يُشكّل كتاب "على درب الغول - سيرة غيرية: مذكرات سليمان منصور"، الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية (2026)، وثيقةً بالغة الأهمية ليس فقط في مسيرة الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير سليمان منصور، بل في حفظ السردية الفلسطينية ببعديها البصري والإنساني.
الكتاب هو ثمرة مقابلات مطولة أجرتها الكاتبة رنا عناني مع منصور بين عامي 2020 و2023، ليُصاغ بأسلوب "السيرة الغيرية" التي تنطق بلسان الفنان نفسه، جاعلةً منه ذاكرةً حيّةً للفن الفلسطيني المعاصر.
وتكمن أهمية الكتاب في كونه لا يكتفي باستعراض المسيرة المهنية لمنصور، بل يمتزج فيها توثيق الفن بالسياقات التاريخية والسياسية التي شكّلت فلسطين. إنه محاولة لـ "خدش السطح" واستكشاف تفاصيل حياة فنان ارتبط اسمه بالذاكرة الشعبية، ليتحول الكتاب إلى مساحة لنقل "قصص مهمّشة" وتوثيق نشأة الحركة الفنية التشكيلية في الأراضي المحتلة منذ 1967 خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي يعتبرها منصور الأقرب إلى قلبه، حيث تشابك الفن مع الفعل الوطني.
وتُعدّ القصص المهمّشة في مذكرات سليمان منصور بمثابة محاولة واعية لاستنطاق الذاكرة التي لم تجد مكانًا لها في السرديات الرسمية. فمن خلال المقابلات، كشف منصور عن الجوانب الإنسانية البسيطة التي صاغت شخصية الفنان قبل أن تكتمل أيقوناته، مثل تفاصيل حياته الصعبة في ريف بير زيت بعد فقدان والده في سن مبكرة، وكيف قادته المصادفة والظروف القاسية إلى مدرسة الأيتام في بيت لحم، حيث التقى بالفن لأول مرة تحت رعاية أستاذه فيليكس تايس، فهذه المحطات التي كانت قد تلاشت في ضباب النسيان، أعادت عناني إحياءها لتكشف عن فنان لم يكن ابن صدفة، بل إنسانًا صنعته المعاناة، والرحلات الاستكشافية في الطبيعة الفلسطينية، واللقاءات العفوية مع البدو وعابري السبيل التي شكّلت وجدانه الفني في مرحلة مبكرة.
وعلى صعيد آخر، تبرز القصص المهمّشة في الكتاب من خلال توثيق الحراك الفني الفردي والجماعي الذي سبق "رابطة الفنانين التشكيليين" وما تلاها، حيث تسرد عناني تفاصيل الاجتماعات التي كانت تُعقد على الشرفة المزججة لبيت والدها في شارع نابلس بالبيرة. هذه المساحة لم تكن مجرد مكان للنقاش، بل كانت محضنًا لقصص الفنانين الذين غادروا الحياة وذكرياتهم التي حفرت عميقًا في ذهن الكاتبة وهي طفلة. كما تضيء هذه المذكرات على التفاصيل الصغيرة لممارسات المقاومة اليومية، مثل طبع الملصقات الفنية بأساليب بدائية وتوزيعها سرًا لتصل إلى البيوت ومخيمات اللجوء، ومواقف الفنانين مع سلطات الاحتلال التي لم تكتفِ بمصادرة اللوحات، بل امتدت لملاحقة الفنانين ومحاولة طمس الهوية الثقافية التي سعى منصور وجيله لحمايتها بكل ما أوتوا من إبداع.
ويُعدّ استحضار سليمان منصور لشخصية جده، المعلم جريس منصور، أحد أكثر خيوط الكتاب دفئًا وعمقًا؛ فهو لم يكن مجرد فرد في العائلة، بل كان البوصلة التي وجّهت بوصلة الفنان نحو الأرض والهوية. يصف منصور جده بأنه رجل "عصامي كان نسيج وحده"، جسّد في حياته حالة فريدة من التلاقح بين الثقافتين الألمانية والفلسطينية؛ فقد كان مديرًا للمدرسة اللوثرية في القدس، وتحدث الألمانية والعربية الفصحى بطلاقة، ما انعكس على شخصية حفيده التي تشكّلت بين قيم التعليم الغربي وجذور الريف الفلسطيني.
