Print
عمر كوش

في إعادة الاعتبار إلى مفهوم الانتقام

7 يوليه 2026
عروض


يُنظر إلى الانتقام بوصفه رغبة قوية في ردّ الأذى بالأذى، حيث يشعر الشخص المظلوم برغبة في معاقبة من آذاه، ظنًا منه أن ردّه الانتقامي سيجلب له الراحة والسلام النفسي، مع أنه غالبًا ما تكون النتيجة مختلفة تمامًا ومؤذية. وقد انشغل العديد من الفلاسفة على مرّ التاريخ بموضوع الانتقام، واعتبره معظمهم أنه ليس مجرد ردّ فعل غاضب، بل قضية ترتبط بالعدالة، والأخلاق، وطبيعة النفس البشرية. ووصف فرانسيس بيكون الانتقام بأنه "نوع من العدالة البرّية"، وكلما ركض الإنسان وراء الانتقام، كلما ابتعد عن القانون الطبيعي والمجتمعي. فيما اعتبر توماس هوبز أن الانتقام يعيد البشر إلى "حالة الطبيعة الأولى" حيث يسود العنف والخراب. لذلك، رأى أن العقاب يجب أن يصدر فقط عن الدولة لحماية المستقبل، وليس لشفاء غليل الماضي. كما ذهب آخرون إلى حدّ تصويره بحلقة مفرغة، تبدأ برغبة في استعادة التوازن، لكنها غالبًا ما تنتهي بدمار الفرد والمجتمع، لأنه عمل مدفوع بالعاطفة والتشفي، مما يجعله نقيضًا لـ"العدالة المؤسسية"، فيما يجسّد الانتقام الشخصي عدالة مشوهة، تحوّل الضحية إلى جلاد، وتستبدل سيادة العقل بسلطة الغضب والانفعال.

بالمقابل، جرى تبرير الانتقام والثأر في التقاليد القديمة، وخاصة في العصور الوسطى، لكن الفكر الحديث اعتبر الانتقام فعلًا مستهجنًا، ينمّ عن بقايا همجية يجب على القانون الحديث التخلص منها، والخروج من دائرته المظلمة عبر نقل الحق في العقاب من الجانب الشخصي إلى قانون عادل يحمي الجميع، ويوفّر للإنسان السلام الداخلي.

غير أن الفيلسوف الفرنسي ميشال إيرمان، في كتابه "مديح الانتقام: مقالة في العدالة" (ترجمة أبو بكر العيادي، كابصا للنشر، تونس 2026)، يذهب في اتجاه معاكس، يقدم من خلاله أطروحة فلسفية جريئة، غايتها إعادة الاعتبار إلى مفهوم الانتقام، ليس بوصفه فعلًا همجيًا، بل باعتباره ظاهرة إنسانية متجذّرة، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم العدالة والكرامة، حيث يركز على دراسة الانتقام كظاهرة إنسانية وتاريخية، محاولًا إخراجها من خانة الهمجية إلى مساحة المساءلة الفلسفية والعدالة. وينطلق من أن الفلسفة الأخلاقية كبتت الانتقام وأدانته، ونظرت إليه كفعل غريزي يدمر السلم الاجتماعي، لكنه بقي قائمًا كاستجابة طبيعية للظلم الذي لا تستطيع النظم القانونية الحديثة جبره دائمًا.

وتنهض أطروحة إيرمان على أن كبت الانتقام في المجتمعات الحديثة قد أدى إلى نوع من "العدالة الباردة" التي تعاقب الجاني لكنها لا تشفي غليل الضحية، مع أن الانتقام هو في الوقت نفسه رغبة واقتضاء عدالة، وليس مجرد فعل وحشي، بل آلية نفسية وتاريخية، يسعى من خلالها الإنسان إلى استعادة كرامته المهدرة.

يمتلك الانتقام طبيعة متعارضة أو متناقضة، لأنه يجسد واقعًا أنثروبولوجيًا، يُظهر أن المطلق الأخلاقي في بعض الظروف ليس له تأثير كبير على واقع الحال، كونه يطرح مسألة حدود كل ضمير أخلاقي. وقد يتجسد بعدة طرق في الضغينة، والتعويض عن الخسارة، والثأر، وحتى اللعنة، ولكنه قد يتجسد أيضًا في الشرف والوفاء للنفس. فضلًا عن أنه يمتلك وظيفة "أنطولوجية" أي وجودية، من جهة كونه الفعل الذي يعيد للضحية شعورها بأنها ذات فاعلة، وليست مجرد موضوع للاعتداء.

يعبّر الانتقام عن عدم قدرة الإنسان على التغاضي عن الأذى، لكنه أيضًا يقدّم دليلًا على وعيه بالعدالة، كونه يمثّل محاولة شخصية لإعادة التوازن، وضمان عدم إفلات الظالم بفعلته. لكن رغبة الإنسان في الانتقام لا تأتي من حقد أعمى فقط، بل هي تعبير عن "فخر واعتزاز بالذات" بعد التعرض للإهانة. ومع ذلك، يقع الانتقام في مأزق أخلاقي كبير، كونه يضيف خطأً إلى خطأ، وأذىً إلى أذى سابق. وهو فعل يحوّل الضحية في نهاية المطاف إلى جانٍ جديد، مما يخلق سلسلة لا تنتهي من العنف المتبادل.

