Print
مها عبد الله

عقل فيزيائي يسع الكون الفسيح

24 أبريل 2024
عروض



يضم كتاب "الثقوب السوداء والأكوان الناشئة" لستيفن هوكينج (ترجمة: محمد إبراهيم الجندي، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2023) بين دفّتيه مجموعة مقالات علمية تتطرق في مجملها إلى أصل الكون والمستقبل المحيط به، والثقوب السوداء المتناثرة في فضائه إلى جانب البيضاء منها ووقودهما النووي، وفيزياء الكم المعقّدة، ونظرية أينشتاين النسبية، وإمكانية السفر عبر الزمن، وذلك الزمن المتخيل...، وموضوعات أخرى تنتهي بالحديث عن الجبرية وعن خلق الله للكون والسؤال الملحق به بالضرورة: هل كل شيء محتمّ أم أن للإنسان الاختيار؟

مؤلف الكتاب (ستيفن هوكينج، 1942 - 2018) عالم الفيزياء الإنكليزي، الأبرز عالميًا. ولد في أكسفورد وتخرّج في جامعتها مع مرتبة الشرف الأولى في الفيزياء، ثم حصل على درجة الدكتوراه في علم الكون من جامعة كامبريدج. تم تشخيصه في صغره بمرض (التصلب الجانبي الضموري) والذي سينهي حياته خلال أعوام معدودة حسب الرأي الطبي آنذاك، إلا أنه استمر ليعيش حياة مديدة كانت مثالًا للتحدي أثمرت عن أبحاث ودراسات علمية رائدة، نافس فيها أقرانه الأصحاء، واستحق دونًا عنهم كرسي الأستاذ في جامعة كامبريدج، والذي حظي به من قبل السير إسحاق نيوتن... كما حظي بزوجة وأطفال، حتى مات بينهم بسلام عن عمر ناهز الخامسة والسبعين عامًا. وللمفارقة، فإن يوم وفاته يصادف يوم الاحتفال العالمي بميلاد ألبرت أينشتاين، رائد النظرية الفيزيائية الحديثة. وفي كلمة ألقاها في مؤتمر الجمعية البريطانية للأمراض العصبية الحركية، أجاب عن سؤال يتعلق بمرضه قائلًا في نبرة لا تخلو من رضى وتفاؤل: "لا أشعر حياله بالكثير من المشاعر. إنني أحاول أن أعيش حياة طبيعية قدر الإمكان ولا أفكر في مرضي أو أتحسر على الأشياء التي يمنعني المرض من القيام بها، وهي ليست كثيرة للغاية في واقع الأمر".

لذا، يخصّ هوكينج المقالات الأولى من كتابه لعرض جانب من سيرته الذاتية، تتضمن حياته مع والديه المنتميين إلى عائلة عريقة في الطب، وروح العزة وعزيمة الكفاح وقيم تسخير النفس للإنجاز والعطاء التي نشأوا عليها، غير مبالين بالعلاقات الاجتماعية والترف المصاحب لها والمتع الشكلية. ثم يختم كتابه بحوار إذاعي شائق أجرته معه قناة البي بي سي البريطانية. أما في مقالات الكتاب الأخرى وهي فحوى كتابه، فقد تحدث عن أصل الكون مع سرد تاريخ موجز للزمن، والفيزياء النظرية في الأفق، وميكانيكا كم الثقوب السوداء، وعن حلم أينشتاين، وغيرها. 

وعن مراجعة الكتاب هنا، فهي تعتمد على الطبعة الأولى الصادرة منه عام 2023 عن (دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع)، والذي عني بترجمته من لغته الأصلية (Black Holes and Baby Universes - By: Stephen Hawking) المترجم المصري محمد إبراهيم الجندي، والذي أثرى بدوره المكتبة العربية بمراجعة وترجمة أكثر من مائتي كتاب، وقد نال عام 2016 جائزة "الترجمة العلمية" المقدمة من المركز القومي للترجمة. والمراجعة تشتمل على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

لا يتفق هوكينج مع الرأي الذي يعتبر الكون لغزًا غامضًا، قابلًا للتخمين ولكن ليس للتحليل والفهم الكاملين! وهو الرأي الذي من وجهة نظره لا ينصف الثورة العلمية التي استهلها غاليليو منذ أربعمائة عام وحمل رايتها نيوتن من بعده، حيث أوضحا بأن بعض مناطق الكون تحكمها قوانين رياضية دقيقة، ولا تسلك بطبيعتها مسلكًا عشوائيًا! وعليه، يشجع هوكينج على الاعتقاد بإمكانية فهم الكون فهمًا كاملًا من خلال نطاق القدرات البشرية التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى إيجاد نظرية كاملة عن الكون، "وفي هذه الحالة سنكون بالفعل سادة الكون" حسب تعبيره.

