Print
أوس يعقوب

عبد عابدي: السرد البصري حالة من محاكاة الوجدان

16 مارس 2020
حوارات
"ليس باستطاعة الإبداع تغيير الواقع غير أنّ بإمكانه إثارة الوجدان إن ما تفاعلنا نحن في المساهمة في تغيير عالم الشر لأجل عالم يسوده العدل والسلم"- بهذا القول بدأ الفنان التشكيلي الرائد عبد عابدي (ابن مدينة حيفا) حواره هذا معنا، مؤكداً: "لقد ساهم مبدعونا في هذا المشرق وأنا منهم في عملية الإنشاد والتغريد وتحفيز الإبداع ونقل أشكال المعاناة بالريشة والقلم وتطويع الحس الإبداعي البصري جمالاً، شكلاً وهدفاً".

هنا نص الحوار:

 


(*) كيف يقدم عبد عابدي نفسه إلى قرائنا؟
ـ ولدت في حيفا بلد الأجداد عام 1942، في أيام الحرب العالمية الثانية والغارات التي قصفت محطة تكرير البترول فيها. أعتبر نفسي من الفنانين الرواد الذين سعوا لإيجاد الوسيلة الإبداعيّة السردية في محاكاة الوضع الذي نشأ عقب ما حلَّ بنا من نكبة، عاملين على أن يكون الإبداع البصري شاهداً على ما ألم بنا وبعائلاتنا، خاصّة في مجتمعنا الحيفاوي والفلسطيني الذي لا زالت النكبة تهز ذاكرته. اليوم وقد أصبحت "شيخاً" أستعيد كيف عملت على أن يكون السرد البصري حالة من محاكاة الوجدان والسعي للوصول برقي إلى عالم يصبح فيه الإبداع ميزة لـ"ماركة فلسطينية مسجلة".

 

"جائزة فلسطين" تقدير وعرفان لمنجزي البصري
(*) حصلت العام المنصرم على "جائزة فلسطين للفنون" مناصفة مع الفنان خالد حوراني، ماذا عنى لك ذلك على الصعيد الشخصي؟
ـ منحي "جائزة فلسطين للإبداع البصري – التشكيلي" لعام 2019 هو حدث مهم جداً بالنسبة لي، وتنبع أهميته من كوني أول الحاصلين على هذه الجائزة من مبدعي الداخل المحتل (أراضي 48)، وهو ما أعتبره تقديرا وعرفانا لما أنجزته وأنجزه مجتمع متنام من المبدعين الشباب في الجليل والمثلث وكل أبناء وبنات شعبنا هنا.
بالمقابل أقول: كل التقدير والامتنان لكل الفلسطينيين في هذا العالم، وفي مقدمتهم أختي لطيفة (أم العبد) في مخيم اليرموك في العاصمة السورية دمشق، ولأولادها وأحفادها في الشام والمنافي البعيدة في عالم واسع يبخل أن يجمعنا بهم تحت سقف واحد.
كما أعتبر أنّ استحقاق الجائزة هو دليل ومؤشر من قبل القائمين عليها للتأكيد على تلاحم كافة أبناء المجتمعات الفلسطينية في جغرافيتنا الممزقة. وأسمحوا لي أن أذكر لكم بفخر أنّ أحد المهتمين قال لي بصدد الجائزة الممنوحة: "إنّك تستحق نيلها منذ ثمانينيات القرن الماضي"، أي قبل أن أصبح "شيخاً".

