جمع الكاتب طارق الطيّب شتات أحداث روايته "رأيتَ ما لا يجوز لك" (الدار المصرية اللبنانية ــ القاهرة 2025، 222 صفحة) من خلال سحرية الساردين والذين هم أيضًا المسرودون، حيث لجأ إلى ما يشبه الحلم، بدخول عالم البرزخ بعد ليلة لعب فيها الشراب برأسه، ليكمل السرد من خلال ما يتاح من تذكر الوالد المصاب بالألزهايمر، ليكمل هو ما عرف. ذلك هو الترتيب السردي الذي اختاره الكاتب: حلم وبوح والد لا يدري ما يبوح به، وسرده هو: بلال ابن نديم عطية عواد الشمسي.
خلال ذلك، استطاع بلال سرد بعض ما عرفه، وكان قد اختار تجاهله، حيث، وفي ظل عدم رغبتنا ساردين ومسرودين، للبوح، كان لا بد من رحلة البرزخ، حيث تبوح الشخصيات هناك بأريحية تامة، بعيدًا عن الانفعال والتوتر والحكم، بل إنهم جميعًا (أصحاب السرد) يتعايشون بسهوله تشي بمفارقة كبيرة كونهم عاشوا بصعوبة. وكان لا بد لبلال، في ظل رعايته لأبيه، حتى وإن رغب ألا يعرف أسرار والده، كان لا بد من الإصغاء لوالده لتكتمل دائرة السرد.
الحدث
حدث الرواية: حياة عائلة بلال وأسرته النووية، وجزء من الأسرة الممتدة، والأحداث التي حصلت لهم ومآلهم، كذلك ما حدث لسيدة يبدو أن الراوي كان له علاقة معها. يتصل بهم ما ذكره الراوي من شخصيات، مثل الزوجين العريسين اللذين جاورهم. تظهر الأحداث من خلال ما يرويه بلال في الواقع، وما يرويه في حياة البرزخ الذي ظهر من الحلم، والذي تعلق بأسرار جزء من المروي عنهم في الحياة. هي الحياة في العلن والسرّ.
إنها رواية يمكن أن يكون بلال ليس الراوي فقط، بل الشخصية الرئيسية؛ فالشخصيات منظومة فيه، وهي التي شكلّت تكوينه النفسي والعاطفي والوجودي، فهو المسرود بشكل غير مباشر.
"صرت روحَ أبي. خشيتُ وطأة الإنصات إلى الاعترافات. فالاعتراف ربّما ينطوي على آثامٍ يريد المرء نزعَها عن روحه. إذا نزلت على شخص محايد أو متخصّص متمرّس فالأمر طبيعيّ، لكن أن تنزل على الابن فهذا يخرجُها من الحياد إلى التورّط، ولا سيّما إذا مسّت أشخاصًا من العائلة أو أسرارًا" (ص 35 - 36).
هو ما رآه، وما عرفه، وما وصل له من معلومات، كان من الصعب الحصول عليها؛ فصعب أن يفشي الأب أسراره حتى ولو لابنه! لكن بلال صار يصغي، وصار يرى.
ولعل السارد نفسه لم يسلم من إذاعة أسراره، لكنه لم يستطع فعل ذلك، إلا في سياق وجود من رحلوا، أو في سياق بوح والده، فالبوح بأريحية لديهم، حيث لم يعودوا يتحسسون لأسرارهم. فالأب الذي يعاني من الألزهايمر يتعامل مع السارد كأنه طفل يذهب إلى المدرسة. وهو، بلال، وكل واحد منهم وله أسراره. بل له ما لا يريد العودة إليه، حيث كان قد أودعه في اللاوعي من أجل نسيانه، حتى يستطيع العيش بأقل قدر من الشعور بالذنب.
ولأن "الحيّ أبقى من الميّت"، فإن السارد إنما عاد لأسرارهم للتصالح مع نفسه أخيرًا، فمن مات ارتاح من هموم الفعل والشعور بالذنب.
مثال ذلك أمر الاهتمام بالأب: "فبعد أن أصبح هو الذي يتقرّب منّا ويترجّانا الإنصاتَ إليه وإلى عزفه، صرنا ننفَضّ من حوله كطيور مذعورة، نتهرّب بلا مبالاة وبلا أدنى ذوق!" (ص 31).
