Print
ندى الأزهري

مهرجان الجونة في دورة استثنائية: عودة السينما

20 ديسمبر 2023
سينما

فاجأنا مهرجان الجونة بعودته مرتين.

حين أُعلن عن تأجيل المهرجان عام 2021، خمّن كثيرون أنه وصل إلى نهايته، وأن الدورة السادسة التي تأجلت لن ترى النور يومًا. وعلى الرغم من تأكيدات المؤسسين والعاملين في المهرجان أن الأمر هو مجرد توقف طارئ لم يقنع الجميع. كان الأسف كبيرًا لدى كل من تمتّع بمهرجان الجونة سواء فنيًّا أم اجتماعيًّا أم سياحيًّا. عودته لم تتأكّد تمامًا إلا مع وصول الدعوات هذا العام في أيلول/ سبتمبر. حسنًا، لقد أنعش ذلك الآمال، ما زال للسينما دورها في العالم العربي، وما يقال عن المهرجان وعن عروض الأزياء فيه وطغيانها على السينما ثبتت مبالغته الشديدة. على من يرى في السينما أفلامًا فقط أن يعترف أنها صناعة أيضًا ومصالح وعقود عمل واتفاقيات ونجوم وحفلات. كلٌّ يجد في هذا المهرجان غايته، فيلمًا أو بساطًا أحمر أو عقدًا أو لقاء...

لكن من يبحث عن الأفلام فقط، يدرك أن عديدًا من تلك المتاحة في الجونة آت من مهرجانات كبرى، وأنه لو كان متابعًا لها أو مقيمًا في أوروبا فالحضور إلى الجونة قد لا يعني له الكثير سينمائيًا، فما الذي يجعله يحرص على القدوم على الرغم من اعتماد المهرجان على عديد من أفلام سبق أن عرضت؟ ليس سحر المكان فحسب بل تنوع في مصادر الأفلام ووجود أفلام عربية (على قلّتها) قد لا تتاح رؤيتها في الخارج، كما أن فرصة لقاء سينمائيين ونقاد عرب وأجانب، متاحة أكثر في مهرجان ليس ضخمًا وأمكنته محدودة في هذه القرية السياحية ذات البناء المعماري المختار بعناية واللافت، في بحثه عن التواصل مع البناء الريفي التقليدي وإن كانت الفخامة طابعه.

تأجل المهرجان مرة ثانية عند الحرب على غزة، مثل القاهرة وقرطاج. ثم فاجأنا من جديد بالعودة مع دورة "استثنائية" تميزت بالتفاتة ذكية وإنسانية هو الذي شعاره "سينما من أجل الإنسانية". قرر في دورته السادسة ( 14-21 كانون الأول/ ديسمبر 2023) أن يكشف عن قصص وتجارب إنسانية فلسطينية من خلال إدراج قسم طارئ ضمن برنامج عروض دورته السادسة بعنوان "نافذة على فلسطين". هدف "نافذة على فلسطين" إلى تسليط الضوء على التحديات التي تواجه هؤلاء البشر الصامدين، ومحاولة دعوة الجمهور نحو فهم أعمق للتجارب الإنسانية في فلسطين. تعاون المهرجان، الذي أعلن دعمه للقضية العادلة للشعب الفلسطيني، مع مؤسسة الفيلم الفلسطيني لعرض 10 أفلام  لمخرجين فلسطينيين في أغلبهم.

لكن تأجيل المهرجان مرتين هذا الخريف بسبب الحرب الشرسة ضد غزة، انعكس على نسبة الحضور، سواء من السينمائيين أو صناع السينما وحتى الجمهور. غاب عديدون ولم تحضر مثلًا رئيسة لجنة التحكيم التي كان أعلن عنها قبل التأجيل، المخرجة البوسنية ياسميلا جبانيتش، وهكذا تشكلت لجنة جديدة، بدت طارئة، من خمسة أعضاء بدون رئيس: أنوب سينغ، باحث سينمائي هندي وثلاث ممثلات (صبا مبارك، منال عيسى وياسمين صبري) والمخرج المصري عمر الزهيري. كما غاب مخرجون ومخرجات كان مقررًا حضورهم مثل المخرج الهندي أنوراج كاشياب والفرنسية دلفين ديلوجيه والإيراني الألماني بهروز كرامي زاده وغيرهم ... وتساءل كثيرون قبل القدوم عن كيفية تنظيم الجونة لهذا العام في ظلّ الأحداث المأساوية، التي لم يغب الحديث عنها سواء رسميًا من خلال ذكر اسم فلسطين في عدة عروض واحتفالات خاصة بها، أو من خلال الأحاديث المتداولة بين المدعوين. زميل فرنسي من أصول عربية ردّ حين أشرتُ إلى رغبتي بالعودة قبل انتهاء المهرجان بقوله: "من الأفضل أن تكون اليوم هنا على أن تكون في فرنسا وأجوائها غير المحتملة (نظرًا للمواقف هناك من حرب غزة)". وفي حفل الافتتاح الذي سادته أجواء بدت غريبة على الجونة وبهرجتها المعتادة، التزم الجميع بلباس أنيق وربطة عنق سوداء، فيما اقتصرت أزياء النساء على أناقة لا تتعمد لفت الأنظار بألوانها أو بريقها أو كشفها، ساد فيها اللون الأسود. عروض الأزياء على السجادة الحمراء اختفت ومعها عشرات الصور "غير شكل" التي كانت ميزة من ميزات الجونة للبعض. كان الجوّ صارمًا دون أن يكون حزينًا. منتج فرنسي قال لي بأنه سعيد بنجاح الحفل رغم شعور الجميع بالمأساة والتضامن، وأثنى على قدرة المصريين على القيام بهذا الدور، سواء في تجمع المدعوين قبل الافتتاح وأثنائه وبعده، "المصريون خبراء في ذلك، يعرفون الحداد دون كآبة، دعوا سوريين وفلسطينيين (لم يكونوا على ما يبدو مدعوين في مهرجان مجاور قبل الجونة)، وهم هنا مع معظم الموجودين بملابس سوداء تزين بعضها الكوفية الفلسطينية. لا سجادة حمراء، لكن الأجواء مريحة ومحببة دون أن تكون مبهرجة، وهذا ما لم يفلح به جيرانهم".

