Print
حسام معروف

"مصابٌ بكسرة": غربة مزدوجة

31 مايو 2026
عروض


يقدم كتاب "مُصاب بكسرة" الصادر عن دار النهضة العربية 2026، للشاعـر نيجرفان رمضان، نصًا مشاغبًا لا يبحث عن إرضاء الذوق التقليدي، ولا يكرّر الصور الشعرية المسالمة، إذ ينبثق من عمق التجربة الإنسانية الممزقة بصور شعرية جريئة تبحث عن تشوهات الإنسان، وتفكك حضوره بهذا العالم.
تنطلق شاعرية رمضان من عنوان مجموعته، فتعبير "مُصاب بكسرة" يجسد عتبة نصيّة لغوية تقدم تشخيصًا وجوديًا لحالة كائن يعيش غربة مزدوجة، غربة الجسد وغربة الوطن. فحين تتحول القصيدة من مجرد تأملات إلى أداة لتقييم العالم، يتحول النص إلى أثر إنساني لا يمحى. يكتب الشاعر بإحساس الفجيعة، ولا يقدم الانكسار على أنه ضعف، لكنه الوسيلة الوحيدة للقبض على الحقيقة الوجودية الفالتة.
مجموعة رمضان تنتمي إلى تلك النصوص التي تُقرأ لتأمل الجرح الإنساني في عمقه، في محاولة لفهم الكيفية التي يتشظى فيها الإنسان المعاصر تحت وطأة الحروب والخراب والعزلة. هنا تظهر قيمة الشعر، حين يكتسب أثره الإنساني البليغ عبر صرخات متتابعة، تبرز قيمة الشعور البشري.

جوهر الإنسان والقاع الاجتماعي
يتمحور جوهر الكتاب حول قضايا إنسانية كبرى تتداخل فيها الهوية، والجسد، والمرأة، والبلاد المهدمة. فنجد أن الشاعر ينبش في القاع الاجتماعي، محتفيًا بالهامش والمهمشين في قصيدته الافتتاحية الطويلة "أحبهن رغمًا عن الفيزياء". إنه يطرح قضية المرأة بوجوهها المتعددة: الأم الناشرة للغسيل على حبال الصبر، الجدة الشاردة، العشيقة المهرولة، وحتى العاهرة في الماخور، والمطلقة، واليتيمة. الكتاب يبحث في جوهره عن التحرر من القيود العشائرية والسياسية التي تكبّل الكائن؛ فالشاعر يعري زيف الساسة والجنرالات الذين يتاجرون بدماء الأبرياء. القضية الجوهرية تصبح قضية الإنسان الأعزل؛ الإنسان الذي ولد في عام الحرب، ويجد نفسه غريبًا، بلا أب يضربه، ولا أم تدلق الماء خلفه حين يخرج، يبحث عن موطئ قدم في جغرافيا لم تعد تتسع إلا للقبور والديدان والمذابح المكتومة.

من النص:

"أحبهن
المتنهدات والواقفات كذاكرة منتصبة
على حبال الغسيل،
العابثات بفساتينهن الضيقة،
الخائفات والمستعجلات دومًا،
كأكياس مؤونة منسية في المطبخ.

أحبهن
المطلقات والأرامل واليائسات،
المهرولات خلف الحافلات،
العاهرات في الماخور البارد،
والفتيات اللواتي لم يتجاوزن الخامسة عشرة،
ويفكرن في شكل الستائر لغرفة النوم".

هدم للثابت
تتحرك المجموعة في سياق شعري ينتمي بامتياز إلى تيار قصيدة النثر المتحولة والمتمردة، الممتدة من إرث التحديث الرفضي. الشاعر هنا لا يكترث بالبلاغة الجاهزة، ولا بالمجازات المستهلكة؛ إنه يمضي في سياق يدمج اليومي بالمقدس، والجسدي بالسياسي، في توليفة صادمة تخترق السائد. هذا السياق الشعري يتكئ على الهدم، عبر اختراق التابوهات وتكسيرها. حتى فكرة الهدم تنطلق نحو الشاعر نفسه، فيضرب بالمفاهيم المستقرة عن الشاعر النخبوي لتقديم الشاعر الصعلوك الوجودي الذي يتسكع في الحانات، ويبول في مقرات الأحزاب.




