Print
ابراهيم طه

"سبع رسائل إلى أمّ كلثوم": في تفكيك مفهوم الهيمنة

1 سبتمبر 2023
قراءات


قرأت رواية "سبع رسائل إلى أم كلثوم" للكاتب الفلسطيني علاء حليحل (دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان ـ 2023) مرّتين اثنتين. مرّة صائتة، ومرّة صامتة. والصائتة هي القراءة الأولى. وهي جهريّة نصّيّة تحكمها توتّرات الترقّب والتوجّس وتضبطها انفعالات جوّانيّة صاخبة. والقراءة الصامتة هي قراءة بعديّة. فيها راجعت كثيرًا ممّا علق في ذهني وقلّبته بعصبٍ بارد وساءلته غيرَ مرّة... أمتعتني الأولى، وأربكتني الثانية. أثارتني القراءة وحيّرني التفكير فيها.

خطاب ما بعد الاستعمار
التفكير البوست كولونياليّ هو المظلّة الفكريّة العامّة لأطروحات الرواية ورسالاتها على مستويي المعاني والدلالات. وهذه حقيقة مؤكّدة بالقرائن النصّيّة. والتفكير البوست كولونياليّ هو منظومة رؤيويّة شاملة، شاملة وعميقة وذكيّة، تنهض بقوّة على أربعة مفاعلات كبرى تتفاعل في ما بينها باستمرار وإصرار: النظام، التبعيّة، الهيمنة والمقاومة. وهذي الأربعة سوّت الطريق للنقد الحضاريّ، بتفريعاته المتجاورة، في وقت لاحق. كلّ ما يحدث في رواية "سبع رسائل إلى أمّ كلثوم" يتّكئ، كلّه، على هذه المنظومة بصفة أو بأخرى. ولعلّ التمظهرات الإجرائيّة للبوست كولونياليّة في الرواية أصدق إسناد وثائقيّ على ما نقول. وهي تشمل كلّ التفاعلات السياسيّة والاجتماعيّة، الجندريّة والأسريّة، والتربويّة والاقتصاديّة في الرواية. لا تقفز عن أيٍّ منها. أولها النكبة الفلسطينيّة والاحتلال الإسرائيليّ للشعب الفلسطينيّ ووطنه. ومثله الفزع من جهاز الشاباك والرعب من المستوطنين الفراكش. كما أنّ العلاقات الجندريّة بين الزوجين مصطفى وهاجر، وبين كليهما وبين ولديهما يزن ونور، تقتحم هذه التفاعلات البوست كولونياليّة من أوسع أبوابها. والعلاقة الغراميّة التي ألّفت بين هاجر وجمال، وما تلاها من تبعيّة وارتهان، تدخل هي الأخرى من هذا المدخل الوسيع. وإذا كانت العلاقة بين المعلّمة روز وطلّابها، حتى هذه، تدلف إلى التفاعلات البوست كولونياليّة من الباب، وليس من الشبّاك، فكيف لا تكون العلاقة المركّبة بين مصطفى المشغِّل وبين وجدي العامل في المحجر مثلها بالضبط؟! وهكذا كانت كلّ أنساق التبعيّة والهيمنة، رغم اختلاف مجالاتها المعرفيّة، تنضوي تحت التفكير البوست كولونياليّ، وما يستلزمه من قهرٍ وقمعٍ وما قد يتبعه من فعل مقاومة. ولمّا كانت كذلك فهي كلٌّ واحدٌ منجز، لا يتبعّض في الرواية ولا ينقسم إلا على واحد.
كلّ هذه التفاعلات وأنساق التبعيّة والهيمنة قد جعلها علاء حليحل حاضرة في تضاعيف الرواية. وهي كلّها من إفرازات الأنظمة الهرميّة التراتبيّة التفاضليّة والسلطات الأبويّة البطريركيّة. ما يعني أنّ التفكير البوست كولونياليّ، الذي تنبني عليه الرواية هو توجّه كلّانيّ جشتالتيّ يجعل النكبة الفلسطينيّة بعضًا من كلٍّ، أو ينبغي النظر إليها بوصفها جزءًا من كلٍّ عضويّ. وهذا يُفضي بالضرورة إلى توسيع محيط النكبة وترقيتها من اسم المرّة إلى حالة مصدريّة كلّيّة عامّة. الانتقال من نكبة تاريخيّة محدّدة إلى فعل انتكاب ممتدّ يعني توسيع مفهوم النكبة ليشمل كلّ حالة نكبويّة وإن تضاءلت في حجمها وصغرت حتى صارت بقدر حبّة خردل. قد تكون النكبة التي حلّت بنور بحجم حبّة خردل إذا ما قيست بنكبة الشعب الفلسطينيّ. قد تكون فعلًا. لكنْ، حين ضربته المعلّمة روز وأوجعته وأبكته وشوّهت يده واخترقت روحه وحلمه وطفولته كانت المعلّمة روز قد نكبته بكلّ ما تحمله النكبة من معانٍ وذبذبات وارتدادات. ونكبة طفل كأثر فراشة. نكبة طفلٍ لا تختلف، في مهادها النظريّ، عن نكبة شعب بأسره. لا تختلف ولا ينبغي لها أن تختلف.
في التفكير البوست كولونياليّ، النكبة الفلسطينيّة التاريخيّة في لواصقها اللغويّة المعجميّة أكبر وأشمل من لواحقها السياقيّة التداوليّة. أعني أنّ المصدر أقوى من الحالة العينيّة التمثيليّة. وهكذا صارت النكبة في الرواية تشمل كلّ مصيبة، كلّ مأساة صنعها الإنسان نفسه، بقصد أو بغيره، إمّا بيده وإمّا بلسانه وإمّا بقلبه. بهذا الفهم الأوسع يلتقي حليحل مع أرسطو في تعريفه للتراجيديا. وأظنّ أنّ النكبة هي ترجمة دقيقة ومعقولة للتراجيديا الأرسطيّة. الرواية تفكيك ثمّ هيكلة من جديد. لا يوسّع حليحل مفهوم النكبة ولا يعيد صياغتها إلا بعد أن جعلها تتجاوز حدودها السياسيّة الظرفيّة المألوفة. شعبٌ يرفض النكبة لا بدّ له أن يرفض تقاطعاتها المجاورة واللاحقة ومقاماتها المتشعّبة في شعاب. شعبٌ يرفض النكبة، بوصفها حدثًا تاريخيًّا مصيريًّا، لا يمكنه أن يقبل بتفريعاتها وتعرّجاتها الاجتماعيّة والفكريّة والجندريّة المجاورة أو الموازية. رجلٌ يرجم المحتلّ بالحجر لا يمكنه أن يقمع زوجته ويرجم أهل بيته بكلّ أشكال التعنيف والترهيب. ومعلمّةٌ تضرب طالبًا صبيًّا إلى حدّ التشويه لا تملك الحقّ الأخلاقيّ في أن ترفض نكبة شعبها.

