Print
جورج كعدي

"لا أرض أخرى": الصورة شاهدًا ونداءً عاجلًا

7 يوليه 2026
سينما


كلّما تقدّمت جرّافة إسرائيلية لهدم منزل عائلة فلسطينية في أعلى جبال الضفة الغربيّة، بانت أكثر وحشية المحتلّ وهمجيّته. وكلّما تهاوت الأسقف والجدران وبات أصحاب البيت والأرض في العراء، ضاقت أنفاسنا بشعور القهر. وكلّما ارتفعت بنادق الجنود المسعورين في وجوه الناس العزّل المغلوب على أمرهم، اشتعل في نفوسنا الغضب حيال ظلم لا يُحتمل. هي أبسط المشاعر التي يشحننا بها فيلم "لا أرض أخرى"/ No Other Land (2024) الوثائقي الطويل لفريق مشترك، فلسطيني ـ إسرائيلي، من أربعة شبّان: باسل عدرا ويوفال أبراهام وحمدان بلّال وراحيل شور. الفلسطينيان باسل وحمدان من الضفة، والإسرائيليان يوفال وراحيل من دعاة السلام بين الشعبين ومؤيّدان لـ"الدولة الواحدة". يوفال صحافيّ محلّي من بئر السبع، مدافع عن الفلسطينيين ومناهض للاستيطان في الضفة، وراحيل مخرجة ومصوّرة في التوجّه نفسه. أمّا المادة التسجيلية الحقيقية فغالبيتها لباسل الذي دأب منذ عمر الفتوّة على تصوير وقائع هدم المنازل والمدارس والبنى التحتية في قرية مَسَافِر يطّا، أعلى الضفة، حيث أضحت كاميراه شاهدًا ثابتًا على المحو والاقتلاع الممنهجين لماضي أهلها وحاضرهم. دأب باسل بلا انقطاع على تصوير كلّ غزوات جنود الاحتلال ورجال استخباراته العسكرية على القرية وأهلها، عنفهم ووحشيتهم، مداهماتهم وتدميرهم وتعنيفهم للكبار والصغار والنساء، ورفع بنادقهم في وجوههم تهديدًا، وحتى إطلاقًا للرصاص وإرداء بعضهم جرحى آيلين إلى الشلل فالموت، كحال الشاب هارون علام أحد أقرباء باسل الذي عاش لفترة في حالة شلل تام قرب أمه المتألمة والصابرة ثم مات. وكلّ ما نبصره على الشاشة ويؤلمنا حقيقيّ، ولا صورة واحدة مُعاد إحياؤها أو تمثيلها. يَبسط لنا الفيلم وقائع معاناة وصمود متواصلة، عبر بناء مشهديّ متّقن التوليف إلى قلب قصة باسل عدرا وعائلته والوضع المقلق على الدوام في قرية مَسَافِر يطّا. من خلال لقطات حميمة وشهادات شخصية، يكشف الفيلم عن الروح الجماعية لمجتمع مصمّم على ألّا يضمحلّ في هوامش التاريخ. لحظات صادقة تتجاوز التغطية الإخبارية النمطية أو التصريحات العابرة المنعزلة. نحن هنا أمام سياق متصل فيه مزيج من اللقطات المسجّلة للمحتل، والشهادات التي يوثّقها باسل لأهل قريته ولعائلته، ولأبيه الذي اعتُقل مرارًا وكان في كل مرة يخاف عليه من ألّا يعود. وثمّة ما توثّقه أيضًا كاميرا شريكه وابن مَسَافِر يطّا حمدان بلّال. نكسب كمشاهدين بعيدين عن مكان الحدث نظرةً وافية إلى الحياة اليومية لهؤلاء الناس، ضمن السياق السياسيّ الذي يشكّل واقعهم في ظلّ الخدعة الإسرائيلية بأنّ ثمة أمرًا من "المحكمة" (بئس العدالة والقانون إن كانا على الطراز الصهيونيّ) بتحويل منطقة مَسَافِر يطّا إلى حقل تدريب عسكريّ.

