لا يقف رائد المسرح الاحتفالي المغربي عبد الكريم برشيد عند حدود الاسترجاع التوثيقي، أو التسجيلي، للتاريخ في عدد من مسرحياته، بل يتعامل معه بوصفه "تخيّلًا تاريخيًا" ممتدًا يستحضر شخصيات الماضي ورموزه ليجري معها حوارًا متجددًا يفكك الواقع المعاصر، ويطرح أسئلته الوجودية والسياسية والاجتماعية.
يمكن اعتماد مصطلح "التخيّل التاريخي" في تأليف النص المسرحي، على غرار مصطلح "التخيّل التاريخي" في كتابة الرواية، بوصفه بديلًا عن "الرواية التاريخية"، الذي اقترحه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، ورأى أن من شأنه الدفع بالكتابة السردية التاريخية إلى تخطي مشكلة الأنواع الأدبية وحدودها ووظائفها. وحجتي في اعتماد مصطلح "التخيّل التاريخي" هنا أن المسرح لا يتعامل مع التاريخ بوصفه سردًا وثائقيًا جامدًا، بل يعيد صياغته صياغةً يلتقي فيها الواقع المدوَّن مع الخيال الفني، فينتج نصًا لا هو تاريخ خالص ولا هو خيال مطلق، بل تركيب جمالي بين الاثنين.
ويجب التأكيد أن التخيَّل التاريخي في النص المسرحي لا يعني تزوير الوقائع، أو تشويهها، بل هو إعادة تأويلها، وإضفاء روح فنية عليها، بما يخدم رؤية الكاتب وأسئلته المعاصرة، فالمسرحي حين يعود إلى حدث تاريخي، أو شخصية من الماضي، لا يفعل ذلك بدافع التوثيق، بل بدافع الحوار مع الحاضر. إنّه يبحث في الماضي عن مرايا يرى فيها واقعه، وعن رموز تمنحه القدرة على مساءلة السلطة، أو تفكيك البنى الاجتماعية، أو الكشف عن المأساة الإنسانية في أشكالها المتكررة.
وأرى أن التخيَّل التاريخي يمنح الكاتب المسرحي حريةً واسعةً في بناء النص، فهو يستطيع أن يختزل زمنًا طويلًا في لحظة واحدة، أو يدمج شخصيات لم تلتقِ تاريخيًا في فضاء درامي واحد، أو يمنح صوتًا لشخصيات مهمَّشة لم يذكرها المؤرخون. وبهذا المعنى، يصبح المسرح فعلًا نقديًا بقدر ما هو فعل جمالي؛ لأنّ الخيال في هذه الحال لا يهرب من الحقيقة، بل يقترب منها بوسائل فنية غير مباشرة.
في مسرح برشيد، يتجاوز التخيّل التاريخي مفهوم الزمان الخطي، لتصبح الشخصية التاريخية/ الأدبية قناعًا مسرحيًا يُعرّي أسئلة الحاضر؛ فالماضي ليس جثة تُحاط بالتقديس، بل هو مادة حية قابلة للتحوير والإعادة والمساءلة.
ابن الرومي في مدن الصفيح
ينسج عبد الكريم برشيد، في مسرحية "ابن الرومي في مدن الصفيح"، تجربة تقاطُعٍ مفاهيمية وجريئة بين زمنين ومكانين مختلفين: زمن ابن الرومي البغدادي (شاعر الحزن والوسواس)، وزمن الأحياء العشوائية المعاصرة (مدن الصفيح)، مجسّرًا الفجوة بين التراث والواقع، فهو لا يُقدم ابن الرومي هنا بوصفه شاعرًا عباسيًا محبوسًا في معاجم القدماء، بل بكونه رمزًا للمثقف المغترب والمهمش الذي يواجه الواقع الصفيحي المليء بالفقر والشقاء. يجد ابن الرومي نفسه بين سكان الهامش (ابن دانيال، حذيفة، وغيرهما)، ليتضح أن أسئلته الشعرية لا تستطيع الانفصال عن آلام الناس ومطالبهم اليومية.
تحوّل المسرحية مدن الصفيح من مجرد مكان جغرافي بائس إلى فضاء احتفالي للمقاومة والمكاشفة، حيث يتوحد الشاعر مع صوت الشعب ليصبح المتخيل التاريخي أداة لتحريض الوعي ونقد الفوارق الطبقية.
