تنتمي تجربة الشّاعر الفلسطيني عبد الله عيسى إلى جيل الثّمانينيّات في الشّعر الفلسطيني، ذلك الجيل الذي طوّر بنية القصيدة الفلسطينيّة، وأطلقها في فضاءات جديدة. وتمتاز تجربة الشاعر عبد الله عن تجارب شعراء ذلك الجيل، بأنّه جمع في كتابته الشّعرية بين الالتصاق بالهمّ الفلسطيني من جهة، وبين التّقنيات الجديدة التي أضافها للقصيدة من جهة أخرى. ولعلّ رحيله المبكّر إلى موسكو، وإقامتَهُ فيها منذ عام 1989، ودراسته التي بدأها في "معهد غوركي"، وأكملها بحصوله على درجة الدّكتوراه من "معهد آسيا وأفريقيا" التّابع لجامعة موسكو، أقول لعلّ كل ذلك قد زوّده بطاقة خلاقة للكتابة.
أصدر الشّاعر عبد الله عيسى عددًا كبيرًا من المجموعات الشّعرية، منها: موتى يُعِدّون الجنازة، آلاء، حبر سماء أولى، قيامة الأسوار، رعاة السّماء... رعاة الدِّفلى، أخوتي يا أبي لا الذّئب، وصايا فوزيّة الحسن العشر، هناك حيث ظلالٌ تئنّ، وسماء غزة... تلال جنين.
أنتَ الوطن، والوطن أنتَ
في هذا الكتاب الجديد للشاعر عبد الله عيسى "أورساليم القدس 2000" (2025، دار اليازوري للنّشر، عمّان)، الذي هو مزيج من السّرد والشّعر، يتجوّل بنا الشّاعر، بين العديد من محطّات النضال، التي خاضها الشّعب الفلسطيني في العصر الحديث، والتي بدأت بالانتفاضة الأولى أواخر ثمانينيّات القرن الماضي، واشتعلت فيما بعد من خلال الانتفاضة الثانية/ انتفاضة الأقصى في عام 2000، ثمّ امتدّت وتتابعت على مدار السّنوات التّالية.
يتحدّث الشّاعر عن القدس، وعن تاريخ هذه المدينة الطويل، حيث بناها الكنعانيون الأوائل، تحت إشراف كاهنها ملكي صادق في الألف الثالثة قبل الميلاد، واستقبل فيها النبيّ إبراهيم عليه السّلام. يتحدث الشاعر عن احتلال القدس الغربية الذي جرى في عام 1948، ثمّ عن احتلال القدس الشّرقية في عام 1967، وذلك حين دخلها الجيش الصهيوني، ورفع العلم الإسرائيلي فوق قبة الصّخرة المُشَرَّفة، ثمّ حين تقدّم قائد جيش الاحتلال في ذلك الوقت، الحاخام العسكري شلومو غورين، فنفخ بالبوق، وهتف مخاطبًا الجنود الصهاينة قائلًا: "أخاطبكم من حائط المبكى، آخر أثرٍ لهيكلنا، هذا اليوم طالما حلمناه". حينها وصف وزير الحرب الصهيوني موشيه دايان في ذلك الوقت شعوره العارم بالفرح وقال: "هذه هي اللحظة التي تتعدّى في أهمّيّتها قيام إسرائيل".
في الكتاب أيضًا، يتناول الشّاعر مواضيع كثيرة ومتشعبّة تمسّ الشّعب الفلسطيني ونضاله المتواصل، وذلك من خلال الحوار الذي يقيمه الشاعر والأسئلة التي يطرحها على النّاس. وهو من وراء ذلك يريد أن يصل بهم إلى برّ الأمان الذي يعني أكثر ما يعنيه الثّبات في ميادين المجابهة وتحقيق النّصر.
من هذه المواضيع مثلًا: الحلول المطروحة لحلّ القضيّة الفلسطينية، وهي طرق احتيال تمارسها المنظّمات الأممية برعاية أميركية، من أجل سلب حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في وطنه. هناك أيضًا حوار داخلي حول فكرة السّلام، ورفض الكيان الصّهيوني لها من الأساس، لأنّه يسعى في النّهاية إلى أخذ الأرض وطرد الناس. مما يؤكّد أهميّة خوض الحروب مع هذا العدو وعدم مهادنته. يقول الشاعر عبد الله في أحد النّصوص: "فلن ننقاد على إيقاع جنازير البلدوزر، من إنهاء الصّراع، إلى التّوصّل إلى معاهدة عدم اعتداء، ملحقة بها اتفاقات طويلة الأجل، تُعلّق القدس واللاجئين والحدود على حبال الريح إلى أمد لا يعلمه إلا الله تعالى".
لا ينسى عبد الله التّطرّق إلى موقف المثقّفين العرب من القضيّة الفلسطينية، حيث يمتدح أولئك الذين يقفون في صفّ المقاومة، ويعرّي المواقف الهابطة لبعضهم. يقارن عبد الله أيضًا المواقف المتناقضة لرجال الدين في العالم العربي، فنجد هناك مثلًا المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الذي يحثّ الجماهير العربية على زيارة المسجد الأقصى، ونجد في المقابل علماء المسلمين الذين يرون في هذه الزيارة، شكلًا من أشكال التّطبيع مع العدو.
يتحدّث الشاعر أيضًا عن المخيّم، وعن كونه محطّةً في طريق العودة إلى الوطن، إذ يقول: "قابلية وخصوصيّة استثنائية تسوّيك إنسانًا مبدعًا، لمجرّد إقامتك الدّائمة في ذاكرات وحيوات أهل المخيّم، وفي أحلامهم التي تذهب بكَ إلى غدٍ يمضي إلى غده في الذّاكرة. تصبح أنت وطنًا، والوطن أنت".