هاجر: مشروع مقاومة ثلاثيّ
هاجر شخصيّة مركزيّة في الرواية. هاجر هي الشخصيّة المركزيّة الوحيدة في الرواية لاعتبارات نصّيّة معروفة. والشخصيّات الأخرى تدور كلّها في فلكها بصفة أو بأخرى. ولمّا كانت كذلك فلا بدّ أن تتعلّق بها المعاني وتتحلّق حولها الدلالات بالضرورة. الشخصيّة المركزيّة هي حالة متكاملة منجزة بما تقيمه من تعالقات وتفاعلات مع محيطها القريب وسياقها العامّ. وليست كيانًا فرديًّا انفراديًّا، أو انعزاليًّا. لذلك كلّه يجعلها الكاتب قناته الأولى التي يمرّ عبرها إلى القارئ. كانت هاجر حبيسة في زمكانيّة خانقة.




في زمن رتيب سرقوا ماضيه وصادروا حاضره ومستقبله وزنزانة من مطبخ مغلق تفصلها عن العالم البرّانيّ المفتوح نافذة من زجاج. زمكانيّة تحكمها سلطتان من ذكرين فحلين: جمال ومصطفى. ثم سلطة فحوليّة ثالثة صادرت أوتارها الصوتيّة وحقّها في السرد بالضمير الأول. هكذا صارت هاجر مشروعًا ثلاثيّ الأبعاد لرفض التبعيّة وتقويض سطوة الهيمنة. وحين أقول إنها مشروعٌ أعني أنّ منجزاتها النهائيّة تتفاوت وتتفاضل في عمقها وتموّجات صداها.