ملصق مهرجان الجونة مع ملصقات عدد من الأفلام المشاركة


كان فيلم الافتتاح قصيرًا، "60 جنيه" للمخرج عمرو سلامة، من بطولة نجم الراب زياد ظاظا في تجربته التمثيلية الأولى. إن كان لافتًا بلغته البصرية وشخصياته وأسلوبه في معالجة موضوع مستوحى من أغنية راب لبطله عن العنف الأسري وتحقيق أحلام، فإن عرضه في افتتاح المهرجان كان غريبًا ومثيرًا لانقباض. مع أن عرض فيلم قصير في حفلات الافتتاح التي تطول وتطول في بعض المهرجانات، فكرة جيدة. الفيلم جاء بعد إلقاء عدة خطب معبرة عن شعار "تحيا فلسطين من قلب الجونة" سواء من رئيس مجلس إدارة المهرجان، سميح ساويرس، أو مديره، انتشال التميمي، ومديرته الفنية، ماريان خوري، أو الفنانين محمود حميدة ويسرا.  كما كُرّست أغنيتان لفلسطين شدت إحداها الفلسطينية إليانا والثانية المصري أبو، رفعتا من نغمة التضامن مع الشعب الفلسطيني.

وبعد الحفل بدأت العروض في اليوم التالي وحضرت الأفلام كما كان مقررًا وزيد عليها أفلام فلسطينية ليصبح المجموع 90 فيلمًا مشاركًا في الجونة، منها 15 في المسابقة الرسمية. لم يكن هناك سوى فيلم مصري واحد للأسف. كان الفيلم الثاني للمخرجة أيتن أمين منتظرًا على وجه الخصوص، فبعد "سعاد" (2020) فيلمها الأول الذي لقي نجاحًا مستحقًا في المهرجانات الدولية (يبدو أنه لم يعرض في مصر)، جاء "آل شنب" الذي أريد له أن يكون هزليًا، وأن يصل  للجمهور المصري.  لكن الفيلم يحاول في سيناريو هزيل إثارة ما يمكن أن يحدثه اجتماع عائلي بعد وفاة أحد أفرادها، وكل ما يمكن تخيله من مفارقات ضاحكة (لم تكن). وكان "وداعًا يا جوليا" للسوداني محمد كردفاني الذي يجوب المهرجانات هو الفيلم  العربي الثاني وقد أثار مسألة العنصرية العربية الشمالية ضد أهالي الجنوب في السودان عبر قصة جوليا. هناك أيضًا الفيلم المغربي "شيوع" لليلى كيلاني، والعراقي الكردي "سعادة عابرة" للمخرج سينا محمد. وكانت معظم الأفلام المشاركة الأخرى من مهرجانات عالمية مثل كان ولوكارنو.

واغتنت مسابقة السينما الوثائقية بأفلام عديدة (12 فيلمًا). وكان منها على وجه الخصوص تلك التي حققها عرب مقيمون في الغرب (6 أفلام). نذكر منها "هوليوود غيت أو بوابة هوليوود" للمصري ابراهيم نشأت، و"ق" للبنانية جود شهاب عن حركة القبيسيات، وهناك فيلمان مؤثران في مضمونهما وشكلهما الفني الجديد: قدّم الجزائري محمد لطرش في "زينات، والجزائر، والسعادة" فيلمًا ثريًّا في تقديمه خفايا فيلم "تحيا يا ديدو" (1971) وصانعه الجزائري محمد زينات الذي حققه قبل الهجرة إلى فرنسا، فيلم يثير مشاعر عميقة باستعادته أجواء بلد بعيد الاستقلال، وبساطة العيش وبراءته وآماله وبهجة أحيائه (القصبة خاصة)، استعادة  لعصر انتهى وزمن ولّى. أما الثاني "من عبدول إلى ليلى" للمخرجة العراقية الفرنسية ليلى البياتي فهو بحث مضن عن الهوية لشابة فرنسية عراقية في تعبير عميق وشديد الحساسية عن أجيال نشأت في الغرب وتنتمي إلى ثقافتين.