في غمرة التحوّل المعرفي الذي بات يطبع الكتابة التاريخية المعاصرة، نادرًا ما تطالعنا مؤلفات علمية ترصد بدقة متناهية مختلف التغيّرات الإبستمولوجية التي طبعت الكتابة التاريخية المعاصرة بمختلف اتجاهاتها الفكرية، والتي كان لها الأثر البالغ على مستوى التأريخ وصنعة المؤرخ ومفاهيمه وأدواته التي طالما كانت موضع فحص نقدي علمي من لدن المؤرخين في العالم ككل. لذلك فإن الوعي بقيمة هذه المؤلفات يزداد يومًا بعد يوم، إذ رغم الطابع "التعليمي" الذي تراهن عليه هذه المؤلفات في تقديم معارف ومفاهيم وقضايا وإشكالات تستمد ملامحها من خصوصية التأريخ المعاصر بكل ما يطرحه من مسائل جوهرية ذات صلة بعمل المؤرخ.
فقد لعبت مؤلفات من قبيل "مهنة المؤرخ" لمارك بلوك و"التاريخ باعتباره أدبًا معاصرًا" لإيفان جابلونكه و"صناعة التاريخ" لجاك لوغوف وبيار نورا و"كتابة التاريخ" لميشال دوسيرتو، دورًا كبيرًا في تشريح فيزيونومية الكتابة التاريخية المعاصرة ووضع أفكارها ضمن السياق التاريخي الذي ظهرت فيه. حرصت هذه المؤلفات النوعية على تزويد المؤرخين العرب بطرق تفكير مغايرة، لأنها عبارة عن أبحاث فكرية أصيلة تتأمل عمل المؤرخ والتحوّلات الإبستمولوجية التي تطاول عمله، سيما وأن الفترة التي برزت فيها هذه المؤلفات ابتداءً منذ منتصف القرن العشرين عرفت بمخاض علمي كان هاجسه تجديد الدراسات التاريخية.
وكان هذا المخاض نتيجة التضارب الفكري والنقاش العلمي الذي خيّم على الفرنسية بين المدرسة المنهجية أو الوضعية مع لانغلوا وسينيوبوس وبين مدرسة الحوليات التي مثلها مارك بلوك ولوسيان فيبر وفرناند بروديل. ذلك أن هذه المؤلفات السالفة الذكر تعد آخر إشراقات الحوليات بحكم ما عُرف عنها من قدرة هائلة على تفكيك مفاهيم التأريخ وأسلوب الكتابة والحدث التاريخي والذاكرة الجماعية والمدة الطويلة والفضاء والفيلم السينمائي، فهي تجارب تستمد معارفها من الانفتاح العلمي الذي طبع علم التاريخ في نهاية القرن التاسع عشر، حيث حاولت هذه الأسماء الاستفادة من الطفرة المعرفية لتحقيق تجديد يُذكر على مستوى الكتابة التاريخية وصناعتها.
بيد أن هذه المؤلفات لم تبقَ حكرًا على الثقافة الغربية، بل أثرت بشكل قوي على البحث التاريخي العربي، حيث دفعت المؤرخين إلى تجديد مفاهيمهم وأفكارهم ومواقفهم تجاه الكتابة التاريخية وجعلتهم يدركون عمق الانفتاح على وثائق جديدة يكسرون عبرها صنمية الوثيقة المادية كما تبنتها المدرسة الوضعية. لذلك قاد هذا الانفتاح المذهل المؤرخين العرب إلى كتابة أبحاث نوعية تستمد خصوصياتها من الأرشيفات المتنوعة مثل سجلات محاكم التفتيش والكنانيش المخزنية وفتاوى الفقهاء والسينما والصور الفوتوغرافية واللوحات وغيرها من الوثائق التي طالما اعتبرها الوضعانيون لا تليق بخدمة الكتابة التاريخية، بينما أثبتت الحوليات نجاعة هذا الانفتاح الذي حوّل البحث التاريخي من كونه كتابة نسقية تستند على الوصف والحكي إلى البحث عن تاريخ إشكالي ينقب في مفهوم البنية وليس السطح.
لكن في مقابل هذا التراث الغربي، نجد العديد من الأكاديميين والمؤرخين في العالم العربي، ممن جعلوا مسارهم البحثي أفقًا للتفكير في مفهوم التاريخ ومناهجه ومدارسه وأساليبه مثل المغربي محمد حبيدة واللبناني وجيه كوثراني على سبيل المثال لا الحصر. سعى كل من حبيدة وكوثراني في كتاباتهما إلى مقاربة براديغم التاريخ وتوسيع أفقه من خلال تبني نوع من التفكير الحداثي الذي يعيد الاعتبار إلى مدرسة الحوليات التي تأسست عام 1929 بسبب ما حققته من طفرة على مستوى الثورة المنهجية التي حققتها من خلال انفتاح التاريخ على العلوم الاجتماعية وتحويل اهتمام المؤرخ من التركيز على الأحداث السياسية المكتوبة بنَفَس سردي والمتعلقة بالحروب والطبقة الحاكمة، وصب الانفتاح على تاريخ إشكالي يحفر في البنية وليس الحدث، وذلك لأن الأحداث التاريخية يختفي وهجها بمجرّد ظهور أحداث أخرى، بينما البنية تظل راكدة ولا تتغير، وهو ما جعل المؤرخين يفطنون إلى أهمية هذا النزوع الفكري في اجتراح أفق فكري جديد على مستوى التأريخ.