(1) هاجر وجمال: تحرّر من هيمنة الفعل الماضي
جمال فعلٌ ماضٍ بُني على سكون وغياب. لم تعد هاجر تسمعه أو تراه. تركها مع حبّ واعد ووعدٍ كاذب وغادر إلى بلاد الغربة. ورغم ذلك كان حاضرًا جمالُ في قلبها ووعيها بقوّة. تحنّ إليه بمقدار ما جمع الحبّ الجميل الواعد بينهما، يهفو قلبها إليه وهو حالة غياب، يذبحها بالشوق إليه، وهو عنها غافلٌ ذاهل في بلاد الغربة هناك. حبّها لجمال هو مشروع لتأسيس الذاكرة. لكنّ الذاكرة لا يمكنها أن تصير الدائرةَ الأخيرة في صراع البقاء. كان جمال يملكها من حيث تدري ولا تدري، يتحكّم بقلبها وفكرها، وهو الذي "خان" الحبّ وسافر وهاجر وتركها للذكريات والحنين والأنين. وحين تضبط الذكريات نبض قلبها وحركة ذهنها ووعيها تدخل هاجر في حالة انفصام أو ما يشبهها. حين غذّى الفقد والغياب حاضرها ومستقبلها كانت هاجر قد أقحمت نفسها في مفارقة عاصفة بعثرت وجودها كلّه... غير أنها في الرسالة السادسة إلى "سومة" (ص 197 ـ 204) قد فعلتها وقتلته، قتلت جمال ومحته من ذاكرتها التي احتلّها، مثلما قتلت مصطفى. تقول هاجر في الرسالة: "يبدو أنّ على كلّ امرأة أن تقتل رجلًا، أو اثنين، كي تبدأ من جديد" (ص 204). قتلت رجلين في معركة قد طالت وامتدّت فاستطيبت "دموع الانتصار".



(2) هاجر ومصطفى: تحرّر من الفعل الحاضر والمستقبل
ما كانت قدرة هاجر ورغبتها في الاستقلال عن مصطفى لتكتمل إذا ما انحسرت إلى هذا الحدّ وانحصرت فيه وحده. كان لا بدّ أن تتحرّر من جمال أيضًا في المشهد نفسه. مصطفى حالة انفصام أو بعثرة. لم يعد مصطفى إلى نفسه مثلما عادت هاجر. انتقل من وحدانيّة الهويّة إلى ثنائيّة تنهض على تبعيض. أعني أنّ الهويّة الواحدة نفسها انقسمت على بعضها إلى اثنتين متوازيتين. لم تكن هنالك إضافة هويّة جديدة إلى واحدة قائمة تُفضي إلى ما يسمّونه تراكم الهويّات. كان مصطفى على امتداد الرواية شخصيّة "مسالمة" خانعة تقبل الظلم، بصفة أو بأخرى، أينما كان وكيفما كان، ولا تحرّك تجاهه ساكنًا، ولا تسكّن متحرّكًا. لم تكن تشغل باله "السياسة" وما تعنيه من قهر يمارسه جيش قاهر على شعب مقهور. ثمّ لم يعرف الرجل كيف يكون أبًا حانيًا يحصّل الأمن والأمان له ولأسرته. وفي مرحلة معيّنة، رفض الظلم السياسيّ الواقع عليه وعلى شعبه وأبقى على ظلمه هو لأهل بيته. مفارقة غريبة. وهكذا صارت الهويّة الواحدة نفسها بعضين اثنين: واحدًا يرفض الظلم والثاني يقرّه ويثبّته بالممارسة. وقد تكون هذه حالة انفصام لا ترى أيّ بأس في تبعيض الظلم. مصطفى، مثلما يتبدّى للقارئ، رجل تقليديّ نموذجيّ لا يحسن التعبير كما قال "أنا بعرفش أحكي وبعرفش أكتب"(ص 238)، قد يعبّر بتعبير مُفارِق عن محبّته لأسرته بشيءٍ من العنف. يبدو أنه كان يرى في أسرته بعضًا من مقتنياتٍ يملكها. وحينما أحسّ بأنه يفقدها حاول استردادها بالهدايا، أو "شراءها" من جديد بصندوق أغاني أم كلثوم، وسفط كنافة من الناصرة. "مفكّر تشتريني بأكم كاسيت" (ص 233) قالت هاجر ونسفت بجرّة حنجرة كلّ مخطّطه. فعاد إلى سابق عهده في التجنّي والظلم، بسرعة برقٍ عاد إلى ما كان عليه، وقال لزوجته وقتها جملته القاضية "نسيتِ إنه أنا الوحيد اللي اتطلّع عليك؟!" (ص 253).
بصرف البصر عن عمق التأويلات التخمينيّة الثلاثة ومصداقيّتها، تظلّ شخصيّة مصطفى ممسوسة بنوع من الانفصام والتشظّي. وهو إن دلّ على معنى فقد يدلّ على إشكاليّة الشخصيّة وقدرتها على فرض نوع من المصالحة بين أضداد لا تتصالح في الأصل. لا أعقل بالضبط هذا الانشطار، وهذا التبعيض للحقيقة. لا أفهم نصرته لشعبه المحتلّ في جنين ونابلس إلا من ثلاث زوايا محتملة: (1) الفطرة الإنسانيّة جُبلت على رفض الظلم. حين نظر مصطفى إلى ما يفعله البعيد كانت الرؤية واضحة، حدّد فيها وميّز بوضوح بين الظالم والمظلوم. ما جعله يثور ويصحّح مساره أو يقضي دينًا عن نفسه. وكأنه بهذا يكفّر عن ظلم يمارسه هو على أهل بيته. (2) بُعد النظر يعني أن ترى البعيد ولا ترى القريب، أن ترى ظلم غيرك ولا ترى ظلمك أنت للآخرين. ما يعني أنّ مصطفى لا يرى في سلوكه وممارساته ظلمًا أصلًا، لا يرى الظلم في ظلمه، ولا يرى بأسًا ولا ضيرًا فيه. (3) وكأنه بنصرته لشعبه ينتقم مصطفى لنفسه بوصفه جزءًا بيولوجيًّا من المظلوم. دفعُ الظلم عن نفسه هو دفع الخسران عنه. يرفض مصطفى أن "يخسر" في تحدٍّ أمام ظالم يُخسره كرامته. وكأنّ هذا من فطرة الخلق التي فطرها ربّ الخلق.

