تبدأ رواية "ولادة على حافة العبور"، للروائي الأردني رامي طعامنة (حامل الجنسيّة الأستراليّة)، بفصل أوّل تتقدّمه عبارة "العبور إلى الجهات ليس هروبًا، إنما عودة إلى أصل الفكرة"، لتبدأ بعدها "حكاية" البطل الأول "شمس"، بطل الرواية. وحكاية "شمس" هي مأساته أيضًا، مأساته التي تبدأ في تمهيد بعنوان "عبور إلى ضفاف آمنة"، حيث هو في لحظة كأنها لحظة موته وتكفينه ودفنه، وحيث يرى نفسَه "ممدّدًا في حفرة رطبة موحشة... لا يرى إلّا قطنًا كان على عينيه، وخيالَ فتاة من نور تسعى إلى روحه" فيتساءل "هل هذا هو القبر؟"... وفيما هم يدفنونه ينبعث صوت أسود بارد وموحش، فيسأل "هل هذا هو الموت؟ أم أنّها وِلادة معكوسة؟".
لكن الأمر لا يعدو كونه "كابوسًا"، يعيشه البطل بعد مرور مائة وثلاثة أيّام من الحجر الصحيّ الطويل، إذ يستفيق مفزوعًا لاهثًا ظمآنَ، يده ترتجف وهي تمسك بكوب الماء ليطفئ العطش المفاجئ، وفي المرآة يشهد التجاعيد التي غزت جبينه، والشيب الذي يغزو شَعره وهو شابّ في الأربعين من عُمره. فجلس مع دفتره القديم وذكرياته، يرى أنه على موعد مع "ولادة جديدة" ستتمّ بـ"محض إرادته"... ويرى طيف "الفتاة ـ مهرة" تخبره "حانت ولادتك، وانقلابك على ذاتك"، وتطلب منه العودة إلى ما جرى معه من مهده إلى رشده. فيعود إلى المرآة ويهشّمها بقبضته، ويحدث الانقلاب ـ الولادة الجديدة.
في الفصل الثاني، يعود بنا الكاتب إلى الولادة الحقيقية ـ الأولى للبطل... منذ كان جنينًا في رحِم أمّه، إذ حاول والده اغتيالَه بـ(إجهاضه)، لأنه (أي الأب) لا يملك القدرة على إعاشة أبنائه الثمانية... فكيف يستقبل ابنًا تاسعًا. قلت "الحكاية" بناءً على ما يقول الكاتب في الإهداء، فهو يهديها "إلى كلّ مَن أرهقه ضجيج السؤال، وظلّ يبحث في صمته عن جذور الحكمة، أهدي هذه الحكاية". ومع كونها رواية للتحوّلات في حياة هذا الـ"شمس"، بل ولاداته المتعدّدة متمثّلة في مسيرة حياة صعبة وشاقة، فإنها أيضًا رواية الأفكار والأسئلة الحياتية والوجودية ـ الفلسفية، وذات الحِكم البليغة غالبًا، أسئلة الموت والحياة والحبّ والكراهية، وخليط بينهما. وفي شذرة قصيرة تسبق بداية السرد، يقول شمس "الأدب لا يغيّر العالم، لكنّه يصنع أبطالًا يجرؤون على تغييره"، وهو المعنى الذي نتعرّف عليه في ثنايا الرواية ومعانيها.
ولادة متعسّرة
في روايته هذه، الفائزة بجائزة "الإبداع للكاتب" في معرض الدوحة للكتاب بدورته الخامسة والثلاثين (2026)، والصادرة في منشورات "المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2025، (في 144 صفحة)، يرسم الكاتب ملامح شخصيّته الرئيسة (شمس)، بكل ما أوتي من قوّة الكاتب على مزج الخيال بالواقع والسحر، والروحانيّات والماديّات، ما يجعل من روايته مسرحًا لشخصيّات بتوجّهات فكرية سياسية واجتماعية ترسم حياة مجتمعه، ويستلهم من ذلك كله مسارًا لحياته ينهج فيه نهج الزهد والتصوّف والترحال، من دون أن ينسى مغامراته في الحياة المادية والثراء ثم العودة إلى بداياته من الروحانيات والزهد... وسؤاله الدائم "مَن أكون؟" في كل أحواله.
