Print
مها عبد الله

"الرحلة الداخلية": إبحار في أعماق النفس البشرية

10 أبريل 2023
استعادات


كتاب "الرحلة الداخلية" للحكيم الهندي أوشو غزير ومثقل بلآلئ الحكمة، يُبحر في أعماق النفس البشرية متخذًا الجسد مطية لمغامرة العوم تلك ورحلة التأمل الروحي. تسترسل الرحلة على هيئة أحاديث عفوية أدارها الحكيم الهندي مع مريديه، في أحد مراكز التأمل الواقعة في مدينة (كوجرات) بالهند.

إنه إذًا أوشو... أو تشاندرا موهان جاين (1931 - 1990) الذي تنقل شبكة المعلومات العالمية عنه أنه ولد في الهند البريطانية ودرس الفلسفة ودرّسها في الجامعات المحلية، وتدرّج من ثم في العلوم الصوفية ليُصبح (غورو) أو معلمًا روحانيًا فاقت شهرته حدود وطنه، ليصل إلى العالمية ويُلقّب بـ (زوربا البوذي)، إشارة إلى توجهاته الانفتاحية رغم دعوته الروحية!. وإن له من الإصدارات في المجال الروحي ما تتصدّر الطليعة على الدوام رغم ما تموج به الساحة الفكرية من إصدارات أكثر حداثة، أذكر منها على سبيل المثال: كتاب المرأة: احتفالًا بروحية المرأة/ ماذا الآن يا آدم؟ كتاب عن الرجال/ النضج: عودة الإنسان إلى ذاته/ الحرية: شجاعتك أن تكون كما أنت/ لغة الوجود: ما وراء الحياة والموت/ سيكولوجية الاستنارة والأجساد السبعة/ المركب الفارغ: لقاءات مع اللاشيء/ التأمل: فن النشوة الداخلية.

تعرض صفحة المحتويات ثمانية فصول رئيسية بالإضافة إلى المقدمة وكلمة المترجم والتعريف بالحكيم، حيث يبدأ حديثه في الكتاب عن (1. البدن: الخطوة الأولى) ليتفرّع إلى كل من (2. الرأس، القلب، السرّة) ومن ثم يخصّ حديثه عن (3. السرّة: مستقر الإرادة)، ويستمر حتى يؤكد على أهمية (4. معرفة العقل) وماهية (5. المعرفة الحقة)، التي تقوده إلى التوصية بـ (6. لا تصديق... لا تكذيب)، وإلى الحاجة نحو (7. ضبط القلب)، ليخلص الحكيم في نهاية الرحلة إلى حقيقة أن (8. ليس للحب "أنا").

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للكتاب الصادرة عام 2015 عن (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع)، والتي جاءت عن ترجمة مباشرة للكتاب من لغته الأصلية (The Inner Journey - By: Osho)  وقد أنجزها عبد الوهاب المقالح، وهو أكاديمي يمني حاصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة صنعاء، وماجستير في التعليم الابتدائي من أميركا، وفي تعليم اللغة الإنكليزية من بريطانيا. يعمل في سلك التدريس الجامعي، بالإضافة إلى إسهاماته في ترجمة العديد من الأعمال الأدبية العالمية إلى اللغة العربية عن اللغة الإنكليزية، مثل (الملحمة الهندية: المهابهاراتا).

في حديثه عن الجسد، يعتقد أوشو أن المنغمسين في الملذات وأولئك المتنسكين في العبادة على حد سواء، قد عذبوا الجسد كل على طريقته. أما في حديثه عن الروح فيرى أن روح الإنسان مرتبطة بالسرة... لا بالقلب ولا بالعقل!