(3) هاجر والراوي: الرسائل السبع استعادة الحنجرة
لم تستطع هاجر أن تستعيد بعضًا من وظيفة الراوي العالم وسطوته، بوصفه سلطة نصّية تحتكر المعلومة على امتداد الرواية، إلا بعد أن تحرّرت من قبضة ذكرين فحلين: جمال ومصطفى على النحو الذي تقدّم بيانه. جمال الذي امتلك ذاكرتها وماضيها وزوجها مصطفى الذي امتلك حاضرها ومستقبلها. مصطفى الذي "حرّرها" من جمال، وقبِل على نفسه أن يتزوّجها رغم الفضيحة التي لحقت بها من جهة جمال. لكنّ مصطفى لم "يخلّصها" من ذاكرة جمال "ليستر" عليها، وإنما ليستعبد مشيئتها إلى أن يفصل الموت بينهما. لا تستطيع هاجر أن تستردّ صوتها إلا بعد التحلّل من ماضيها وحاضرها ومستقبلها. في نهاية الرواية، كانت هاجر تهجر ذاتها المحتلّة لتعيد تعريف نفسها وعلاقتها بالزمن. لا تستطيع هاجر أن تسعى لاستعادة أوتارها الصوتيّة وتنتصر على عورتها اللسانيّة إلا بعد أن تتحرّر ممّن قطع نفَسَها وسدّ فمها وكتم لسانها. سيأتي الصوت بعد زوال هذين التيسين. فكتبت سبع رسائل إلى أمّ كلثوم التي وجدت فيها معادلًا فكريًّا ومماثلًا أخلاقيًّا.
الرسائل السبع تكتبها أنثى إلى أنثى. سبع رسائل عن هيمنة الذكر الذي استفحل. وقد تستفحل الأنثى كالذكر. وقد تستفحل الدولة كأيّ نظام تراتبيّ. سبع رسائل مبعثها الهيمنة بأنماطها الفحوليّة التيسة المختلفة وطاقتها على القمع والقهر والسحل. كتابة الأنثى في الثقافة العربيّة هو نسق تعبير، هو إطلاق الصوت ورفعه. وصوت المرأة عورة حتى لو خفت. صوت المرأة عورة حتى لو كان همسًا للورق. حين تُحرم الأنثى من الجهر بالكتابة تُحرم من التواصل مع قارئ، فتلجأ إلى خطاب النفس للنفس على الورق، أو هي تلجأ إلى فنّ الرسالة الافتراضيّة. وما أكثر هذا الفنّ في ثقافة الحرام. هاجر لم تجد من يصغي إلى بوحها وينصت إلا أخاها "ثابت". لكنه لم يكن متاحًا كلّما تاقت روحها إلى بوح. فكتبت سبع رسائل إلى أمّ كلثوم لم ترسلها. وهكذا يصير المرسَل إليه صديقًا افتراضيًا ينصت إليك، تخاطبه، تبثّه شكواك، تعاتبه، وشريكًا تتعلّق به روحك. والصديق الافتراضيّ، شريكك في التواصل، يملك طاقة هائلة من التحمّل والصبر والجلد. تستطيع أن تدلق أمامه ما تشاء حتى لو شتمته فلن يجيبك. أمام الصديق الافتراضيّ أنت البطل. وإذا كان افتراضيًا فهو جزئيّة من حلم يقظة. وأحلام اليقظة هي جهاز دفاعيّ مثلما تقول آنا فرويد. الحالم نفسه يقرّر متى يحلم وأيّ المضامين تصلح لحلمه، يتحكّم بمادّة الحلم ومداه ومصير شخوصه الفاعلة. حلم اليقظة هو حلم حسب الطلب.
الرسائل السبع تعني الرغبة في تحويل الحبر إلى أوتار صوتيّة لا تبحّ. تعني التوق إلى استرداد الحنجرة التي حاول أن يصادرها الراوي واعيًا، أو غير واعٍ. الراوي الذي يحتكر الحقيقة النصّية فيسردها بالضمير الثالث من منظوره هو وحده. تأتي هاجر التي "خانها" الذكر، من الخلف والأمام، لتستردّ صوتها فتكتبه هي بلغتها ونبرها وفصاحتها وبلاغتها بالضمير الأول. تكتبه بغير وسيط في رسائل إلى "صديقة"، أو "شريكة" تخييليّة. وقد جعلتها سبعًا كي تحيطها بهالةٍ من عمق فلسفيّ وشيء من القداسة. ولعلّ هاجر تلوّح باللغة الشعريّة والفلسفيّة العالية في رسائلها إلى قدرتها على امتلاك اللغة ورغبتها في تفتيت مفهوم العورة. ولا شكّ في أنّ حليحل نفسه كان يُطلّ من خلف كتفها يُملي عليها ما تكتبه في رسائلها. كان يهمّه أن تنجح في رفع صوتها إلى أقصى مدى قد تصله أوتارها الصوتيّة.
كانت هاجر في رسائلها الأولى تعيش في اللغة. صارت في رسائلها المتأخّرة تعيش اللغة فيها وبها. كانت رسائلها الأولى خطابًا، حلمًا، تظلّمًا، تشكّيًا، بثًّا لألم، بوحًا بمكتوم. كانت تعبيرًا أو تعليقًا على ما مضى وانقضى. صارت هاجر في رسائلها المتأخّرة تسرد بعضًا من أحداث الرواية يقرأها القارئ لأول مرّة في الرسائل نفسها. فيها صارت هاجر راويةً تكشف معلوماتٍ مفصليّة تتّصل بتحوّلاتها المصيريّة. حين امتلكت هاجر اللغة وشغّلت قدرتها على الحكي صارت رسائلها الأخيرة جزءًا من حياة السرد.