شخصية "شمس" هي، ابتداءً، فكرة، أو مجموعة أفكار، تجسّد إنسانًا يعيش في "حكاية" يكون فيها غير مرغوب بوجوده من قِبَل والده، حتى قبل ولادته، حيث إنه يستمع لحديث والده لوالدته عن رغبته في إجهاض جَنينها، بينما هي تصرّ على إنجابه، ثمّ تدخل إلى الحكاية جدّته "عزم" الحكيمة أمّ والدته، ليولد حكيمًا، ولكنّه ليس واعظًا، بل هو شديد القلق والتوتّر، مع نفسه ومع محيطه، إذ ينشأ في علاقة مضطربة مع والده القاسي قسوة فائضة تتبدّى في سلوكه العقابيّ معه، من جهة، وهو المتزلّف، بل الذي يكتب قصائد المديح للمختار، من جهة تعاكس سلوكه مع ابنه. وتنعكس هذه التربية التي تلقّاها من والده ومن معلّميه في المدرسة ثم في الجامعة، وتأثير المجتمع، على سلوكه، فيغدو شديد الحذر والغموض والعزلة والانطواء، ويعيش عبر الأوهام أيضًا.
المصرف الوهميّ وأسئلة الحريّة
يبدأ "شمس" حياته بوهم كبير، وهْم الحرية والتمرّد، والسيطرة والتحكّم، بإنشاء مصرف (سرّيّ) عُملته ورق الشجر والقُمامة، ويستأمن على سرّه هذا شخصًا يراه حكيمًا ووفيًّا للأمانة، لكن والده يكتشف السرّ، وتكون عقوبة "شمس" قاسية، فيلجأ إلى جدّته "عزم" يحتمي بها. لكن كثيرين يتّهمونه بالجنون، ويُمضي فترة في مشفى نفسيّ. وهذه هي مرحلة البراءة واختبار العالَم في حياته. ثمّ تأتي مرحلة العمل، حين يعمل مستشارًا في مؤسسة مصرفيّة، ويكتشف الفساد فيها، ويرفض التوقيع على وثيقة مالية قائمة على الرشوة، فيجري الاستغناء عنه. لتأتي مرحلة هجرته إلى بريطانيا، حيث يبدأ إنشاء مشروعه الخاصّ الذي يؤتي ثماره. وفي الأثناء يقيم علاقة مع (إيفا)، ويكتشف معها برودة المجتمع البريطاني المؤطر بالقوانين، فيقرر العودة إلى بلاده، ويلتقي بالفتاة (مهرة) لقاءه الحميميّ ليولَد من جديد ولادتَه الأخيرة.
الرواية، إذًا، حاشدة بالأسئلة، وكذلك بالمواقف والتأمّلات التي تفضي إليها، والتصوير المشهديّ الذي يقارب التصوير السينمائيّ، لكنّه تصوير يغوص في أعماق الشخصية وأغوارها النفسيّة، وبيئتها الاجتماعية وظروفها الاقتصادية التي جعلت منها ما هي عليه. فالجنين في رحِم أمّه، وفي شهر تكوينه الثالث "يسمع بلا أذنين، ويرى بلا عينين، ويشعر بحرارة أمّه وهي تضمّه في عالمها الدافئ... غذاؤه وهواؤه يتدفّقان عبر أنبوب متّصل بأوعية سحريّة تربطه بعالَمه الخاص، كائنًا يسبح في رحِم لا حدود له...".
لكنه مع عائلته التي سيهبط إليها بعد حين "في مسكن تحت درَج لمبنى فقير ضيّق كالكهف، تفوح منه روائح عفن الجدران، وفي وسط المكان ستارة قماشيّة تفصلهم عن عائلة أخرى تشاركهم ضيق المأوى، وقلّة حيلة اليد". ورغم ذلك فإن أمّه الحاملَ به، وهي يتيمة الأب نشأت فلّاحة بين الكروم، كانت "لا تخلو من الأمل، إذ وضعت يدها على بطنها وراحت تنادي جنينها بصوتها الرقيق: يا ولدي، لم أشعر بحركتك اليوم كعادتك، هل أنت بخير؟". فكيف يمكن لبيئة كهذه أن "تُنتج" مثل هذه الأمّ، خصوصًا أنها "تزوّجت فور بلوغها، وتعلّمت الحكمة من وجع الأيام، وفي قلبها وطن لا يغادر"؟.