تنقسم شخصيات الرواية إلى شخصيات الواقع وتكاد تقتصر على الراوي بلال، وشخصية الأب الذي يعاني من الألزهايمر، وشخصيات البرزخ، والتي في جزء منها هي شخصيات تم سردها قبل البرزخ. ولعل دمج الكاتب بينها كان دمجًا إبداعيًا في تعبيره عما رآه بلال وشهده، عما لم يمكنه: خالته رحمة، وأمه جنات، وريحانة، وياسر والبسام شقيقاه، ومنار شقيقته.
بلال، الذي يصاحب والده في رحلته الأخيرة، والذي يعاني مرض الألزهايمر، والذي تركته ذاكرته، ولكنها تعود أحيانًا عودًا غير كامل، لتضيء على الأحداث. يعاني بلال من التأتأة في طفولته، يغار من أخوته، ظهر ذلك من خلال مواقف، مثل رفضه اللعب مع أخيه التوأم ياسر الملقب بالبسّام بالطائرة الورقية، الذي سرعان ما يرحل. وهو يصف ارتياحه، كونه صار الطفل الوحيد المدلل بعد أن كان توأمه يحظى بدلال يفوقه. كذلك رحيل أخته منار حين كان صغيرًا. الأمور تختلط عليه حلمًا وواقعًا بأن لديه دورًا في رحيلها. كذلك ريحانة أم توما، صديقه، ومآلها القتل على يد زوجها، يبدو على خلفية علاقته بها، أو بآخرين. ويبدو أنه يعيش تحت وطأة الشعور بالندم والإثم. لكنه من خلال رواية الأسرار كأنه يعزي نفسه مخففًا هذا الشعور، بأن حاله كحال الآخرين الذي لهم أفعالهم، وأنه ليس هنالك استثناء.
روى بلال عن نفسه (ص 169) بداية بلوغه من خلال تلصصه على زوجين، كذلك مشاهدة النساء في فيلم "غرام في الكرنك"، الذي شاهده في بيت الجيران عن بعد، من خلال وضع جارته العروس التلفزيون بمكان يتمكن بلال من متابعة الفيلم. لكنه يجد نفسه مفضلًا لأمر آخر: "تركت نفسي للفيلم الواقعيّ المنعكس في المرآة متحاشيًا أن يكشفني أحد" (ص 141).
ثمة تغير في وصفه لقسوة أمه المنشغلة بأمور كثيرة، وكيف كان يرى خالته أكثر حنانًا، لكنه حين يكبر يتفهم مشاعر والدته "جنات". لقد تفهم ذلك في ما بعد عندما وعى على جهود الأم ومعاناتها. يقضي بلال وقته في رعاية والده نديم، ويصبح أكثر تشوقًا لسماع أسراره من خلال بوحه، كذلك يجد نفسه قد صار الأب الذي يرعى طفله (الأب).
أثرت على بلال "الغيرة والشهوة"، الغيرة طفلًا، والشهوة مع بلوغه. أما الغيرة فقد خفت بعد مغادرته عالم الطفولة، فيما نما شعور الشهوة مع البلوغ، والذي يستمر حتى وقت الدخول إلى عالم البرزخ.
رسم الكاتب ملامح شخصية الأب من خلال معرفة الابن بلال به، كذلك من خلال بوحه كرجل يعاني من الألزهايمر، كذلك من خلال بوح الشخصيات في البرزخ. وهذا قمة الإبداع السردي الحيويّ.
الأب: نديم عطية الحبّار عواد الشمسي. زواجه السريّ وغيبته وقت ولادة زوجته، وعلاقته مع أخت زوجته رحمة: "لم يعترف نديم لي قطّ بما كان بينه وبين رحمة" (ص 84)، وتجواله غرب مصر، فليبيا، وتونس، وصولًا إلى وهران الجزائر، ثم طنجة المغرب. شكّ بعلاقة بين أخيه نبيل وزوجته. "علاقة شكّكته في مَن أنجب" (ص 38). بعد إصابته بالألزهايمر، يعود الأب طفلًا، أو هكذا يراه السارد. أحيانًا تعود الذاكرة خاصة للحوادث القديمة لطفولة أبنائه، يخلط بين جنات ورحمة. يتعامل الأب من جهة أخرى مع بلال ابنه السارد كأنه طفل يذهب للمدرسة. تغير الاهتمام ببرامج التلفزيون من حب كرة القدم إلى الأفلام. وتفضيله لقصص الأطفال.