صارت السادسة والسابعة جزءًا من فعلٍ تفعله، أو ستفعله، وجزءًا من السرد تدوّنه للمرّة الأولى بنفسها عن نفسها. هكذا صار صوت هاجر جزءًا من أمل، أو بعضًا من مستقبل. كانت هاجر كيانًا بشريًّا بيولوجيًّا قبل استعادة قدرتها على تفعيل اللغة. باللغة انتقلت من حالة بشريّة إلى حالة إنسانيّة. لا يصير الآدميّ البشريّ إنسانًا إلا باللغة وتفعيل قدراتها التواصليّة. باللغة نفكّر، وبها نعبّر، وبها نغضب، وبها نوصل الغضب إلى مبعثه. باللغة نفعل فعلنا. في الرسائل المتأخّرة صارت هاجر راوية ساردة للحدث بضمير الأنا الذي كان الراوي الرسميّ يملك حقّ سرده بضمير الهو. والجميل أنّ هذه الأحداث التي سعت إلى أن تسردها بنفسها عن نفسها هي انتصارات. وكأنّ هاجر لا تقبل أن تفرّط بلحظة الإعلان عن انتصاراتها لغيرها بلسانها ولغتها هي. ومن أولى منها بالتعبير عن فرحتها؟!

"إنها بطلة": النهاية عودة إلى البداية
إذا كانت الأنظمة، وكلّ أنماط السلطة، بهذا التوصيف، فلا بدّ في المحصّلة النهائيّة أن تتفجّر المقاوَمات، تطلع من عمق الرهبة، تصعد من قاع الرجفة. حين تركت هاجرُ مصطفى يسحق أناها، ويمحق مشيئتها وقرارها، شطبت نفسها ومحت. لكنّها "عادت إلى نفسها هاجر" (ص 226) بعد أن هجرت طبيعتها المكتسبة.
يومَ "ضاع" نور ابنها الثاني قالت هاجر "تعلّمت أغضب" (ص228). والغضب سيدّ المواقف. هذي بالضبط نقطة التحوّل في الرواية، سمّوها إن شئتم القشّة التي قصمت ظهر البعير. لكنّ هذا التحوّل الذي اقتحمها من الخارج يرافقه محفّز خارجيّ آخر هو أمّ كلثوم. وأمّ كلثوم، بشخصها وشخصيّتها، هي المعادل الفكريّ والروحيّ لهاجر. أمّ كلثوم هي التي جعلت الروح تدبّ وتضجّ في هاجر (ص229). وكلّ هذه التفاعلات والمحفّزات البرّانيّة ما كانت لتنجح في فعل التحويل لولا استعدادُها الطبيعيّ وفطرتها السويّة، التي فطرها عليها ربّها، لاحتضان هذه المحفّزات وتفعيلها من داخل وعيها وإدراكها هي. ولمّا التقت المحفّزات البرّانيّة المصاحبة مع استعدادها الجَوّانيّ استطاعت هاجر أن تهجر ذاتها العتيقة الخانعة إلى ذاتها الجديدة، وتصير بفعلها هذا مؤهّلة للقب البطولة، مثلما قال ثابت أخوها لنفسه "إنها بطلة" (ص230). ما كانت هاجر لتستحقّ لقب البطولة لولا أنها انتقلت من حالة تظلّم إلى حالة مقاومة بالفعل. ثلاثة أفعال كبرى هي قرائن إجرائيّة صريحة تبرهن فيها بالحجّة على تحرّرها من الخوف. كانت هاجر، بعد زواجها من ابن عمّها مصطفى، تخشى مواجهة كلّ سلطة بصرف النظر عن وجهتها. والسلطة مخيفة إلى حدّ الشلل. أول الأفعال انتقامها لابنها نور من المعلمة روز التي أهانته وضربته وسبّبت له ألمًا كبيرًا وتشوّهًا خلقيًّا (ص186 ـ 190). ثانيها، مواجهة مصطفى بالمحاججة والمصارحة والمجاهرة من دون أن يرتدّ لها رمش. وهي التي كانت من قبلُ ترتابه وتتجنّبه وتخشاه حتى في النظر إلى وجهه. وثالثها، طلب العودة إلى التدريس في المدرسة الثانويّة التي توقّفت عن العمل فيها نزولًا عند طلب زوجها مصطفى حينما تزوّجا (ص199).
"إنها بطلة"، قال أخوها ثابت لنفسه. غير أنها بطولة أساسيّة بدئيّة صفريّة. هي استعادة لحقوق تضعها على خطّ الصفر للبدء بالحياة. ليست بطولتها إلا بداية صراع مستقبليّ ينتظرها ويملأها توجّسًا وحزنًا وريبة. لم تصر حالة نهائيّة منجزة. بل بقيت حالة تمهيديّة لصراع عنيف مرتقب. ليست بطولة هاجر بطولة حسمٍ وجزمٍ وانتهاءٍ وانقضاء. لا بطولة عنترة، ولا الزير سالم. هي بطولة انتصرت فيها على هزيمتها الجوّانية، ومكّنتها من البدء في رحلة الصراع على البطولة "الكاملة". هكذا انتهت الرواية، انتهت بتحصيل الحدّ الأدنى لمقوّمات البطولة المنجزة: الانتصار على ذواتها المهزومة. التحلّل من آثار الانتكاب. ما حصل لهاجر في رحلتها لاستعادة الذات وانتصارها على خوفها مقنعٌ وجميلٌ يبعث الأمل.
الرواية فعل مقاومة في المقام الأول والأخير. والمقاومة على مسارات تتراتب فتتفاضل. تفاضلها مردود إلى تراتبها. أعني أنّ مسارات المقاومة في الرواية مقامات. في المقام الأول، أعلى درجات الترتيب والتراتب، هي المقاومة لتحصيل العمق الإنسانيّ للإنسان، تحصيل إنسانيّة الإنسان ونقله من حالة بشريّة (بيولوجيّة) إلى حالة إنسانيّة، إلى حالة وعي. وماذا نسمّي هذه المقاومة وهذا التحصيل إذا كانت الأنثى هي هي التي تسعى لتحصيل إنسانيّتها المصادرة؟ سمّوها مقاومة نسويّة ولا ضير. سمّوها ما شئتم من الأسماء الرائجة في النقد الأدبيّ العربيّ والعالميّ. حينما يكون القاهر ذكرًا تيسًا، أو فحلًا متيسًا، والمقهورة أنثى، قد صادر حقّها في الحياة واللغة، فكيف لا تكون المقاومة موسومة بالحرام، قصدي بأنوثتها المحرّمة؟! حينما يكون الظالم جيشًا عسكريًّا، والمظلوم شعبًا محتلًّا، فكيف لا تكون المقاومة إذًا سياسيّة وطنيّة قوميّة؟! لا أخشى الأسماء والمصطلحات. ما وضعوها إلا لتعيننا على الفهم والترتيب والتدقيق. هذه الريبة، أو رهاب التسميات هو خوف من وسم يتبدّل مع تراكم الوقت إلى وصم. والخوف من وسم النسويّة هو من ذبذبات الخوف وارتدادات العيب والحرام في الذهنيّة العربيّة التراكميّة.