الشّاعر والكتابة الجديدة
في هذا الكتاب الذي بين أيدينا نعثر على تجربة مختلفة في كتابة الشّاعر عبد الله عيسى، حيث وضع الشاعر عبارة "كتابة جديدة"، أسفل عنوان الكتاب. إنّ هذه العبارة لتمثّل إحدى العتبات الهامّة، التي يمكن لنا من خلالها أن نلج فضاء النّصوص المنشورة في الكتاب، ونتعرّف على ماهيّتها الفنّيّة. وبالفعل فإنّنا حين نطالع هذه النّصوص، فإنّ أوّل ما يجذب انتباهنا هي تلك التوليفة التي اشتغل عليها الشاعر، بين النّصوص الشّعرية التي أطلقها في الكتاب، إلى جانب النّصوص السّرديّة التي يخاطب من خلالها الجماهير الفلسطينية، داخل فلسطين المحتلّة وخارجها.
من النّصوص الشّعرية التي أوردها الشاعر في بداية الكتاب نصّ بعنوان "الجزّار في خُرافته"، ومنه نقرأ هذا المقطع:
"تستيقظُ القدمُ الثّقيلةُ بالجماجمِ والخرائطِ ذاتِها
أدنى قليلًا من ورود السّورِ في بيتي
الذي
ما عادَ
بيتي
ترفعُ الجسدَ المُبقَّعَ بالصّدى الأعمى،
وأنّاتِ الضّحايا المهملينَ على معاطفهِ القديمةِ
تنحني معه قُبالةَ شمعدانٍ أخرسٍ
يتأمّلُ الأقدار".
في هذا المقطع الشعري يُعرّي الشّاعر الجندي الصّهيوني الذي لا يتقن شيئًا، في حياته الهمجيّة التي يعيشها، سوى مهمّة القتل التي يستمدّها من أساطيره وخرافاته التّوراتية. وبعد أن رسم الشاعر هذه الصّورة القاتمة للقاتل الصّهيوني، والضّحايا الذين سفك دماءهم، من خلال المقطع السّابق، نجد الشّاعر يذهب في المقطع السّردي التّالي إلى جمهور الانتفاضة، ليحاورهم في أمر هذا القاتل، وطريقة مجابهته والانتصار عليه، يقول الشاعر في المقطع السّردي:
"لكنّ الانتفاضات الأمّهات الكُبريات المتلاحقات الممتدّات فينا حتى نهايات الأرض، قادت الخرافة العابرة العدوّة، لترتطمَ قسرًا بخرافة دولتها المقامة على أرضنا قسرًا (أرض بلا شعب، وشعب بلا أرض)....إلخ". ثمّ ليتابع عبد الله بعد ذلك، ويقول: "ومكَّنت لنا بنا انتفاضتُنا خاتمةَ ثمانينيات القرن العشرين، خلع قلنسوة القداسة عن هذه الخرافة الزّائفة".
في فصول هذا الكتاب نجد باستمرار، مثل هذا العناق الذي أقامه الشّاعر بين المقاطع الشّعرية والمقاطع السّردية. وإذا ما دقّقنا النّظر في هذين الشّكلين الشعري والسّردي، فإنّنا نرى ثمّة تناغمًا كبيرًا بينهما، ففي الوقت الذي يخفّ فيه الكلام ليطير ويهدل في المقطع الشّعري، ويأخذنا إلى فضائه المنسوج بالرّؤى والأحلام، يبرز أمامنا النّصّ السّردي التالي الذي يحاورنا الشاعر من خلاله، فيما يخصّ حياتنا ومستقبلنا كشعب صامد وجسور، رغم الاحتلال والقتل والتّهجير الذي يصبغ حياتنا بالسّواد. وممّا نلاحظه أنّ هناك في الغالب، ما يجمع المقطعين الشّعري والسّردي، من حيث وحدة الموضوع في الجانبين. ولعلّ هذا الشّكل الجديد من الكتابة يطوّر ذائقة القارئ الجمالية، ويعزّز لديه حاسّة التّلقّي الشّعري، فالنّصوص تنتقل بالقارئ في كلّ مرّة، من مستواها الواقعي إلى مستواها الحلمي. ولعلّ ما ذهبنا إليه يفسّر لنا هذا المصطلح (الكتابة الجديدة)، الذي أطلقه الشاعر على نصوص هذا الكتاب.
شعب محكوم بالحُلم
نتيجةً لكلّ ما حشده الشّاعر من رؤى وأحلام بتحرير الوطن الفلسطيني والعودة إليه، ونتيجة لكلّ ما ضخّه من طاقة وأمل بالمستقبل في الصّدور، فإنّ من ينتهي من قراءة هذه النّصوص سيخرج بروح جسور قادرة على الصّمود والتّصدّي، وقادرة على المقاومة بالرغم من مرارة الحياة، وبعبارة أخرى يمكن القول: إنّ هذه النّصوص التي كتبها عبد الله عيسى هي نصوص محاربة تدعونا إلى المواجهة على أكثر من صعيد، وتأمل بالتّحرير. يقول الشاعر:
"أن تكون فلسطينيًّا،
فهذا يعني أنّك محكومٌ بالحلم:
حلم العودة بمفتاح بيت السّلالة القديم، إلى وطنٍ لكَ خصّه الله بك،
احتلّه قُطّاع طُرق، وميليشيات إرهابية،
ومهاجرون طارئون".
(عمّان/ الأردن)