ومن شلال الحكمة الذي ارتوى به هذا الكتاب حتى الثمالة، أنهل غيضًا من فيض، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

إن العقل هو زهرة نبات الإنسان والتطوّر النهائي في جسده، إلا أنه ليس الجذر، بل الروح. يقول أوشو: "بالنظر إلى النبات، تتبدّى الزهور أهم جزء فيه. وبالطريقة ذاتها يتبدّى لنا أن العقل في الإنسان هو أهم جزء فيه". وفي حديثه عن الجسد، يعتقد أن المنغمسين في الملذات وأولئك المتنسكين في العبادة على حد سواء، قد عذبوا الجسد كل على طريقته بشكل بالغ. أما في حديثه عن الروح، فيرى أن روح الإنسان مرتبطة بالسرة... لا بالقلب ولا بالعقل! فكما أن السرة هي مركز الجسد، فهي أيضًا مركز الحياة، حيث يولد بها الإنسان، وبواسطتها تفنى حياته. إنها أيضًا البوابة التي يدخل منها أولئك المهتمون بالحقائق الروحية. وحين ينتقل في حديثه من الجسد إلى العقل، يؤكد الحكيم على أن العقل حتى يسترخي، لا بد أن يسترخي الجسد أولًا. حينها: "ستشرع العصافير في الغناء، وستسمعون صوت الطاحونة في مكان ما، وفي مكان آخر ربما نعب الغراب أو صاح الديك، وفي مكان آخر ثان ستسمعون أصواتًا أخرى". هكذا يُصبح العقل كلما استرخى، أكثر يقظة وأكثر حساسية وأكثر استشعارًا لكل ما هو محيط به. كذلك، يُكمل العقل في النوم ما لم يتمكن من إكماله في الصحو، فإن كان الإنسان غاضبًا من أحد ما ولم يتمكن من تفريغ شحنة غضبه، فرّغها في منامه، وذلك حتى يستعيد العقل حالته الصحية. لهذا، يعتبر أوشو أن: "الليل هو مرآة النهار. أيًا كان ما يحدث في العقل خلال النهار فإنه يتردد كالصدى في الليل". لا عجب إذًا أن يرى الحكيم نمط التعليم التقليدي السائد في العالم وهو يقود عقل الإنسان كذلك، إلى الجنون! ففي بلد مثل أميركا، تشير الإحصائيات إلى تصاعد حالات الجنون رغم تصنيفها بالأرقى تعليمًا والأكثر تحضّرًا.


لا يغفل الحكيم في وصاياه عن الحثّ على الاستمتاع بالحياة من غير أية منغصّات، فيورد في هذا المعنى حكاية معبّرة، إذ يُرى السيد المسيح وهو يتنزّه مع حوارييه في حديقة ما، ويخبرهم كم هي تلك الأزهار الجميلة تنعم بالبهجة في اللحظة الراهنة، رغم أنها لا تعلم إن كانت ستنعم بمثل هذا اليوم المشمس في الغد أم لا! هنا، يعقّب الحكيم قائلًا في نبرة استهجان: "الإنسان وحده هو الذي يقوم اليوم بالترتيبات للغد ولبعد غد. وثمة أناس يعدّون للكيفية التي ينبغي أن تكون عليها قبورهم". وفي نفس المعنى، يحذّر الحكيم من التهاون في الأخذ بالأسباب الحيوية من أجل الاستمتاع بحياة أفضل، إذ يجزم بأن أولئك الذين يحذّرون من النوم إلى ثماني ساعات يوميًا بحجة ضياع ثلث العمر في النوم، هم خاطئون، حيث إن الحرمان من النوم يُعتبر أسهل وأرخص طرق التعذيب. وقد تنبّه إليه قدماء الصينيين حين كانوا يصنعون ذلك بمساجينهم، وذلك من خلال قطرات ماء تُسكب ببطء فوق رؤوسهم... قطرة قطرة، إذ يعلو صراخ الواحد منهم بعد مرور سويعات من التعذيب، ولا يجد بد من الاعتراف عند بلوغه ذلك الحد، حتى يقضي نحبه بعد أيام! يسترسل أوشو فيقول: "ولو أن رجلًا ينام كما ينام الطفل فإنه قد لا يموت، لأن الموت سيكون صعبًا. الموت يحتاج إلى نوم أقل فأقل، والحياة تحتاج إلى نوم عميق. وهذا هو السبب في أن نوم المتقدم في السن يتناقص شيئًا فشيئًا في حين ينام الطفل نومًا أطول".