"عنترة في المرايا المكسرة"
في مسرحية "عنترة في المرايا المكسرة"، يفكك برشيد أسطورة البطل ومرآة الهزيمة، متخذًا من الموروث الملحمي والبطولي هدفًا للمراجعة النقدية العمومية؛ فعنترة بن شداد، الذي طالما مثّل في الذاكرة العربية النموذج الأعلى للشهامة والقوة والخلاص، يظهر هنا في واقع تتكسر فيه المرايا، وتتعدد الصور. لم يعد عنترة ذلك الفارس القادر بمفرده على تغيير موازين القوى بالسيف والرمح. ويُبرز استحضاره في زمن "المرايا المكسرة" حالة التشتت والتمزق التي تعيشها الأمة، وتعدد الصعد والتشظي الذاتي، تشظي الهوية والتاريخ؛ حيث يُواجه عنترة صورًا متعددةً لذاته ولواقعه، ويكتشف أن أسلحته القديمة لم تعد مجدية في مواجهة الهزائم المركبة والواقع المعقد.
ينتهي التخيل المسرحي في هذه المسرحية إلى تحويل البطولة من فعل فردي معزول إلى وعي جمعي يستوجب أن يرمم الإنسان العربي مرآته بنفسه بدلًا من انتظار بطل مخلص من بطون الكتب.
"امرؤ القيس في باريس"
تستدعي مسرحية "امرؤ القيس في باريس" شخصية الملك الضليل، وشاعر المعلقة الشهير، لتقلبه في فضاء غريب ومغاير لبيئته الصحراوية الأولى، ويمثل حضوره في: عاصمة الحداثة الغربية باريس مواجهةً ثقافيةً وحضاريةً بين الشرق (الذاكرة، الثأر، الصحراء، البكاء على الأطلال)، والغرب (العقلانية، التكنولوجيا، الاغتراب). إنها رحلة البحث عن "القيصر" المعاصر، فكما رحل امرؤ القيس قديمًا إلى القسطنطينية طلبًا لنجدة القيصر لاسترداد ملك أبيه، يرحل في المتخيّل البرشيدي إلى باريس؛ ليكتشف أن مراكز القوى الحديثة لا تمنح الخلاص، بل تكرس التبعية والضياع.
وتبرز المسرحية كيف تحوّل الشاعر الملك إلى غريب يبحث عن ملكه المفقود في أزقة مدينة لا تعرف الشعر، ولا تعترف بالأطلال، مما يجعل المسرحية تعرية عميقة لرحلات البحث العربية الفاشلة عن الدعم الخارجي.
"قرقوش الكبير"
يستثمر عبد الكريم برشيد، في مسرحية "قرقوش الكبير"، شخصية "قرقوش" التاريخية، التي ارتبطت في المخيلة الشعبية بالأحكام الغريبة والسلطة العبثية، ليقدم تشريحًا كوميديًا وسوداويًا لبنية الحكم الاستبدادي. فمن خلال توظيف السخرية السوداء (الكوميديا الناقدة)، يُحول برشيد قرقوش من مجرد حكاية شعبية للتسلية إلى نموذج بصير وسديد لبنية التسلط السياسي المبتذل. وعبر تقنية اللعب الاحتفالي (المسرح داخل المسرح)، يتداخل السلطان مع الرعية، والفاعل مع المفعول به، ليؤكد أن "القرقوشية" نسق وسياسة تُنتج الخوف، وتغيّب العقل والعدالة. وينتهي الأمر إلى الكشف عن أن الحاكم المستبد يعتمد على جهل المحكومين واستسلامهم، وأن السخرية منه هي الخطوة الأولى إلى كسره وتجريده من هيبته الزائفة.
يتضح من هذه المقاربات المسرحية، التي تقوم على التخيّل التاريخي والتراثي، أن التاريخ عند عبد الكريم برشيد ليس وثيقةً مغلقةً، بل هو "مادة أولية" يُعاد تشكيلها مسرحيًا. وقد نجح برشيد، من خلالها، في اعتماد التخيل التاريخي وسيلته الأبرز لفهم ذواتنا وقراءة تحولات حاضرنا، وجعل المسرح العربي ساحة تجاور واحتفال بين العصور؛ يصافح فيها شاعر المعلقات بوابات باريس، ويسكن فيها ابن الرومي بين صفيح العشوائيات، ويُبرز فيها عنترة حالة التشتت والتمزق التي تعيشها الأمة، ويكتشف أن أسلحته القديمة لم تعد مجديةَ في مواجهة الهزائم المركبة والواقع المعقد.