ليس "مديح الانتقام" سوى محاولة لفتح باب المواجهة مع الوجود الإنساني، أي إنه ليس تمجيدًا غايته الدفاع عنه، بل دعوة إلى البحث عن المبادئ، وتحديد قيم أنثروبولوجية تساعد على فهم الرغبات الثأرية والسيطرة عليها، وبالتالي فإن غاية الكتاب هي رسم السلبي والإيجابي، وتحديد الأنانية والنبل في مفهوم الانتقام، لذا لا يدعو المؤلف إلى الفوضى، بل إلى وضع "العدالة المؤسسية" نفسها موضع تساؤل.

يجادل إيرمان بأن الانتقام، كتأكيد للحرية المطلقة للإنسان، الذي يرتكب أذى ردًا على أذى أصابه، هو شغف يُشيِّئ الآخر، ويعطي فاعله ارتياحًا يمكن وصفه بالأناني المحض، لأنه يجد فيه طريقه للكسب. ويقع الانتقام ما وراء الخير والشر، لكونه شغفًا ليس فوريًا مثل شغف الحب، الذي يصدر عن نقص، ويريد امتلاك غايته إلى حدّ الإصابة بالإغماء على غرار الحب الأفلاطوني. والانتقام هو عمل فردي وجماعي بحسب الظروف، وذلك بخلاف الصفح الذي لا يمكن أن يناله سوى الضحية ويبقى عملًا شخصيًا. وللخروج من حلقة الانتقامات الشخصية والسماح بالمرور من الوضع الطبيعي إلى الوضع السياسي، ابتكر البشر المحكمة، التي تُعد هيئة مستقلة ومحايدة تنطق بأحكام، يُشترط فيها أن تكون مثالية، لأنها متخلصة من الأهواء. لكن منذ أن احتكرت الدولة العنف والعقاب في المجتمعات السياسية، لم تعد الضحية هي الأهم، بل الجاني الذي يُعد كائنًا قابلًا للإصلاح والتكفير عن ذنبه. وعليه، باتت العدالة تُجازي وتعاقب مذنبًا، في حين أن الانتقام يعوّض ويعيد الاعتبار للضحية، والإنسان بطبيعته لا يمكنه غضّ النظر عن الأضرار والظلم الواقع عليه من دون ردّ.

يضع إيرمان العدالة المؤسسية موضع مساءلة، ويسخر من تصوير الأحكام التي تكتفي بفرض غرامة مالية أو سنوات سجن كتعويض عن شعورٍ بالهوان، وعليه، فإنه لا يوجه دعوة للعنف، بل إلى أن تولي المحاكم والقوانين أهمية لعمق الجرح الإنساني الذي يتجاوز نصوص القانون الجاف. ويطالب المنظومات القانونية الحديثة بأن تفهم دوافع النفس البشرية، وألا تكتفي بمعاقبة المجرم، بل أن تنصف كرامة الضحية حتى لا يضطر الأفراد إلى أخذ العدالة بأيديهم.

تاريخيًا، يمكن تتبع مفهوم الانتقام في مجتمعات ما قبل الدولة الحديثة، وزمن ما قبل القانون الحديث، حيث كان العنف الفردي والثأر هما الوسيلة الوحيدة لحماية الذات والقبيلة. وكان الانتقام واجبًا يدخل في إطار تبادل رمزي خاضع لقواعد، أكثر من كونه اندفاعًا غريزيًا. أما في المجتمعات الحديثة، فقد جرّدت القوانين الحديثة الأفراد من حق العقاب، واحتكرت الدولة العنف عبر المحاكم والسجون لإرساء الاستقرار. لكن ما جرى هو أن المحاكم الحديثة تحكم بدم بارد، ووفق نصوص جافة، الأمر الذي يحرم الضحية من شعور الارتياح الحقيقي، وذلك على الرغم من أن القوانين الحديثة وُلدت في الأصل من رحم "رغبة خفية في الانتقام"، لكن الدولة احتكرت هذا الحق وصاغته في شكل عقوبات قانونية.

يُحسب لإيرمان اعتماده على شواهد من المسرح والرواية ووقائع وأحداث معروفة، بغية تسهيل لغة خطابه الفلسفي ومفرداته، والتقليل من جفاء الأطروحات الفلسفية، حين يتناول تمثيلات الانتقام، فتحضر المسرحيات التراجيدية الكلاسيكية، تلك التي تجسدت في مسرحيات شكسبير ويوريبيديس، والروايات العالمية، وأفلام السينما الحديثة التي تحلل نفسية المنتقم، وتُظهره كبطل يبحث عن حقه.

أخيرًا، لا يدعو إيرمان البشر إلى الفوضى أو أخذ الحق باليد، بل يقدم أفكارًا فلسفية، غايتها فهم الطبيعة البشرية بصدق، ودون نفاق أخلاقي، حيث لا تجسد الرغبة في ردّ الأذى شرًا مطلقًا، بقدر ما تعبّر عن صرخة إنسانية تبحث عن الإنصاف والكرامة.