تتجسد أهمية الجد في مذكرات منصور من خلال المهمة التأسيسية التي قام بها، وهي توثيق القصص الشعبية الفلسطينية بالتعاون مع باحثين ألمان في مطلع القرن العشرين، إذ يرى منصور في هذا العمل أهم إنجاز في حياة جده، مؤكدًا أنه كان "فلسطينيًا بالانتماء، وألمانيًا بالتعليم"، وهو التوصيف ذاته الذي أطلقه منصور على نفسه لاحقًا. لقد ورث سليمان عن جده قطعة أرض في منطقة "السقي" ببير زيت، ولم يكتفِ بامتلاكها، بل جعل منها قضية ومصدر إلهام؛ حيث صار يستثمر عائدات لوحاته لشراء قطع أرض جديدة لحمايتها من الضياع، معتبرًا أن ارتباطه بالأرض ليس مجرد شعور وجداني، بل هو ممارسة عملية لحمايتها من السلب.
| |
| مجموعة التجريب والإبداع: من اليمين سليمان منصور، تيسير بركات، نبيل عناني، فيرا تماري/ منصور في كلية بيت جالا / منصور في معرض له سبعينيات القرن الماضي |
تبدأ الحكاية من ريف بير زيت، حيث تشكّلت البذور الأولى لشخصية سليمان منصور؛ هناك، حيث كانت الطفولة مرادفة للارتباط العضوي بالأرض وطقوسها الريفية البسيطة. لكن هذا المسار الهادئ اصطدم بواقع صعب إثر فقدان والده مبكرًا، مما دفع العائلة إلى إرساله إلى المدارس الداخلية في بيت لحم، وهي تجربة قاسية رغم ما حملته من دروس في الصمود والاعتماد على الذات. هذه الفترة لم تكن مجرد سنوات ضياع، بل كانت البوابة التي قادته نحو كلية "بتسلئيل" للفنون في القدس الغربية، حيث خاض مواجهة مبكرة مع واقعه كأول فلسطيني يدرس الفن في هذا الصرح، لتبدأ من هنا رحلة البحث عن الهوية وسط محاولات طمسها، وهي المرحلة التي وُلدت فيها إرادة الفنان الذي لن يقبل لاحقًا بالتبعية أو الذوبان.
مع مطلع سبعينيات القرن الماضي، أخذ وعي منصور السياسي والوطني يتبلور بشكل متسارع، متزامنًا مع لقاءات فنية دورية كانت بمثابة النواة لتأسيس "رابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين". لم تكن الرابطة مجرد إطار نقابي، بل أضحت جسمًا وطنيًا ربط الفن بالهوية والمقاومة، حيث أصبح كل عمل فني يحمل رسالة تتجاوز الجماليات إلى حدود الفعل السياسي. في هذه المرحلة، اتخذ فن منصور مسارات متمايزة؛ بدأها بـ "الفن من أجل الفن" مستلهمًا حكايات التراث العربي وأجواء "ألف ليلة وليلة"، قبل أن يغادر هذا الفضاء الأسطوري نحو "الرمزية السياسية" المباشرة، حيث تحولت عناصر مثل البرتقال، وأشجار الزيتون، والكوفية، إلى أيقونات وطنية، لعل أبرزها لوحة "جمل المحامل" التي صارت جزءًا من الوجدان الشعبي الفلسطيني.