يكشف الحكيم جانبًا آخر من ضعف الإنسان الوجداني، إذ يهاب الإنسان عادة فكرة المكوث وحيدًا، خشية على نفسه من نفسه، أو بالأصح من نفسه الحقيقية، فتراه يقضي الأربع والعشرين ساعة من يومه في المحادثات أو مطالعة الصحف أو سماع المذياع

وللماء كذلك عند الحكيم شأن آخر! إذ يتدفق الماء من خلال عشرة ينابيع التي قد تنقسم إلى مائة ينبوع إن حاول أحدهم منع تدفقها. لقد تغذّى الإنسان في صغره على كبت الأفكار الخاطئة، والتي لا بد أن تفتح قنوات أكثر تعقيدًا للخروج إلى السطح بعد أن أصبحت أشدّ قبحًا وعندًا. يعلّق أوشو في استفزاز على هكذا كبت من خلال مشهد تصوّري يصف فيه كل ممنوع بأنه لا محالة مرغوب: "أصرّ عقله ألا تكون القرود موجودة ولذلك جاءت القرود. وكلما حاول عقله أن يتخلص من القرود، ظهرت له... كلما حاول أن يفرّ منها لحقت به! أن تحرم يعني أن تجذب... أن ترفض يعني أن تستدعي... أن تمنع يعني أن تغري". والعقل الإنساني العجيب يتطلب جهدًا في كثير من النواحي، إذ أن مواجهة العقل تتطلب ألا يكترث الإنسان بما يقول الناس عنه أو كيفما يبدو لهم، بل يحتاج ذلك الإنسان لأن يتفرّد في وحدته مع عقله ويفتحه على مصراعيه. ويؤكد أوشو: "إن هذا فعل من أفعال الشجاعة". وفي هذا يكشف الحكيم جانبًا آخر من ضعف الإنسان الوجداني، إذ يهاب الإنسان عادة فكرة المكوث وحيدًا، خشية على نفسه من نفسه، أو بالأصح من نفسه الحقيقية، فتراه يقضي الأربع والعشرين ساعة من يومه في المحادثات أو مطالعة الصحف أو سماع المذياع. يقول أوشو في مواجهة ذاتية: "الإنسان يخشى من الوحدة لأنه في وحدته سيتبين انعكاسات حالته الحقيقية... سيجد نفسه وجهًا لوجه مع ذاته. وهذا أمر مخيف، أمر يدعو إلى الذعر! وهكذا، فمنذ أن يستيقظ صباحًا حتى يأوي إلى فراشه مساءً يواصل الاستعانة باي وسيلة للهروب من نفسه، فلا يضطر لمقابلتها. إنه يخشى أن يجد نفسه وجهًا لوجه مع نفسه".

وللختام بمسك، أعرض صورة للحكيم الهندي وهو يُحدّث عن الخالق في قول مثقل بالإيمان الخالص، إذ يقول فيه: "ليس اعتباطًا أن الله في العالم أجمع يُدعى (الأب)... ليس اعتباطًا أن الله صُوّر في صورة الأب. وإذا ما كانت خبرات الطفل الأولى في حياته تتسم بالثقة والامتنان والاحترام لأمه وأبيه، حينئذ فقط ستتطور هذه الخبرات نحو الله... وإلا فلا".
وأختم على لسان الحكيم في أعذب ما قاله عن العشق الإلهي وأخلصه، وهو يحدّث بلغة صوفية لا بد وأن تتناغم مع دواخل كل من لمس قلبه ذلك العشق... مهما كان الاعتقاد أو العرق أو اللغة، إذ يقول: "الصلاة من دون حب صلاة زائفة... فارغة... بلا معنى! من دون حب لا قيمة لكلمات الصلاة على الإطلاق... ومن دون حب، ما من سالك في الرحلة نحو المقدّس سيكون قادرًا على بلوغ غايته".

ما أحيلاها صلاة... وليس مستغربًا أن تأتي الحكمة على قلوب يظنّها بعض المغرورين أنها (على غفلة)... "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ".