Print
صونيا خضر

تسليع المحتوى وهشاشة المعنى في زماننا الراهن

4 فبراير 2022
آراء


كيف تحوّل كل شيء إلى سلعة يسهل تسويقها والحصول عليها أينما وجدت ومهما كان ثمنها، ومن أين بدأت هذه الفكرة؟

لا عجب بأن يكون الأمر قد بدأ من قرص البيتزا الذي يصل إلى باب البيت، لتنسحب آلية التوصيل هذه على كل شيء، ليصلك حيث أنت، مسترخيًا على الكنبة المريحة أمام التلفاز وأمامك علبة السجائر التي تبالغ في تدخينها، كونك لا تحتاج إلى استعمال سوى يد واحدة للحصول على احتياجاتك.

صحيح أن البيتزا هي الوجبة الأولى التي توفّر أمر توصيلها، لسهولة حملها وصعوبة تجهيزها منزليًا على عجالة، الا أن الأمر لم يعد يتعلق بما يسهل حمله ويصعب إعداده منزليًا بل بقائمة الطعام كلها، بما فيها الحساء والطبق وأدوات الطعام البلاستيكية، لتصبح المائدة جاهزة بأقل من نصف ساعة وهي زمن التوصيل فقط، بلا رائحة لتتسلل إلى خارج الأبواب وبين المطابخ المتجاورة ولا بخار لتعبق فيه البيوت وثياب الأمهات.

الرائحة إذًا هي أول مشغلات الحواس التي فقدت معناها أو تم اختزالها بالنتيجة أو بما تصبح عليه في آخر الأمر فقط، كما اللمس والسمع والتذوق الذين تم اختزالهم أيضًا بالبصر في عصر الصورة، التي باتت الوجهة الوحيدة للمعنى.

كل ما هو عليك كمستهلك هو الإشارة إلى الصورة وكبسة على زر الإرسال للحصول على المنتج، من ملابس وأدوات منزلية وعطور وغيرها من البضائع التي تقفز أمامك بإعلانات لا داعي لتمويلها طالما يحكمك الكسل ويعتريك الملل أنت من لا حواس لديه إلا البصر ولا شاغل يشغله إلا الصور.

سهولة الحصول على الأشياء لا تدعو إلى القلق ولا تدفع إلى الانتقاد فهذا أمر إيجابي في ظل التكدّس البشري والازدحام المستشري في أجساد المدن، والشوارع، لكن ما يدعو إلى القلق بحق، هو أنها تعزز من حالة الكسل الروحي والعاطفي والجسدي، بعد أن أصبح كل شيء برسم العرض والطلب، حتى المعلومة والاستشارة والموسيقى وأسلوب الحياة، وأصبح الإنسان خامة سهلة لاستقبال كل ما يصل إليه، وقبول المحتوى وصنّاعه ممن لا يتمتعون بشيء أكثر من افتتناهم بالذات والشهرة التي صاروا عليها لغباء وفضول المتابعين.

لو سلّمنا طوعًا بأمر التجارة الإلكترونية على أنها ضروريّة في هذا الوقت، هل هذا يعني أن عملية التسويق الإلكتروني للأفكار وأساليب الحياة التي يقوم بها صنّاع المحتوى الجدد ممن يسمّون أنفسهم بالمؤثرين هي أيضًا ضرورية؟

هؤلاء المدعوون بالمؤثرين والذين يتم دفعهم إلى الواجهة الإعلامية والتسويقية، عبر القنوات الرقمية والمنصات الإلكترونية، هم المسؤولون الرئيسيون عما وصل إليه المحتوى من سخافة وتفاهة، لكن كيلا نحكم حكمًا جائرًا بحقهم ربما علينا أن نذنّب أنفسنا أولًا، نحن من أصبحنا نحترف السهولة للحصول والوصول إلى أي شيء بما فيه المعلومة والحكمة والجدوى، نحن من استغنينا عن العودة إلى المراجع والبحث فيها لمجرد أننا تعودنا الحصول على كل الأشياء جاهزة ساخنة شهية، كما قطعة البيتزا التي لا نعرف كيف وبأي وسيلة تم إعدادها.

بدأ الأمر من قرص البيتزا الذي يصل إلى باب البيت، لتنسحب آلية التوصيل هذه على كل شيء، ليصلك حيث أنت، مسترخيًا على الكنبة المريحة (gettyimages)



توقفوا عن جعل الأغبياء مشهورين

انتشرت في الآونة الأخيرة في أوروبا وأميركا وكندا وغيرها من الدول الغربية لوحات تعبيرية مكتوب فيها: Stop making stupid people famous وهي تعني: "توقفوا عن جعل الأغبياء مشهورين". ليسوا كلهم أغبياء بطبيعة الحال، بل ربما هم أذكياء بما يكفي لاستغلال هذه المرحلة من البلادة الجسدية والعاطفية والإنسانية التي صار إليها سكان هذا الكوكب.