مخرجو الفيلم، من اليمين: شول وعدرا وأبراهام وبلّال


يبلغ الفيلم ذروته الإنسانية المقاوِمة مع إقدام رجال القرية ليلًا على إعادة بناء ما تهدّم في النهار، علّه يسلُم هذه المرة، لكن سرعان ما يُهدم ما بُني من جديد. والأكثر تأثيرًا هدم مبنى مدرسة للأطفال أمام أنظارنا بوحشية تفوق التصوّر. وتظهر النساء صابرات، مكافحات، صامدات، ولكن متألّمات أيضًا وعاجزات أمام الظلم. تقف العائلات مفجوعةً أمام أرتال المركبات العسكرية والجرافات القادمة يومًا فآخر لهدم المنازل وقطع إمدادات المياه وملء الآبار الارتوازية بالإسمنت، ما يجعل تلك البيئة الجبلية، القاحلة أصلًا، أشدّ قسوة. يواجه الرجال والنساء والأطفال وكبار السن عزّلًا جنود الجيش الإسرائيلي المدجّجين بالبنادق، والذين يخفون وجوههم وراء الأقنعة أو النظارات الشمسية، ويردّون على أسئلة الناس من نوع "لِمَ تفعلون هذا؟" و"كيف تستطيعون تقبّل أنفسكم؟" بالأوامر والتهديدات، أو يُطلِق مستوطنٌ إسرائيلي محتمٍ بالجيش النار على قريب باسل من مسافة قريبة فيسقط أرضًا لتبدأ رحلة ألمه مع الشلل الكامل المنتهي عاجلًا بالموت.

يناضل سكان مَسَافِر يطّا منذ عقود من أجل حقّهم في الوجود الذي يسبق وجود الاحتلال بنحو ستين عامًا. وسنة بعد سنة، يَفِد الجنود الإسرائيليون مع الجرّافات إلى أراضي القرية النائية وجوارها فيدمّرون المنازل والمدارس وكلّ الإنشاءات البدائية البسيطة التي تمكّنهم من العيش في تلك البيئة الجغرافية الصعبة والقاسية. وسنة بعد سنة، يعيد القرويون العزّل بناء ما يمكن إعادة بنائه فور مغادرة الآليات الإسرائيلية.

فارس عدرا وعناد التوثيق

ورث الشاب فارس النضال من والده الناشط الذي كان في طليعة الكفاح من أجل بقاء مَسَافِر يطّا حيّة، قلقًا على الدوام من ألّا ينعم بإرادة أبيه ونَفَسِه المقاوم الطويل، فيتجه أكثر فأكثر نحو اليأس. يبدأ فارس عملية التوثيق بالصورة (بالكاميرا الفيديو، أو بالموبايل) بدءًا من عام 2019، ففي تلك الفترة التقى للمرة الأولى بيوفال أبراهام وراحيل شور، الإسرائيلييْن المنحازيْن إلى الحقوق الفلسطينية، فنشأت بين فارس ويوفال صداقة متأرجحة بين الثقة والشك في جدوى النضال المشترك، إذ لا يقتصر التباين بينهما على فكرة التعايش بين فلسطيني وإسرائيليّ، بل يشمل وضعهما على أرض واحدة وواقع أنهما يعيشان على مسافة ثلاثين دقيقة تفصل أحدهما عن الآخر، وتمتّع يوفال بكامل حرية التنقّل والعيش المريح والحقوق التي لا يستطيع باسل المالك الأصلي للأرض التمتّع بها وامتلاكها.

في بداية الفيلم، يُعرب كلّ من فارس ويوفال عن أملهما المشترك في إيجاد سبيل لإنهاء وحشية الاحتلال. كلاهما ساذج، لكن أحدهما (باسل) أكثر واقعية من الآخر. ينتاب يوفال قلق بالغ حيال ندرة متابعات تقاريره عبر الوسيط الإلكتروني (موقع صحافي محدود)، إذ يعدّها مفتاحًا لنشر الوعي بشأن الاحتلال وإحداث تغيير سريع، في حين ينتقد فارس قلّة صبر يوفال، ساخرًا من تفاؤله قصير المدى، فهو بالنقيض منه يراهن على الكفاح الدؤوب والطويل، فمسار النضال الفلسطيني علّمه ذلك. جرائم العدو تزعزع تحالفهما الأخلاقي أحيانًا وتُضعف عزيمتهما وتفاؤلهما. خلال عامين من النضال المشترك والتواجد في الميدان معًا، اشتدّت جهود الاحتلال لإجلاء سكان مَسَافِر يطّا، فجُلب مستوطنون مسلّحون ملثّمون إلى جانب الجيش الإسرائيلي لتسريع تدمير الممتلكات الفلسطينية، ورفضت المحاكم الإسرائيلية التماسًا ضد طرد السكان، ما ضاعف من شراسة التدمير وتصعيد العنف، فوجد فارس نفسه (موثِّقًا دومًا بكاميراه كسلاح يلازمه) في خضمّ اشتباكات متكررة بين أهل قريته والجيش، وينجو بأعجوبة من محاولات اعتقاله (هنا تضطرب صورة الكاميرا في يده إذ لا يبقى مسيطرًا عليها). يجد باسل نفسه مواجهًا اليأس المتزايد مع رحيل العديد من أهل قريته عن الأرض التي شعروا بأنهم ما عادوا قادرين على الدفاع عنها. والمشهد الأكثر مدعاة للسخرية في الفيلم زيارة توني بلير للقرية في ادّعاء منافق بالتضامن مع أهلها، ومن أجله يُجمّد الهدم لفترة قصيرة ثم يعاود وتيرته المجرمة كالسابق. أوهام كاذبة يروّجها الغرب الضالع في الجريمة الصهيونية منذ بداية المأساة، بل هو حاميها وراعيها، وليس بلير سوى مندوب سامٍ آخر يُكمل مهمة أسلافه مندوبي الاستعمار البريطاني.