إضافة لشخصيات رئيسة وأخرى ثانوية، منها ما ظهر فقط في البرزخ، كسريد وآخرين، جاء سريد على ذكرهم. ومن الشخصيات الرئيسة ما بدأ الحديث عنها واقعيًا من خلال الراوي بلال، ثم ليكتمل رسمها هنا في البرزخ، بما ظهر من جوانب مخفية، كانت سرًا في الواقع.
جنات الزوجة والأم: يختارها نديم ويتزوجها على الرغم من معارضة أبيه عطية. يضطران للعيش بعيدًا عن بيته الكبير. تعيش حياة روتينية مع زوجها وأولادها. مرهقة بثقل مسؤولياتها. تخف العلاقة مع الزوج الذي يترك الأسرة شهورًا ثم يعود. تطلب من أختها رحمة مساعدتها في تربية الأبناء.
ظهرت علاقات النساء بالرجال، ثنائيات، الحب المستحيل والمحرم، جنات ونبيل، ورحمة ونديم. كذلك علاقة بلال الجسدية (المحتملة) مع ريحانة.
ظهرت الحياة البرزخية جذابة بما تم وصفها، بل تم الإغراء بها من خلال: "لا نحاسب بعضنا بعضا" (ص 45)، ودار السكينة وكل اللغات (ص 49). "ترى نفسك كما لم ترها من قبل، تتعرَّف على ما قمت به في سابق الحيوات، ترى بعينيك كل ما اقترفته يداك. ولكن لا تخف؛ فلا أحد هنا قد يحكم عليك، أو تشمئز نفسه مما فعلت". تتغير العلاقات، مثل قصة جون ولانا المختلفين في الدين، وكيف صار في البرزخ يسهل التواصل بينهما، أي في الحياة الأخرى (ربما هذا رمز لوجود مكان آخر يقبل الاختلاف). يتصل بذلك أيضًا وصفه لمقبرة اليهود والمسلمين المهملتين في رومانيا.
كذلك يعود الناس في سن الشباب، وتزول الإعاقات. كما زالت العداوات والثأر، فهذه جنات مع رحمة، وهذه ريحانة مع أطفالها وزوجها. كذلك تختلف الأولويات، وتزول عادات كانت مهمة في الدنيا: "بدون ممارسة الحب" (ص161).
نقد المنظومة
بدءًا بمنظومة النفس: "لِمَ نسمّي الألزهايمر مرضًا؟ لعلّه نوعٌ من تحرّر الروح والخلاص التدريجيّ من سجن الجسد، بإهمال أهمّ جزء فيه: الذاكرة" (ص 29). بمعنى التناقض النفسي ــ السلوكي كما في معظم منطلقات نفسيات الرواية. ثم المنظومة الاجتماعية مثل الاهتمام بالأب: "فبعد أن أصبح هو الذي يتقرّب منّا ويترجّانا الإنصاتَ إليه وإلى عزفه، صرنا ننفَضّ من حوله كطيور مذعورة، نتهرّب بلا مبالاة وبلا أدنى ذوق!" (ص31)، المرأة تذكر الحسن بعكس الرجل وفقًا لرأي نديم. ثم المنظومة السياسية، كما في ص 184، رجل السياسة قرب الساسة. ثم منظومة المؤسسة الدينية، وإن كان قد ذكرها في أوروبا من خلال جون ولانا.
ولعل تفسير وجود الأزمنة والأمكنة له علاقة باختيار الكاتب لحياة البرزخ، والتي يلتقي بها الأموات، فيصير العالم الثاني عالمًا واحدًا لهم.
هو سؤال حول معرفة ما لا نعرفه، كونها ستغيّر في علاقات البشر بشكل ربما لا يحتمل كما ظهرت خلال النص، خصوصًا ما يتعلق بالأخطاء والآثام، من السارد والمسرود، بل والقارئ أيضًا.
ولعلّ الاستخلاص الأكثر نبلًُا، وأظنه رسالة هذه الرواية، هو اختيار السلوك الذي لا يثقل علينا مجرد تذكره في الواقع والحلم... "في لحظة متردّدة من تشوّشي، أردت أن أرى ياسر البسّام في القاعة والآن. ضميري يؤنّبني. ماذا لو ظهر؟ أكنتُ سأعتذر له عن الشرّ الذي كمَنَ فيَّ كلّ هذه السنوات؟" (ص 79).
* كاتب من القدس.