 

البدايات
(*) ما الذي جاء بك إلى عالم الألوان، وكيف كانت البدايات؟ ومن ثمّ من تريد أن تذكر من أصحاب التجارب الفنية التي أَثَّرَتْ فيكَ، وأَثْرَتْكَ أيضاً؟
ـ اكتشفت لاحقاً أنّ عناصر الإبداع في الحضارة الإسلامية اعتمدت على إبداع خط "الكاليغرافي"، وكذلك ما أنجزته البشرية وثقافات الشعوب، وإن كانت الكلمة محفورة خطاً على الصخر والطين فهو الرد الطبيعي لما ننطقه من أصوات وهو الخطوط والإشارات للتفاعل ومن ثمّ التخاطب،

وإن كان كذلك تطور البشرية فهكذا اعتمدت هي أيضاً الإبداع الشعوري بالتصوير والمحاكاة، وعليه أكون أنا أيضاً من تعامل بخط الغرافيك كعنصر توظيفي مهم في العمل الإبداعي في مراحله المختلفة، لحين الحاجة الملحة في استيضاح عنصر الخط كمركب هام في بناء "الموتيف اللوني" وهو ما يجمع عناصر الخط والمساحة، وقد تكون لونية لمحيط قد يكون مطلوباً -لكن ليس في كل الأحوال.

وللتوضيح فإنّني درست الفنون البصرية في "جامعة الفنون" في مدينة "دريسدن" الشرق ألمانية بين عامي (1964-1971)، وأعتبر تلك الفترة من محصلات عمري في هذا الحقل، حيث تأثرت بخلاصة المدارس الفنية الألمانية، في الحقبات التاريخية المختلفة، بدءاً بعملاق فنون النهضة الألمانية ألبرخت دورير، وهانس باين وغرونيفالد وغيرهم. كان دورير أحد البارزين في الرسم الطباعي، وهو رسام الغلابة والمستحقين والمسحوقين في أواسط القرن الخامس عشر. كذلك بما أنجزته الحركات الإبداعيّة الألمانية ومنذ بداية القرن التاسع عشر والفترات اللاحقة في التاريخ الألماني.
طبعاً تأثرت بالنهضة العربية والفلسطينية في البدايات، والتي ظهرت في سنواتها الخجولة في بغداد والقاهرة ودمشق، وكان أن تأثرت بأعمال الصديق الفنان الراحل إسماعيل شموط، وأنا إلى الآن من المعجبين بأعمال الفنان العكّي إبراهيم هزيمة المقيم حالياً في برلين.

 في الريف الهنغاري، أحبار على ورق، عمل جديد 2020


















(*) لنتحدث قليلاً عما تذكره من مشاهد الطفولة في مدينتك حيفا. وما هي المشاهد التي اختزنتها ذاكرتك، وتستطيع القول إنّها وجدت طريقها بشكل ما إلى لوحاتك؟
ـ ذكرت في البداية أنّني ولدت في حيفا لعائلة حيفاوية عريقة من جهة والدي ومن جهة والدتي خيرية الحاج (عمها أي شقيق جدي عبد الرحمن الحاج كان رئيس بلدية حيفا المنتخب في الأعوام 1922-1928).
حين حلت النكبة في 1948، كان عمري ست سنوات، وأصبحنا يوم 22 نيسان/ أبريل من ذلك التاريخ في عداد النازحين من الوطن وعبر البحر لاجئين لاحقاً في مخيّم "الكارنتينا" ومن ثمّ مخيّم "الميّة وميّة"، وتنقلات مختلفة في لبنان، ومن ثمّ لاجئين في سورية، تحديداً في حي الشاغور، أحد أعرق أحياء دمشق القديمة، ونزلنا في جامع الصابونية المهجور آنذاك، وبعد المكوث فيه فترة السنتين ونصف السنة استطاعت الوالدة الرجوع إلى حيفا حيث بقي فيها والدنا الذي رفض الخروج من أرضه، وكان ذلك بعد فترة من الزمن الشقي والمؤلم في السيرة والمسيرة.

