رغبتها في الاختيار وبين منظومة اجتماعية لا تكف عن تحجيم اختياراتها عبر وضعها في دوائر المنع والحظر والتحريم.

 أما الحمولة الثقافية والوجودية فتظهر في تتر مسلسل "ليالي الحلمية" من خلال مساءلة الزمن وأثره في الإنسان، تقول كلمات التتر "ليه يا زمان ما سبتناش أبرياء؟ وواخدنا ليه في طريق ما منوش رجوع؟ أقسى همومنا يفجّر السخرية، وأصفى ضحكة تتوه في بحر الدموع"، فالتتر يخاطب الزمن كما لو كان قوة فاعلة في حياة الإنسان، حمّلته تجارب أفقدته براءته وقادته في طريق لا يمكن الرجوع عنه؛ وهي صورة تجعل الزمن ليس مجرد إطار للأحداث، وإنما قوة تغيّر الإنسان وتعيد تشكيل وعيه. وفي المقابل، يصوّر التتر اجتماع المتناقضات داخل التجربة الإنسانية، حيث يمكن للألم أن ينتج السخرية، وللفرح أن يجاور الحزن. وبذلك، ينحو التتر إلى تأمل أوسع في الزمن والذاكرة وتبدّل الإنسان وتناقض التجربة الإنسانية، وهي مسائل تتصل بالإنسان وتجربته الإنسانية في كلّ زمان ومكان.

وهكذا، تكشف قراءة هذه التترات، في ضوء مقاربات النقد الثقافي، أنّ النص الغنائي لا ينفصل عن سياقه الثقافي والاجتماعي، بل يحمل تصورات وقيمًا وأسئلة تتصل بالوعي الجمعي. فما يبدو كلمات مرافقة تسبق العمل الدرامي، يكشف عند قراءته عن دلالات تتصل بالسلطة والعدالة والمرأة والزمن والمصير، وعن تحولات شهدها المجتمع العربي، وبذلك، يصبح التتر نصًا دالًا على زمنه وتحولاته.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.