تسببت النظرية النسبية العامة لأينشتاين بأزمة، وذلك لأنها تتنبأ (المتفرّدات) أو بوجود أماكن في الكون يكون للزمكان فيها بداية ونهاية، حيث يعتقد هوكينج بأن معادلات النسبية العامة التي يرتبط انحناء الزمكان فيها بتوزيع الكتلة والطاقة، لا يجوز تعريفها بـ (المتفرّدات)، وهي بالتالي لا تتمكن من التنبؤ بما تنتجه هذه (المتفرّدات). يقول في (حلم أينشتاين): "لا تستطيع النسبية العامة التنبؤ بالكيفية التي يجب أن يبدأ بها الكون عند الانفجار الكبير، ومن ثم فإن النسبية العامة ليست نظرية كاملة. إنها تحتاج إلى عنصر إضافي لتحديد الكيفية التي ينبغي أن يبدأ بها الكون وما ينبغي أن يحدث عندما تنهار المادة بفعل جاذبيتها".

هوكينغ في بورتريه لـ محمد حرير


وفي المقالة التي حملت عنوان الكتاب، يبسّط هوكينج فكرة الثقوب السوداء التي طاولها الكثير من شطحات الخيال العلمي! إذ أن المكان والزمان يشكّلان فضاء آخر منحنيًا يُدعى الزمكان، وذلك بتأثير من الطاقة والمادة معًا. يظهر هذا الانحناء أو التحدّب صغيرًا في الموجات الضوئية القادمة إلى الأرض وهي تعبر بالقرب من الشمس، غير أنه يبدو كبيرًا كلما ابتعدت الموجات الضوئية عن الشمس. وحسب النظرية النسبية، فإنه لا يمكن لأي شيء أن ينتقل بسرعة تفوق سرعة الضوء، بحيث لا بد أنه ستكون هنالك منطقة يستحيل فيها الضوء أن يفلت، لذا فإن ذلك الضوء الذي فلت من الشمس سُيسحب عائدًا إليها بفعل الجاذبية... وتلك المنطقة ببساطة تُسمى (ثقب أسود). يستكمل هوكينج رحلة الضوء تلك ويقول: "وبينما يطلق الثقب الأسود الجسيمات والإشعاعات، فإنه سيفقد كتلته، وسيؤدي هذا إلى أن يصبح أصغر وإلى أن تنبعث منه الجسيمات بسرعة أكبر. وفي النهاية، سوف ينخفض إلى كتلة صفرية ويختفي تمامًا. ماذا سيحدث بعد ذلك للأجسام، بما في ذلك سفن الفضاء المحتملة، التي سقطت في الثقب الأسود؟ وفقًا لبعض الأبحاث التي أجريتها مؤخرًا، فإن الإجابة هي أنها ستنتقل إلى كون صغير ناشئ خاص بها. يتفرّع كون صغير قائم بذاته من منطقتنا من الكون. قد ينضم هذا الكون الناشئ مرة أخرى إلى منطقتنا من الزمكان، وإذا حدث ذلك، فسيبدو لنا وكأنه ثقب أسود آخر تشكل ثم تبخر. ستظهر الجسيمات التي سقطت في أحد الثقوب السوداء على هيئة جسيمات تنبعث من الثقب الأسود الآخر، والعكس صحيح".

لا يحدّد هوكينج ما إذا كانت البنية الأولى للكون قد تمت باختيار الله أو أنها صمّمت بواسطة قوانين العلم، غير أنه يعتقد بأن العلم سيحتّم التطور المستمر للكون. يقول في مقالة (هل كل شيء محتوم؟) قولًا منطقيًا: "لا يمكن للمرء أن يبني سلوكه على فكرة أن كل شيء محتوم، لأنه لا يعرف ما الذي قد تحتّم. يتعين على المرء بدلًا من ذلك أن ينتهج النظرية الفعّالة القائلة بأن المرء يملك إرادة حرة، وأنه مسؤول عن أفعاله. هذه النظرية ليست جيدة جدًا في التنبؤ بالسلوك البشري، لكننا ننتهجها لأنه ما من فرصة لحل المعادلات المنبثقة عن القوانين الأساسية". ولحرية الاختيار لدى عالم الفيزياء قيمة اجتماعية، بعيدًا عن التنظير العلمي، فيوضّح رأيه في هذا قائلًا: "يوجد أيضًا سبب دارويني وراء إيماننا بالإرادة الحرة: المجتمع الذي يشعر فيه الفرد بالمسؤولية عن أفعاله من المرجح أن يتعاون ويبقى على قيد الحياة لنشر قيمه. بالطبع، يتعاون النمل تعاونًا جيدًا، لكن مجتمعًا كمجتمع النمل هو مجتمع جامد، إذ لا يمكنه أن يستجيب للتحديات غير المألوفة، أو أن يطوّر فرصًا جديدة. غير أن مجموعة من الأفراد ذوي الإرادة الحرة الذين يتشاركون بعض الأهداف المشتركة، يمكنهم أن يتعاونوا في تحقيق أهدافهم المشتركة، ومع ذلك يتمتعون بالمرونة لصنع الابتكارات. ومن ثم فإن مثل هذا المجتمع من المرجح أن يزدهر وينشر نظامه القيمي".

ختامًا، وبينما يعبّر إسحق نيوتن بلغة فيزيائية عن الحركة الميكانيكية بقوله: (لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار وعكسه في الاتجاه)، يعتقد ستيفن هوكينج بأن صفة العناد لا بد وأن تلازم كل ذي عقل... وإنه "قوي الإرادة والعزيمة"... وبحسب اعترافه "لو لم أكن كذلك إلى حد ما، لما كنت هنا الآن".