هناك مشهدان هامان في ذاكرتي وأنا طفل، الأول مشهد النزوح من ميناء حيفا باتجاه المجهول، والثاني جامع الصابونية القريب من المقبرة الصغيرة بحي الشاغور القريب من سوق الحميدية وبوظة بكداش، والمميز بمشربيات البيوت الدمشقية العتيقة.. إنّه الحنين الذي يراودني منذ الطفولة إلى اليوم.
الأعمال الأولى لي في فترة الشباب اتّخذت موضوع التهجير والقرى الفلسطينية التي هجرت من ساكنيها إبان قيام إسرائيل، ولاحقاً وصف مكان التهجير والطرد من الوطن عبر الميناء (بوابة الميناء رقم 2)، هذا العمل ألهم وجداني حين أجلست والدي المسن قاسم عابدي كشاهد عما مضى فتطابق حديثه مع ذاكرتي البصرية فكان ذلك المشهد الذي كان ولم تتغير بيئته، وإن ذكرت جامع الصابونية فإنني أتذكر خالتي زينب وأولادها وأختي لطفية وأطفالها وعائلات كثر من حيفا التي هُجّرت غالبية سكانها.

 

(*) شاركت في عشرات المعارض، الفرديّة والجماعيّة، في فلسطين المحتلة وخارجها، فما هي القيمة المضافة التي أتت بها؟ وهل تمكنت من تكوين جمهور يتابعك على مر السنوات؟
ـ أقمت معرضي الأول في مدينة "تل أبيب" وهو المعرض الأول لشاب عربي فلسطيني عام 1962. إنّه توثيق مهم لمسيرة الإبداع التي بدأت في تعريف ثقافات أخرى في محيط عدائي ومتجاهل وفي أوضاع من التفرقة العنصرية ونظام حكم عسكري طال المناطق الفلسطينية في البلاد ومنها حركة التواصل والإغلاق.

كانت البداية في نشوء حركة ثقافية خجولة في بدايتها لكنها سريعة التحول والارتقاء، وبدأ مشواري الإبداعي بقبولي عضواً في "رابطة الرسامين والنحاتين"، قبل سفري للدراسة في كلية الفنون الجميلة في ألمانيا الشرقية عام 1964.
أنجزت معارض عدّة وأقمت نشاطات إبداعيّة تركت أثرها لاحقاً، وكان أن عدتُ للبلاد بعد غياب سبع سنوات قضيتها في ألمانيا الشرقية.
وأذكر أنّ عدد خريجي الكليات الأكاديمية لم يتجاوز ثلاثة أشخاص في تلك الأعوام، وفي أواسط السبعينيات تضاعف العدد وأصبحت لدينا كوادر جعلت من الإبداع البصري هواية ومهنة، وعمل هؤلاء في سلك التعليم، وكان أن اكتشفنا مهارات عديدة في كليات التمثيل والتصوير والآداب وغيرها.
إنّ ذلك النشاط قد فتح باب التذوق وتطوير أداء التعامل وخلق بيئة ثقافية مميزة.
وأذكر أيضاً أني في تلك السنوات عملت في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية وفي عدّة مجلات ثقافية في حقل التصميم والرسم، وساهمت لسنوات بأعمالي الغرافيكية في تعميق لغة الإبداع لدى جمهور واسع، وأعتقد أنّ ذلك ترك بصمة هامة في تطوير مجالات إبداعيّة أخرى في الحيز الفلسطيني في الداخل والخارج.

 

(*) لو قيّض لك البدء من جديد، أيّ مسار كنت ستختار؟ وهل تشعر بالرضى عمّا أنجزت حتى الآن؟
ـ أقولها تواضعاً بأنّني أنجزت الكثير في هذا المجال حين رجوعي إلى حيفا وإلى الآن. هنا نشأت قاعدة إبداعيّة مميزة لأقلية فلسطينية في وطنها على الرغم من السياسات التي وضعت من قبل سلطات الاحتلال، منها العدمية القومية وسياسات الإقصاء والتجاهل. نحن في وضع برزت فيه وجوه إبداعيّة مؤثرة في المحيطين الخارجي والداخلي، وإن كان السؤال عن الرضى وإذا كنت نادماً عن اختياري هذا المسار الفني الإبداعي وما حققته من حلم طفولتي، فأنا بالطبع أشعر بالسعادة والتفاؤل والأمل في نجاح وازدهار مسيرتنا الإبداعيّة قدماً.