إنه سياق شعري يرفض الميتافيزيقا والزخارف الحياتية، ليغوص في قاع كل شيء، بحثًا عن صيغة جديدة للوجود. يستفيد نص رمضان من مناخات الموت المجاني، ومستحضرًا خيبات البِلاد بنبرة غاضبة ولاذعة لا تحابي أحدًا، حتى يبدو النص وكأنه يكتب نفسه خارج عباءة المؤسسة الثقافية والتقاليد العائلية الصارمة، ويقدم طرحًا نقديًا لاذعًا بمهارة شعرية صادمة عبر 56 صفحة.

نقرات الشعر
تتميز الصور الشعرية في "مُصاب بكسرة" بكونها صورًا حسية، بصرية، وغالبًا ما تكون مثل صفعة وجه، أو ممعنة في الواقعية الفظة والغرابة الإيحائية. لا يعتمد الشاعر على الصورة الجمالية الكلاسيكية، بل يشق مسارًا لصور مستمدة من تفاصيل الجسد والخراب الوجودي.
ففي قوله: "أنا مرآة في غرفة لتبديل الملابس، أتلصص على أرداف النساء"،  يعبر ويصدم ويسقط المعنى في قنوات مختلفة. وكأن الشعر في هذه اللحظة جديلة شعر قديمة يمكن تفكيكه في أكثر من اتجاه. فالتلصص بتقليدية الفهم فعل مشين، لكن إقران الفعلة بتفصيلة أنثوية تنقل المعنى إلى مكان أغرب، وكأنه أراد أن يقول بأن ليس كل ما نراه جميلًا في الواقع يمكن أن يعد كذلك. فصورته تقول: نحن في حاجة لعين تتلصص لنكشف عن القبح المخبأ بعناية.
يستخدم الشاعر تقنية التكرار، مثل تكرار لفظة "أحبهن"، أو "انتحر"، لخلق دفقة شعورية متصاعدة. كما تبرز تقنية المفارقة الساخرة كوسيلة للتعامل مع وطأة الموت والسياسة، كقوله: "أُريد أحزابًا سياسية على مقاس خفي الرياضي"، كنوع من الرفض للعبة السياسية التي يموت خلالها الإنسان. تقنية الرفض والتعرية هنا تتحول إلى محرك بصري يرسم مأساة البلاد بضربات شعرية خشنة ومباشرة. هنا يهدم رمضان المعبد كاملًا، ويبحث عن صورة جديدة لتقييم الإنسان وأثره.
أما الموسيقى في "مصاب بكسرة" فتخلع عنها الاعتبارات التقليدية، وترتدي إيقاعًا داخليًا ثائرًا يتناسب مع لغة قصيدة النثر الحديثة. كل نص لدى الشاعر يحمل موسيقاه الخاصة، فمن الداخل يبتكر صيغة جريئة، ومن الخارج يتشكل النص عبر طريقة تفرضها موضوعية النص وتقاطعاته مع الإنسان. النص في تارة يعمل كإصبع يحس جرحًا للآخر، وفي تارة أخرى يكون مثل عجلة قطار يمضي على سكة، وما تسمعه من الشعر، آنذاك، صوت احتكاك الحديد ببعضه...