تذييل: ثلاث ملاحظات
في الرواية ارتباكات قليلة. بعضها على مستوى التشكيل والتنصيص، وبعضها على مستوى الفكر. أبدأ بالفكر. ولي فيه ملاحظة أحسبها مصيريّة. نهاية الرواية مرتبكة ومربكة. أن يخنق يزن أخاه "نور" أمر يبدو لي هجينًا مستهجنًا لثلاث حجج: السرعة والسهولة والضرورة. إذا كنّا نصرف النظر عن حجّتي السرعة والسهولة الآن فما هي الضرورة الدلاليّة لفعل القتل؟! كيف يكون القتل هنا علامة سيميائيّة على معنى بعد أن نجحت الأنثى في التحرّر وتفتيت الهيمنات الثلاث؟! ما حصل بين الأخوين، كفعلٍ موازٍ لما حصل بين الوالدين، هو حالة خصاء. كيف يمكّن الكاتب "هاجر" من فعل التحرّر والاستقلال بشكل مقنع، ثم يخصي فعلها ويحبط بطولتها البدئيّة بقطعها عن امتدادها نور؟! قد تنتقل عدوى الخصومة من الأهل إلى الولدين. ولا غرابة في الأمر. الغريب الغريب هو هذا القتل. وكأنّ كلّ نجاحات هاجر من تمرّد وثورة هي من العبث محكومة بالإجهاض منذ ولدت.