 

محطات مميزة
(*) بعد هذه الرحلة الطويلة مع الريشة واللون هل رسمت اللوحة التي تريد؟
ـ من إنجازات تحقيق الأمنيات في خضم مسيرتي الإبداعيّة إقامة النصب التذكاري ليوم الأرض في بلدة سخنين في الجليل، بمساندة من الفنان التقدمي غرشون كنيسبل.
كان هذا الإنجاز هو تحقيق لأمنية وضعتها حين حصولي على دبلوم العمل النهائي في كلية الفنون الجميلة في "دريسدن"، ومن طروحاتها إقامة نصب تذكارية كبديل مؤقت لحرمان البقية الفلسطينية في وطنها من إنشاء متاحف وصالات عرض خاصة بها، فمن ضروريات التواصل الثقافي إقامة معارض فنية تكون متاحة للجمهور الفلسطيني العربي لمحاكاته عبر الإبداع. وتبع ذلك النصب إقامة العديد من هذه النصب في قرى فلسطينية عربية، كقرى شفاعمرو، وكفر كنا، وكفر مندا، وغيرها، قمت أنا ومبدعين آخرين بإنجازها.

 

(*) دعني أتوقف عند النحت في تجربتك الفنية ومنجزك البصري لتخبرنا عن المحطة الأبرز في حياتك؟
ـ إنّها محطات مميزة وهامة في مسيرتي ومسيرة فنانين واعدين في الفضاء الفلسطيني، بالنسبة لي لم يكن عملي في الداخل الفلسطيني فقط، بل تعداه إلى المشاركة في لقاءات مع مبدعين في الفضاء العربي، حيث أنجزت صرحا نحتيا مع مجموعة مبدعين ومبدعات في العاصمة الأردنية عمّان عام 1998. وساهمت أيضاً بمعرض مشترك مع الفنان الراحل إسماعيل شموط وزوجته الفنانة تمام الأكحل والفنان إبراهيم هزيمة في المتحف الوطني في عمّان. كذلك كانت لي مشاركات في مدينة الدوحة وفي دبي، وأقمت معرضا فرديا في صوفيا، ومعارض مشتركة في برلين ونيويورك وباريس وموسكو وكوبا والكثير من عواصم ومدن العالم، كان ذلك بمشاركة مبدعين فلسطينيين وعرب وأجانب.

(*) هل للمكان خصوصية ما تجعلك تختار موضوعات لوحاتك؟ ومن ثمّ هل لمكان معين أثر كبير على تحفيز مخيلتك للرسم؟
ـ أنا اليوم في وضع يصبح فيه المكان مؤثراً أكثر على منجزي البصري، أو هو كما أتصوره بين شقي برتقالة، بين حيفا مدينة العشق الأبدي وبين عوالم أحبها في أوروبا، ومنها القرية الوادعة "تشوكا كو" في هنغاريا،

التي يوجد فيها حالياً بيتي الثاني، وقد تكون هذه الأماكن غير متجانسة من جهة أحوال الطقس والطبيعة والمجتمع إلّا أنّني أستوحي وأنهل من تلك العوامل عناصر إبداعيّة هي بالنتيجة عامل هام في إغناء تجربتي وتطويرها إبداعيّاً وتمكيني من إتباع تقنيات من شأنها دفع المنسوب الخلاق لسقف أعلى في مسيرتي الإبداعيّة.

(*) ما هي مشاريعك الفنية في المستقبل القريب؟
ـ أنا بصدد مشاريع مختلفة منها إقامة معارض وتوثيق أعمالي الإبداعيّة بواسطة فيلم وثائقي نعمل على إنجازه ليرى النور في القريب.