Print
مي عاشور

المسافات التي في داخلنا

4 فبراير 2024
يوميات


المسافة في تعريفها هي فجوة بين نقطتين، أما المسافة الأكثر طولًا فهي تلك غير المرئية؛ التي تختفي داخل المرء، ولا أحد غيره يستشعر وجودها، لا يبصر بداية لها ولا نهاية، يحاول قطعها حاملًا ثقل شوق يتسع مع خطواته، شوق أكبر من أن يوصف بأنه لشخص، بل لغياب شيء أوقع هوة بداخله، أبصره يتلاشى بلا مقدمات، ويزول من أمام عينيه كطير انتفض صاعدًا إلى السماء، فابتلعته في طرفة عين كطيف وهمي.

وقفت وفي مواجهتي مسافة عليّ اجتيازها، تنامت ممتدة بلا هوادة، واشتد اتساعها كلما لزمت قدماي مكانها، والآن أصبح طولها يفوق اجتيازها بسهولة. الخوف كآلام يثقل الخطى، وحركة واحدة صوب الأمام أشبه بأمنية معلقة إلى الآباد، أو بجملة خطرت في بالي في آخر الليل لتكون مفتاح نص، فتعالت عليها ذاكرتي، ضامنة بقاءها مع ما تختزنه من أحداث وذكريات، فتركتها عالقة، لم أدونها، وعند مطلع الصبح، كانت قد ضاعت. أصبح مصيرها مثل غيرها من الأشياء التي ردمها النسيان.

المضي قدمًا حتمي، والاستسلام إلى فشل المحاولات - المتتالية- لقطع هذه المسافة لم يعد ممكنًا.

والآن يبدو لي أنني قطعت مسافة لا بأس بها. المشي منهك، أشبه بملامسة الخطى لرمال الشاطىء المثقلة بالماء، أما الحركة فتصحبها أنفاس متقطعة كما الركض المتواصل، والوصول إلى ضفة واضحة، يبدو كأحلام اليقظة التي يراها المرء، لا يبصرها سواه، ولا يلمسها أحد دونه.  

تعاندني بعض الأفكار، وتنثال بصبغتها الداكنة، فتظلل على رؤيتي، وتطبق بقبضتها على إرادتي. فأحدث نفسي عن المسافات وامتدادها، أذكرها مرارًا، لعل هيبة المدى البعيد تنكسر، أو ربما أستأنس بجسارة الكلمات على طول الدرب، فتجاري خطواتي رحابته.

أحمل عبء وجود مسافة ما بداخلي، فلا مناص من السير فيها، ومحاولة عبورها. مواجهة تلك الفجوة بخطى صغيرة متتالية تجعلها تضمحل، والتردد في المضي قدمًا يجعلها تتسع، ولكن ماذا عن الخوف؟... الخوف هو في حد ذاته مسافة يتبدد فيها كل شيء. تتعاقب الأيام، وتنقضي في طرفة عين، ويتضارب اليقين ذاهبًا آيبًا. ثم تأتي لحظة، أشعر فيها أنني قطعت تلك المسافة بالفعل، فتصبح خطواتي أكثر خفة. وفي غيرها من أوقات، تجوس بداخلي خاطرة، وتقنعني بأنني عدت مجددًا إلى نقطة الصفر. أدرك مدى كونه شعورًا محبطًا ومربكًا، ولكن رغم وطأته الثقيلة، فهو دائمًا يذكر المرء، أنه من هناك بدأ محاولاته كلها، تمامًا من بعيد؛ على بعد من تلك المسافة تحديدًا، من حيث غياب الضوء وحضور الفكرة، وفقدانه لليقين، وإصراره على ترك مكان يقيد خطواته، ويكبل حركته. بل وينبهه إلى أن محاولاته كلها ولدت بخطوة صغيرة أولى - قد يكون هو نفسه قد استهان بها- ولكنها حتمًا طوت بداخلها كل الاحتمالات، بما فيها فناء التجربة بأسرها. ثم فجأة، يتبدل شيء ما، يتغير كليًا، وكأن خطاه خلقت له مسارًا مغايرًا، أو بصيرة لتكون هي المخرج وباب الخلاص.

أدركت أن اجتياز المسافات، لا يعادل تلاشيها أو تقلصها، ولكنه قد يختزل في القدرة على تجاهل عناء السير، والمواصلة رغم طول المسار واتساع الفجوات. فلطالما تطلعت لوجود بداية جديدة، أختصر بها مسافة ما بداخلي، وكنت أتساءل دائمًا: هل سأبدأ من جديد؟، هل هناك ثمة بداية قادرة على محق الحواجز التي تعالت بداخلي من حيث لا أدري؟، هل هناك بدايات قادرة على العصف بأدخنة الأفكار واللاطمأنينة؟ فكل ما تمنيته هو تخطي الفجوة ببداية أخرى، تطلعت - ليلًا نهارًا- إلى الخلاص من هذه المسافات التي أرقني العجز عن قطعها يومًا ما، حملت في قلبي أمنية الوصول إلى نقطة مجردة من كل ما مضى، فلتكن نقطة لبداية بيضاء مبهمة، غير محددة المعالم، فلتكن ضبابية، فاستوضحها بنفسي، أو خطوة عفوية على طريق مقفر آلَفه بطاقة، بجسارة، بشغف، بحب.

لا أجزم بالعثور على أجوبة لأسئلتي، ولكنني أكاد ألمس أن كل المحاولات لاجتياز المسافات التي تجعلنا غرباء عن أنفسنا، لن تكون واهية أو ستذهب أدراج الرياح. سنصل ذات يوم ولو بشق الأنفس، ولو بدروب مهدناها بدمعات ومعاناة، أو بصيحات لم تَسمَع دويها سوى في قلوبنا، أو حتى بخطى فاقدة للرجاء، متأرجحة، ومرتبكة. سينبت بداخلنا يقين وإيمان، وستحيا بداخلنا طاقة، ستشتد، وستغمرنا لتحرر أرواحنا....

فربما لا بالسير ولا بالركض تختصر المسافات أو تُعبر، ولكن بطاقة قد تبدو هزيلة غير كافية، ولكنها ستفيض في وقت بعينه، لتغلب ذلك البعد، وتبتلع تلك الفجوات، وتجتاز كل المسافات، وتنهي غربة الذات.