نكبة فلسطين عام 1948 (Getty)

اللحظة التي تنتهي عندها الحكاية هي بداية الرواية. نور هو الامتداد البيولوجيّ لهاجر. لكنه أيضًا امتداد لصحوة الوعي الذي احتفلت به هاجر واحتفت عند النهاية. نور، الذي كان سببًا مباشرًا في نقطة التحوّل المصيريّة في الرواية، هو نور النهاية وما بعد النهاية.  قُتل نور. أُعدم. ليس هنالك موت في أيّ عمل أدبي، أو فنّيّ. لا يموت أحد في أيّ عمل فنّيّ، لا ميتة طبيعيّة، ولا اصطناعيّة. إذا كان هنالك موت فهو حكمٌ بإعدام. أعني أنّ الكاتب لا يعدم شخصيّة إلا لضرورات سيميائيّة دلاليّة. كيف ألجأ الكاتبُ هاجرَ إلى فعل التحرّر، من جهة، ثمّ أعدم امتدادها الروحيّ الثوريّ "نور" من الجهة الأخرى؟! لو افترضنا أنّ هاجر لم تتغيّر ولم تتحرّر وظلّت على حالها من قبول وخنوع لكان موت نور علامة سيميائيّة طبيعيّة ومقنعة على موت الأمل. إعدام نور لا يتساوق ولا يتناغم مع نجاحات هاجر وبطولتها.
ومن التفكير إلى فعل التنصيص، أعني التشكيل النصّيّ. ولي فيه ملاحظتان لا تتفاضلان: (1) نحن نفرّق بين رواية التفاصيل ورواية العناوين. رواية التفاصيل هي رواية واقعيّة طبيعيّة. ورواية العناوين هي على الغالب رؤوس أقلام أليغوريّة تكتفي ببرقيّات الترميز. رواية علاء حليحل أرادت أن تكون واقعيّة طبيعيّة تحتفي بالنتف الصغيرة التي يراكمها الكاتب، النتفة جنب النتفة، والمعلومة قبل المعلومة وبعدها وفوقها وتحتها، لتصير مشهدًا متكاملًا منجزًا ودقيقًا. الشيطان اللعين نفسه يندسّ بين التفاصيل، في بعض الأحايين، لتصير ذات معنى قد نرتضيه وقد نمقته. من قرأ منّا مشهد الطالبة الجامعيّة وهي تدخّن سيجارتها في مكان قصيّ بعد الدوام في قصّة يوسف إدريس "حالة تلبّس"، على امتداد صفحات كاملة، أدرك قصدي في الحديث عن شيطنة التفاصيل. رواية التفاصيل تنقلك من حالة قراءة إلى حالة تفاعل وعيش. والفرق بين أن تقرأ الكلام وأن تعيشه كالفرق بين الحكي والشوف. وهل الحكي مثل الشوف؟! ولمّا أرادت رواية علاء حليحل أن تكون واقعية طبيعية، كنت أرجو أن تتناسل التفاصيل في كثير من مواقفها ومشاهدها أزيد فأزيد. كنت أرجو أن يظلّ بعضها ينسل من بعضها حتى تفقد اللغة طبعها الغائيّ وتصير حياة. ومن قرأ رواية "قناديل ملك الجليل"، وهي من الملهاة الفلسطينيّة، لإبراهيم نصر الله، فهم معنى أن تصير اللغة حياة. ولا بدّ من التأكيد على أنّ الرسائل السبع، خصوصًا الأولى منها، رغم قيمتها النصّيّة والفكريّة العظمى، كانت تختصر فعل السرد المفصّل أحيانًا، تلخّص الأفكار وتنقلها بالحكي، لا بالفعل المشهديّ، جاهزة للاستهلاك. (2) تبدو الرواية سلطويّة رقابيّة في بعض شخوصها وأحداثها، يجعلها الكاتب تحت نظر رقيبٍ حسيب باستمرار. في الرواية مسحة من أدلجة فوقيّة تتمظهر في التبريرات الفلسفيّة العميقة لبعض الأحداث والأفعال. تبريرات ترهن الحدث وتلفّه بمقولات كبرى لا يدركها إلا العقل. إصرار الكاتب على تعقيل بعض الحواسّ هو محاولة للهيمنة على فعل السرد. وكأنه لا يستطيع المجازفة، ولو للحظة، بالاكتفاء بالحدث نفسه. وهكذا يبدو أنّ الفعل قد يسبق الشخصيّةَ أحيانًا. بعض الأفعال تسبق شخصيّاتها، أو هي تبدو أكبر منها بكثير في بعض المشاهد... وتظلّ رواية علاء حليحل فعلًا فنّيًّا عميقًا يحضّ على مزيد من التثاقف والتفاكر!

*ناقد وأستاذ جامعي من فلسطين 48.