لم يتوقف طموح منصور عند حدود الريشة واللون، بل راح يستكشف آفاقًا بصرية وفلسفية جديدة؛ فاتجه نحو "الفن المشهدي" الذي يرسم فلسطين الحلم، تلك التي يراها الفنان بعين الخيال لا بعين الواقع المشوه بالاحتلال. ومع تصاعد حدة النضال في فترة الانتفاضة، أحدث منصور تحولًا جذريًا بتبني "الطين" مادة فنية أساسية ضمن مجموعة "نحو التجريب والإبداع"، موظفًا الشقوق التي تظهر على سطحه كاستعارة لهشاشة الواقع الفلسطيني وتشرذم الجغرافيا. وفي مرحلة لاحقة، انتقل إلى "الأعمال المفاهيمية" التي تلعب بمفاهيم الحضور والغياب والزمن، ليقدم نقدًا ثاقبًا لمآلات القضية بعد أوسلو، مبرزًا التناقضات بين الماضي الجميل والحاضر المأزوم.
ولا يكتمل هذا المشهد من دون الإشارة إلى دور منصور كرسام "كاريكاتير" احتجاجي في جريدة "الفجر" بين عامي (1981-1993)، حيث كسر حدّة الصمت بمخيلة بصرية حادة. لقد اعتمد في رسوماته تلك أسلوبًا يختزل السياسي في "صورة" بليغة تكاد تخلو من الكلمات، مؤمنًا بأن قوة الكاريكاتير تكمن في قدرته على مخاطبة العقل والوجدان مباشرة. إن هذا المسار المتعرج، الذي يجمع بين الطين واللون والخط، يروي قصة فنان لم يكن شاهدًا على عصره فحسب، بل صانعًا لأيقونات صمدت أمام الزمن لتصبح شاهدًا ناطقًا على حكاية شعب لا يزال يكتب سرديته الخاصة.
تكتنز مذكرات سليمان منصور بمفارقات تكشف الفجوة بين صعوده كفنان ذي حضور عربي وعالمي، وبين إدراك محيطه العائلي القريب لطبيعة عمله، إذ يروي منصور بلمسة من الدعابة الممزوجة بالأسى كيف أن أسرته، التي لم تكن على دراية بحجم نجاحه المهني وتأثيره الفني، كانت تنظر إلى مسيرته بعين "الشفقة" المهنية؛ فقد وصل الأمر بأخيه في إحدى زياراته إلى بير زيت أن عرض عليه شراء "سيارة أجرة" (تاكسي) ليعمل عليها سائقًا، ظنًا منه أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لضمان دخل ثابت يؤمن من خلاله احتياجاته.
على النقيض من ذلك، تبرز قصة لوحة "جمل المحامل" (1973) كمفارقة أخرى؛ فهي اللوحة التي رسخت اسم منصور في الوجدان الشعبي الفلسطيني والعربي، لكنها في الوقت ذاته شكلت "عبئًا" فنيًا عليه، فقد ولدت اللوحة من تأملات منصور اليومية للعتالين في شوارع البلدة القديمة بالقدس، ليعيد رسمها ثلاث مرات بلمسات متجددة، وسرعان ما تحولت إلى ملصق وزعته مطبعة "ابن رشد" ومكتب "صلاح الدين" بأسعار زهيدة، لتصبح "أيقونة" علقت في صدور البيوت ومخيمات اللجوء. وبالرغم من اعتراف منصور بمساهمة هذه اللوحة في التعريف به كفنان ناشئ، إلا إنه لا يخفي تحفظه تجاهها؛ إذ يرى أنها "غطّت" لسنوات طويلة على أعماله الأخرى وأخذت منها نصيبها من الاهتمام النقدي والتقدير، وكأن هذا "الجمل" الذي يحمل القدس على ظهره في اللوحة، حمل أيضًا ثقل الشهرة التي حجبت تفرد تجاربه اللاحقة.
في مقدمته للكتاب، يصف سليمان منصور درب الفن بـ "درب الغول" الموحش، المليء بالمخاطر والخذلان، ولكنه بذات الوقت درب يمنح الإنسان شعورًا بأن حياته كان لها معنى، فالكتاب لا يعد فقط مذكرات فنان، بل هو نص يثبت أن الإبداع الفلسطيني هو فعل مقاومة، وأن رموز منصور الفنية ليست مجرد لوحات، بل أيقونات نضالية حفرت في الذاكرة الجمعية لتؤكد على صمود شعب أبى وما زال يأبى النسيان.