Print
عمار كشيش

"الشعر في حقول الألغام": ورود ومناديل بيضاء

31 يوليه 2026
عروض

اطلعتُ على كتاب "الشعر في حقول الألغام: مختاراتٌ من نصوص ميليشيا الثقافة"، من إعداد وتقديم عبد الرحمن الماجدي، وهو صادرٌ عن دار مخطوطات التي يديرها التشكيلي المصمم ناصر مؤنس.
وما قام به ناصر مؤنس كان مثيرًا ومُدهشًا: تصميم الغلاف والصفحات الداخلية، وتصميم ختمٍ للكتاب: كفٌّ سوداء، وهذا السواد منطلقٌ من الفحم والليل والحزن/ الكآبة، ولكل شاعرٍ خُصصت كفٌّ بنفس اللون، مع مقطعٍ للشاعر على ظهر الكف، وهنا يزداد اللون قتامةً أو تقل قتامتُه بحضور بياض القمر المقطّع بشكلٍ سريعٍ وعنيف.
بالإضافة إلى نتاج أعضاء هذه الميليشيا المكشوفة الجراح، فإن كف ناصر مؤنس هي صفعةٌ بوجه الميليشيا الأخرى التي تأكل الأخضر واليابس، وتحرق معالم الجمال، وتحاول نسف حتى رماده. هذه الكف أيضًا هي تصفيقةٌ مذبوحة، وتلويحةٌ لطائرٍ بعيدٍ يبحث عن مكانٍ آمن، أو يحمل البشارة.
وهذا التجمع "الميليشياوي الثقافي" يختلف عما سبقه من تجمعين، عربيٍّ وعراقيٍّ، وأعني الرابطة القلمية وجماعة كركوك، وذلك للممارسة الفعلية التي قاموا بها، وليس الكتابية فقط، ولاختلاف نظرتهم في تناول مفرداتٍ حساسةٍ ومقدسة. الطرح لديهم جماليٌّ، ويحتمل قراءاتٍ كثيرة، وليس هو كتابة بحثٍ أو مقال، ولا بد من وعيٍ أكثر اتساعًا، وهو يتناول جمالياتهم الصاخبة، ويرفعون جراحاتهم إلى الأعلى، وكأنهم بذلك يرفعون أشياء جميلةً من ورودٍ ومناديل بيضاء برّاقة.
وكل هؤلاء أطلقوا قصائدهم في المقابر الجماعية، والمقابر التي هي أرضٌ جرداء محترقة، ورماد المقابر، وهياكل سيارات الإسعاف، وحتى ممارسة الشعر في المياه؛ كان الجمهور عددًا هائلًا من الموتى/ أحياءً وأمواتًا.
وهذا الفعل المسرحي خارج جدران القاعات، وعلى الجدران المهدمة، لم تكن غايته لفت انتباه القراء، بل هو فعل واعٍ ومقصود لإشراك الألم في الفضاء العام، ولمساءلة الواقع بجمالية واخزة تحمل عمقًا وصدقًا. والطريقة، بالرغم من أنها مدهشة بصريًّا، إلا أنها لم تُستخدم كأداة ترويجية فحسب، بل أيضًا لأنها جزء أصيل من بنية نتاجهم، الذي يسوّق نفسه أيضًا لما فيه من عمق وجذور ونبض قويٍّ، أشبه بالنبض في أعماق العنق.
عدد من الشباب، ولا أعني سنوات العمر، بل أقصد الأرواح المتحركة، المتأججة، والنامية، والمستيقظة، والأجساد التي امتزج فيها الوعي الشعري ونضجه مع الجحيم والكوارث، التي لم يستسلموا لها، ولم يصمتوا أمامها، بل أطلقوا شتائمهم وحداثتهم سويّةً في آنٍ واحد.
هم تسعة شعراء قدموا لنا التراجيديا الحالكة السواد، ليس ليستيقظ الحزن عند القراء فقط، بل كي يستيقظ الوعي أيضًا.
إنهم أدركوا أن واقعنا ليس واقعيًّا، بل سرياليًّا/ كابوسيًّا، وامتزجوا بسريالية/ كابوسية الألم، وسريالية/ كابوسية الكتابة. شاركوا عامة الناس، والصحافيين، ورجال الإطفاء، والجيش، ورجال الأمن، في هذه السريالية الملوّنة بالحبر، والدم، والماء، وعصير الفواكه، والكحول، وعصير الطين. وقدموا نتاجًا ثريًّا عميقًا، غير مبتذل.
ها هم واقفون في مقهى مشويٍّ، إنهم يشربون الشاي المحترق، ويرممون النوافذ، ويحاولون إسعاف الضوء الميت في النجوم المتناثرة في السقف.

*****

فيما يلي مقاطع من قصائد مأخوذة من كتاب "الشعر في حقول الألغام"، من إعداد عبد الرحمن الماجدي:

(لوكيميا بدائية)

أقدامي محرارٌ
أقيسُ بها حرارةَ شفاهِ اللغمِ.

الشاعر أحمد ضياء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طرق جديدة
تفخيخُ البيوتِ يعني إضافةَ أثاثٍ فَخْم
(فبالتفخيخِ نرتقي).

الشاعر أحمد جبور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اورّق الرصيف
... ورأيت عناقيدَ من رؤوسٍ معطوبة
تُشبهُ العنبَ الأسود.

الشاعر حسن تحسين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبوةٌ ملتصقةٌ بالفردوس
الأنهارُ يابسة
والرّمالُ رماديّةٌ
والرّصاصُ في كلِّ مكان:
في الرؤوس المطبوعةِ على جُدرانِ هذا العالم...

الشاعر علي تاج الدين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من ورقةٍ تركها أحدٌ في الباص
كنتُ أركضُ في تابوتٍ
حينَ زارتْنا الحياةُ أخيرًا.

الشاعر علي ذرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(كوستر 118759)

يخرِج اللحمُ من النوافذ،
...ما زلتُ أتحسّسُ صفيحةَ السّكين الصدئة
وهي تحزُّ رقبتي
رغم أنني أُحلِّقُ منذُ زمنٍ بعيدٍ فوقَ هضبات الغيوم.

الشاعر مازن المعموري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(مبرهنة) 2
الآن
أعترفُ بأنّي مكمَلٌ في الحياة.
لم أستطع
فكَّ أسئلة الدّمِ المعبّى في القميص!

الشاعر محمد كريم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رَجْم
أفتحُ عينيَّ كبيضتين مكسورتين
على تَلّ من الأحجار.

الشاعر كاظم خنجر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السادسةُ عصرًا/ شارع 40
كيفَ سأصبح بعدَ ثلاثة أطنان من المتفجّرات؟
بأيّ تكشيرةٍ سأُواجه الرَّب؟

الشاعر وسام علي