وفي تلك اللحظات من الحب والحنان، من جهة الأمّ، يظهر الأبُ حين جاء بلكنته الغاضبة، وصوته المرعب... فقد كان يزمجر من دون انقطاع. حينها أحكمت المرأة يدها على مكمن الجنين، وكأنها تعي أن صوت الأب قد أخاف جَنينها. وتراها تبرر سلوك الأب بأنه "كان يعاني حياة جافّة، وطفولة متشرّدة، ومزاجًا متقلّبًا، وأفكارًا متناقضة... سريع الغضب، فإذا غضب انتفخ وجهه [رغم وسامته] واحمرّت هيئته..."، ومن هنا غضبه ورفضه للجنين "هذا الجنين ضيف ثقيل على مائدتنا الخاوية... تخلّصي منه على الفور، لا مكان له بيننا"، كان يقول لزوجته. وهنا نشهد كيف "انكمش الجنين حين ارتفعت الأصوات... يد الأب ترتعش وهو يمسك بزجاجة الدواء للتخلّص من الجنين. قال بغيظ وهو ينظر في عيني زوجته: يجب إسقاطه... وكان الجنين يسمع ما يدور بين الأب والأمّ... ويتساءل: لماذا أمّي تحبّني بينما يرفضني أبي بكلّ صلافة".
في هذه البيئة، وبهذه الخلفية، سيولد طفل ويتربّى "مختلفًا" منذ البداية، وهو ما نراه مبرّرًا كافيًا ليكون ما كان عليه طوال أربعين عامًا من المِحن والتجارب القاسية. وهذا ما يجعل منه ومن ولادته "على حافّة العبور"، سيولد بفضل جدّته "عزم" التي سألت والده سؤالًا استنكاريًّا "جئت لتقتل ابنك؟ أليس كذلك؟"، وتواصل "أنت لا تريد الجنين لأنك ضعيف". وحين تقول له "أولادُك سيكونون يومًا أوتادًا لك، وسيوفك التي تسلّطها في وجه الحياة"، يجيبها باختصار "أنا لم أعد فلّاحًا لأنتج أكبر عدد من الأولاد، يحرثون الأرض ويلتقطون الثمر... لا أطيق التهوّر، أو الاعتماد على ما وراء القدر!". أي أنه يتحدث بلغة تنكر القدرية، وتحيل على الواقعية الماديّة. لكن العجوز تذكّره بأنها هي من احتضنته حين ماتت أمه وهو طفل في السادسة من عمره، وربّته مع أبنائها، ومنهم زوجته، فأطفأت غضبه، ووافق على احتفاظ زوجته بالجنين، لكنه اشترط عليها "لا تطلبي مني أن أحبّه"، وهذا ما جرى... فهو لم يكن يحبه إطلاقًا، فضلًا عن كرهه له! وهنا نسمع الجنين يخاطب أمّه "سأكون لكِ ظِلًّا وابنًا بارًّا. شكرًا لك ولأبي".
وكما تستند الرواية على الأسئلة، وأساسها هو "مَن أكون؟" و"كيف أكون كما أريد، لا كما يريد الآخرون أن أكون؟"، فإنها تتّكئ على الحوارات المطوّلة والمختصرة بين شخوصها، حوارات تلخّص فكر (شمس) وأفكار مَن يحاورهم، فهي لا تتوسّع في السرد، بل تختزل الكثير من الوصف، وتكتفي بالأساسيّ والضروري من الملامح والمعالم والسمات في تقديم الشخصيات والحوادث، وتقدّم ذلك كلّه بلغة تميل إلى الشعر في بعض الأحيان. ففي وصف شخصية والد شمس، لجهة الرقة والنعومة، يقدّمه الروائي/ السارد على أنه قد ظهرت موهبته الشعرية مبكرًا، إذ "كان رقيقًا يتغني بكلّ ما يراه"، قبل أن يتحوّل إلى "إنسان قاسٍ وانتهازيّ". أمّا شمس فكان منذ طفولته شخصية قياديّة "يفكّر لا كما يفكر أقرانه، بل إنه يرى ما لا يراه الآخرون"، حتى أن أرملة فرنسية أطلقت عليه كنية "نابليون الصغير". كان يفكّر كالكبار الذين "لا يولَدون بسهولة، بل يُصهرون في أفران الألم غالبًا". فيُطلق، في مطلع الفصل الثالث، حكمته "حين يخذلك المجتمع، تشكّ في عدالته".
أخيرًا، فإن رواية طعامنة هذه تترك انطباعًا بحجم ثقافته وعمق تفكيره، وسِعة خياله، وصحّة لغته، وقدرته على "هندسة" معمار روايته وطرقاتها ومسالكها، وهو الذي يحمل شهادة "الهندسة المدنية"، لكنه أيضًا يملك روح روائيّ يعرف كيف يُطلق الأسئلة ويعالجها.