صدمات
تمثل المجموعة مرآة مشروخة تعكس واقعًا مشروخًا ومتناقضًا. تتقاطع أفكار الشاعر وتتناقض بوعي حاد؛ فهو يعلن الحب الشامل للمرأة بكل تصنيفاتها الاجتماعية، لكنه حب مشوب بالخوف والخذلان. المرأة عنده هي البلاد أحيانًا، وهي صوته الممسوس بالخوف في أحيان كثيرة، ولذلك يأخذنا بوسواس شعري يفتح كلا الاحتمالين في كل مرة.
ذلك التناقض الذي يحمله الشعر مثل شبكة صياد بحري، هي الطريقة التي اتبعها نيجرفان في ملامسة اللغة والعبث بمكوناتها. في نصه هوس جذاب، والهوس مرتبط بالشعر ورمياته المعنوية، وتلك الصورة الشعرية قد تدهس القلب مثلما تحنو عليه.
يكتب الشاعر: "أخاف أن تهملني ساقيتي فأذبل... نخب صرير باب قلبي الذي تغلقينه خلفك، وصرير باب قلبك الذي تفتحينه لغيري".
كما تظهر الإسقاطات السياسية والواقعية بوضوح وبشكل لاذع؛ حيث يسقط الشاعر مرارة الواقع السوري والكوني على نصوصه: "أنت كطفل تأخر في النطق... أدركت متأخرًا جدًا أن سورية معتقد". هنالك تقاطع مرير بين الجسد الحميمي والخراب العام؛ فالشاعر يقر بتأخر فهم المعادلة، ليكتشف أنه أعمى محشور في فخ هذا الواقع. يتقاطع النص مع كابوس الواقع اليومي، الفقر، قذارة البِلاد، غباء أسئلة الآخرين، الأوبئة، ليعيد إنتاجها كإسقاطات وجودية تؤكد عبثية البقاء في عالم محكوم بالتفاهات والصراعات القائمة على السلطة. كما يستمر الشاعر في قتل كل فكرة سابقة عن البلاد، حينما تحولت الأرض والأثر البشري إلى مساحة للدم والاقتتال.
إن رؤية كتاب "مُصاب بكسرة" هي رؤية تقوم أساسًا على الاحتفاء بالعجز كوسيلة وحيدة للمواجهة الصادقة. الشاعر لا يقدم حلولًا، ولا يبشر بيوتوبيا قادمة؛ إنه يرى الوجود كحفلة تنكرية، والحرب كملهاة يعقد فيها القادة الصفقات الخاصة. الرؤية الجوهرية في نصه هي كشف الخراب من دون عمليات تجميل. فالإنسان عنده "وجبة طازجة للديدان" في نهاية المطاف، سواء أكان حاكمًا، أو قوادًا في ماخور. لذا، في نصه دعوة لخلع الأقنعة، والاعتراف بالفشل الذكوري والسياسي والاجتماعي، وتعرية الزيف اللغوي؛ فاللغة والقصائد في نظره قد تكون مجرد هراء أمام فظاعة الموت، وهنا يبرز السؤال الوجودي عن قيمة الشعر في هكذا ظروف، من عدمها.
مجموعة "مُصاب بكسرة" لنيجرفان رمضان هي بيان إدانة شعري، يستهدف كل ما هو مبتذل وكاذب ومشوّه. إنه نص يكتب بدمٍ حار وجمل قصيرة متلاحقة تشبه طلقات مسدس طائشة. المجموعة تنتهي بتأكيد فكرة الغياب والرحيل الحتمي؛ حيث "ينطفئ نور الحلم ويمضي نحو الأبدية". لقد استطاع الشاعر، عبر هذه النصوص، أن يحول مشاعر الخراب إلى طاقة تعبيرية هائلة، تلذع وتبطن بالجمال، تحاسب البشاعة وتصوغها بطريقة هستيرية أحيانًا، أو ساخرة. فتلك الصور التي اشتملها الكتاب في حاجة إلى أكثر من تفسير، وهو، برأيي، من المجموعات الشعرية التي تحتاج إلى العودة إليها أكثر من مرة للوقوف على تفرعاتها.