عن هدفه من الفيلم يقول باسل في أحد الحوارات الغربية معه، وبنبرة لا تخلو من تفاؤل ورجاء حالم: "أريد من العالم أن يتحرّك بجدية (هل هذا أمل جدّي؟!). على المجتمع الدولي (!) اتخاذ إجراءات جادة لوقف عمليات الهدم والتطهير العرقي التي تحدث في كل مكان، في غزة وفي الضفة الغربية، لأسباب مختلفة يختلقها الإسرائيليون وكلها أكاذيب. الأمر كله متعلق بالأرض. إنهم يريدون سرقة المزيد والمزيد من أراضينا. هذا جليّ تمامًا على أرض الواقع، فكل تجمّع سكاني فلسطيني يُقتلع وتُبنى مستوطنات جديدة مكانه. هذا يحدث في جنوب الخليل، وفي كل مكان حول الضفة الغربية، في المنطقة (ج). ومنذ مدة يهدمون في مخيمات جنين وطولكرم وطوباس ويجبرون الناس على ترك بيوتهم والفرار. يكتفي العالم بالتفرّج على ذلك ولا يتخذ أي إجراءات جادة. على العكس تمامًا، يستمرّ تلقّي الإسرائيليين كل شيء. ثمة كمّ هائل من الانتهاكات للقانون الدوليّ، ولقوانين حقوق الإنسان، يرتكبها الإسرائيليون يوميًا. لكن لا أحد يكترث". تجدر الإشارة هنا إلى أن باسل درس الحقوق، لكنّ هوسه النضاليّ، وإن بالصورة الموثّقة، حال دون مزاولته مهنة المحاماة، فاكتفى بما قُدّر له ولشعبه، ونراه في الفيلم يعمل في مضخة الوقود المتواضعة التي يملكها والده حين يكون هذا الأخير معتقلًا، فيحلّ مكانه لإعالة أمّه وأخوته.

يملك باسل أيضًا حضورًا قويًا على الإنترنت وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه دائم الخوف من إقدام سلطات الاحتلال على اعتقاله، مثل والده، فنشاطه معروف لدى الاستخبارات الإسرائيلية. على عكس صديقه يوفال، الذي هو مواطن يهودي إسرائيلي من بئر السبع، هاجر أجداده اليمنيون إلى فلسطين عام 1900، ودرس اللغة العربية لكونها لغة أجداده. رفض التعاون مع الاستخبارات الإسرائيلية، وآثر أن يكون صحافيًا محليًا حرًّا، متعاطفًا مع الشعب الفلسطيني في بعض قضاياه، كقضية هدم القرى والمنازل وترحيل السكان لبناء المزيد من المستوطنات.

رغم أن تصوير عمليات الهدم والإخلال القسريّ بكامل تفاصيلها المؤلمة هو محور الفيلم، فإن صداقة الشابين المترددة والدافئة والمحرجة في الوقت نفسه تعمّق الجانب الإنساني. الصديقان اللدودان صريحان بشأن امتيازاتهما المتفاوتة (يستطيع يوفال عبور الحواجز إلى مَسَافِر يطّا متى شاء، بينما لا يستطيع فارس ذلك). يوفال ليس موجودًا في القرية الفلسطينية للعب دور المنقذ، بل كشاهد من أهله، في الحدّ الأقصى، محاولًا إسماع صوته عبر تقارير تقرأها قلة قليلة من قومه. نلقي نحن المشاهدين نظرة خاطفة إلى الشابين في لحظات استرخائهما العديدة في الفيلم، وهما جالسان معًا، يدخنان النارجيلة، ويتحدثان عن تكوين طبيعيّ آسر، ويتبادلان آمالهما وتوقعاتهما (غير المتلاقية غالبًا) حول مستقبل "إسرائيل" وفلسطين. يمازح فارس صديقه اليهوديّ بلطف عن شدة حماسته ونفاد صبره إزاء حل المشكلة، كما لو أن الأمر برمته سوف يُحلّ بطريقة ما في غضون عشرة أيام. ينصحه بالصبر وبأن يعتاد على الخسارة.