يعتمد صنّاع المحتوى (الجدد) أولًا وغالبًا على ميزة يمتلكونها دون غيرهم، كالجمال الفائق أو خفة الظل أو حتى عيوب خلقية ابتلاهم بها الله لتصبح هبات، وبالدرجة الثانية على نقطة الضعف البشري السائدة وهي الفضول، ليصبح كل ما عليهم هو رفع الستائر عن نوافذهم وممارسة ما يمارس خلف الجدران وداخل البيوت علنًا، كأن تفتح امرأة فائقة الجمال عدسة جهازها المحمول على روتينها اليومي من غسل وجهها إلى ترطيبه إلى وضع المساحيق عليه، ومشاركتها النشاطات اليومية التي تقوم بها كالذهاب إلى النادي الرياضي وعيادة التجميل ومصفف الشعر والمقهى والمطعم والبار ليبدو العالم ناصعًا لا شائبة فيه مثل إعلان ممول لصابون الغسيل، وفي جانب آخر يفتح رجل ما عدسة هاتفه المحمول على حياته السعيدة مع عروسه، أطباقهما، حواراتهما، شجارهما، ورحلاتهما المشتركة إلى أوروبا، ليبدو العالم أيضًا إعلانًا ضخمًا وممولًا لمسحوق غسيل يجعل من كل شيء فكرة ناصعة البياض.

لم يعد يتوقف الأمر عند من يسوقون لنضارة حيواتهم بل عند من يسوقون ويعرضون ردود أفعال بعض من حباهم أو ابتلاهم الله بإعاقات جسدية أو عقلية، لتحصد قنواتهم أو منصاتهم مشاهدات عالية لمجرد إثارة السخرية والضحك.



متى أصبح المحتوى تافهًا إلى هذا الحد؟

سؤال بسيط لا تكلف إجابته أكثر من صفعة على وجوه المتابعين والمتلقّين لهذا المحتوى، ليخرجوا من سباتهم وإدمانهم لتلك المنصات التي تمنح الأيقونات مجانًا للأغبياء الذين سُمح لهم بأن يصبحوا مشهورين على حساب وقتنا وفضولنا وسذاجتنا، هذه ليست هي الحياة، وكلنا نعرف ذلك، كلنا نعرف أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فليس من الضروري أن يكون الهدف والحلم هو الوصول إلى ما يعرضه هؤلاء من حيواتهم بل ولا حتى البؤس الذي يخفونه عن العدسة.

ما الإضافة النوعية التي تزداد في متابعة امرأة تفعل أمام عدسة هاتفها كل ما نفعله كنساء من احتساء قهوة الصباح وارتداء الملابس وممارسة التمارين الرياضية ووضع المساحيق وإزالتها ثم الخلود إلى النوم مع عبارة "تصبحون على خير متابعيني الأعزاء"؟ 

وما هي الإضافة أيضًا التي تحدث من متابعة امرأة أخرى، تعرض يومياتها وأطفالها بكافة التفاصيل الخاصة ابتداء من طبق السيريلاك مرورًا بالألعاب الجديدة انتهاءً بالفوطة في سلة المهملات؟

أين هو المحتوى الذي يصدّر إلينا من جماعة المؤثرين الجدد، المفتونين بذواتهم وبقصص نجاحاتهم وعمليات تجميلهم واستهبالهم، وكيف لنا كبشر عاديين أن نفك الالتباس الحاصل بين أن نحيا حيواتهم أو حيواتنا؟



العالم أصبح قرية صغيرة، نعم. لكن هذه القرية بلا عنوان حقيقي، وسكانها بلا اختلافات تذكر لا بالملامح التي تنقيها "الفلاتر" ولا بأسلوب الحياة السطحيّ الذي يعمّم عبر المنصات الإلكترونية التي تمكنت من حذف البوصلة عن الاتجاهات الاعتيادية، وأصبحت هي المكان والزمان ونحن من على متن هذه المنصات ودون أي داع للحركة أو مراعاة الوقت، نهيم في هذا الفضاء الذي أفرغ المفردات من المعنى، المكان لم يعد بموطئ قدم ولا بطريق يقود إليه إلا كبسة زر على العنوان الإلكتروني، أما الزمان فلم يعد يتعلق بحركة الكواكب أو دوران الأرض حول الشمس، بل بالفكرة ولحظة تدوينها، أو بالصورة ودرجة تنقيتها باستخدام التقنيات التي تتلاعب بالزمن وبالتجاعيد وبدرجة الضوء.

هذه القرية التي تجمعنا على مختلف جنسياتنا وأيديولوجياتنا وملامحنا وأزماننا، تنسف نظريات لم يعد بالإمكان إثباتها ضمن حالة أو هالة أصبحت تهيمن على عقول البشر، وتخلع عنها رداء المفروض والمطلوب والمنطق.

الحضور لم يعد يعني التواجد

الموت لم يعد يعني الاختفاء

الحياة لم تعد تعني أو تعي حقيقتها

والهيبة سقطت عن كل معنى للاختلاف.

إذًا هل نحن في زمن التفاهة؟ حتى ولو اختلفنا على معنى التفاهة ونسبيتها، فلن نختلف على أننا في عصر تتفوق فيه الكماليات على الضروريات، والعمق فيه أمر هامشي فيما القشور تُتداول وتتناسل وتعمّ لتسيطر على السواد الأعظم من اليوميات العادية منها وغير العادية، وكل ما يدور بعيدًا عن عدسات الهواتف النقالة، من فقر وبرد وجوع ومرض، يبدو وكأنه يحدث في كوكب آخر.