ملصق للفيلم



جدل لا ينتهي حول الفيلم

منذ فوزه بأوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2024، وحتى منذ عرضه قبل ذلك في مهرجان برلين الدولي في السنة نفسها، ما برح فيلم "لا أرض أخرى" يثير جدلًا في مختلف الأوساط، الفلسطينية والإسرائيلية، وصولًا إلى الأوساط الدولية. إسرائيليًا، اتهم وزير الثقافة ميكي زوهار الفيلم بـ"التشهير" و"تشويه صورة إسرائيل" (الناصعة كبياض الثلج!!!)، وحضّ دور السينما في كيان الاحتلال على الامتناع عن عرضه. كما اتَّهم السينمائيون الإسرائيليون مواطنَيْهِما يوفال وراحيل بـ"التظاهر بالتضامن" مع الفلسطينيين. وفي المقابل، انتقده العديد من الأكاديميين الفلسطينيين بأنه فيلم منفصل عن الواقع وغير عادل. لكن جهاد النواجة، الرئيس المحلي في الضفة لمنظمة PACBI (الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل)، قال: "بعد سنوات طويلة من النضال والمواجهات والاعتقالات والضرب والهدم، أدرك ـ لا أظن، بل أُدرك ـ أنه لولا أشخاص مثل يوفال والناشطين اليهود من ‘إسرائيل’ والعالم، لكان نصف أراضي مَسَافِر يطا قد صودر وهدم الآن. صمودنا هنا بفضل مساعدتهم" (لا يزال الوضع في القرية وجوارها يشهد اليوم اعتداءات من المستوطنين، ويواجه السكان ضغوطًا كبيرة).

كما يرى نضال يونس، المسؤول المحلي في القرية، "أن فوز الفيلم بالأوسكار ينبغي ألا يُحتفى به فحسب، بل ينبغي استخدامه أيضًا كأداة لتسليط الضوء على ما يحدث في مَسَافِر يطّا وفلسطين بأكملها (...) يُعدّ هذا الفيلم صرخة مدوية ضد القمع والظلم. لا يمكن لأي فيلم أن يحقق العدالة التاريخية لشعبنا، ولكنه إحدى الوسائل المتاحة في نضالنا، ويجب استخدامه في جهودنا الدولية".

بالعودة إلى مآخذ منظمة PACBI، فإن بعضها قد يكون جديرًا بالنقاش وإن لم يُسلّم به، فهي ترى أن الفيلم يساهم في تصوير "إسرائيل" كدولة "طبيعية" في المنطقة يمكن أن تستمر العلاقات معها كما لو لم يكن هناك أي خلل، وليس كدولة استعمارية تمارس الفصل العنصري، وبالتالي فإنّ تعاون فرد عربي مع فرد إسرائيلي في فعالية أو مشروع مشترك يساهم في تطبيع الوضع. كما اعتبرت المنظمة "أن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى مصادقة أو شرعية أو إذن من الإسرائيليين لسرد قصتهم، وحاضرهم، وتجاربهم، وأحلامهم، ومقاومتهم، بما في ذلك المقاومة الفنية (السينمائية ضمنًا)، ضد النظام الاستعماري القمعي الذي يحرمهم من حريتهم وحقوقهم غير القابلة للتصرف". وتشير المنظمة إلى "أن الصهاينة اليساريين لا يدعمون النضال الفلسطيني إلّا بشرط الحفاظ على امتيازاتهم الاستيطانية".

وسط جدل كهذا حول فيلم تولّت شركة إنتاج نرويجية إنتاجه في شكل أساسيّ، مع بعض المساهمات الفلسطينية والإسرائيلية (لناحية فريق العمل، وهذا مأخذ آخر ضد الفيلم مطروح للنقاش)، يسعني القول إني تأثّرت كثيرًا بالفيلم كوثيقة حقيقية، مؤثّرة جدًا، قوية الكشف عن حجم الظلم والألم، مطلقة لمشاعر الغضب والثورة ضد القهر الممارَس وانتهاك كرامة الإنسان الذي هو صاحب الأرض! ومع ذلك، لا آمَنُ بالمطلق لبعض الطروحات الإسرائيلية (الممثلة هنا بمنطق الشاب الإسرائيلي يوفال، الذي، فيما نحن نقدّره ونصدّقه، نخشى عدم اكتمال موضوعيته)، فالشك يساورنا بدءًا من العنوان: "لا أرض أخرى". لا أرض أخرى بالتأكيد للشعب الفلسطيني. ولكن بلى، ثمة أرض أخرى للمحتلّ والمستوطن الذي يملك في الواقع أكثر من أرض أخرى، هنا وهنالك من حيث أتى... إلى أرض هي للشعب الفلسطيني حصرًا، أولًا وأخيرًا، أو نمنح المحتلّ بغير ذلك حقًا في الوجود حيث يجب ألّا يكون على أرض فلسطين.