ويندرج كتاب "كيف نفهم التاريخ؟: مشارب وتجارب" الصادر حديثًا عن باب الحكمة، ضمن سياق هذه المؤلفات العربية التي حرصت على تأمل جوهر البحث التاريخي ومحاولة فهم طرق تشكله في الزمن المعاصر. ذلك أن الكتاب يغوص عميقًا في مفاهيم وتيارات ومدارس ونزعات ومواقف وأساليب لأهم المؤرخين في القرن العشرين، حيث يبرز من وجهة نظر موضوعية علاقة التاريخ بالعلوم الأخرى. بيد أن الكتاب الذي أشرف عليه كل من الطيب بياض ومحمد حبيدة، وشاركت فيه كوكبة من الأكاديميين المغاربة، لم يتعامل مع المادة المصدرية بطريقة تعليمية، بل طرح من خلاله المشاركون العديد من القضايا والإشكالات ذات الصلة بالكتابة التاريخية المعاصرة.
من ثمّ، فهو كتاب مهم، لأنه يقدم خلاصة فكرية حول أهم تجارب البحث التاريخي العالمي والمشاغل الفكرية التي طبعت سيرة العديد من المؤرخين، وذلك لأن هذه التجارب العلمية ورأسمالها الرمزي التي استندت عليها مادة الكتاب لم تكن عابرة، بل تركت أثرها الكبير في بنية المشروع الفكري حول الكتابة التاريخية.
لذلك فإن استعادة هذه التجارب لا تدخل ضمن باب النوستالجيا المعرفية المهووسة بـ "المعرفة التاريخية"، أولًا لأن عنصر الاستعادة يجعلها تمتحن الطريقة التي بات يكتب بها التاريخ في العالم العربي وكيف غدت التجارب تعيد إنتاج التقليد عن طريق التركيز على الأحداث السياسية والوقائع الاجتماعية التي تم تجاوزها في البحث التاريخي المعاصر، بسبب ارتكازه على الإشكالية وليس الحدث.
أما الأمر الثاني، فإن إصدار كتاب جديد في هذه المرحلة ينقّب ويمحّص في مناهج المعرفة التاريخية ويعيد مساءلة جملة من المفاهيم والتيارات والمدارس سيلعب لا محالة دورًا بارزًا في إعادة الاعتبار للبحث التاريخي والتعامل معه على أساس أنه يدخل ضمن الأنساق المعرفية الهامة التي تزود القارئ بمعلومات وبطرق وميكانيزمات الكتابة التاريخية في علاقتها بالحدث والواقع والذاكرة والوثيقة والأرشيف، نظرًا لكونها عناصر بالغة الأهمية، بحكم أنها تُحكم سيطرتها على الحاضر بسبب مركزيتها داخل الخطاب اليومي للفرد العربي.
ليس التاريخ ما تقدمه لنا المراجع والمصادر ولا ما تكشفه لنا الوثائق المتراكمة في الأرشيفات الأجنبية، بل ما نتنفسه في الحاضر وما نتخيّله في المستقبل. بهذا المعنى يأتي التاريخ ضمن الرؤية البروديلية (نسبة إلى فرناند بروديل) وفق آلية جدلية تتمثل التاريخ وتستوعب مداراته من خلال الماضي والحاضر والمستقبل. وهي مقاربة فكرية تركيبية عميقة الأثر في بنية الفكر التاريخي، لأنه عن طريق طرحها غيّر صاحب "حركية الرأسمالية" مفهوم التاريخ الكوني ونزع عنه قداسة الماضي وأقحمه في حرارة الواقع وعنفوان المستقبل.
حرص بروديل في كل ما كتبه على تبني ما سماه بـ"المدة الطويلة" التي تدرس مفهوم "الحدث" وتتبع امتداده في بنية الزمن وليس في اللحظة الراهنة من وقوع الحدث. لقد أحدثت هذه الفكرة تغيّرًا واضحًا في مسار الكتابة التاريخية ودفعت بالعديد من المؤرخين والباحثين إلى الاحتذاء بسيرة فرناند بروديل ونزوعه العلمي المجدد، والذي أخذ يتبلور داخل عدد من الأدبيات الفكرية التي غيّرت وجه البحث التاريخي في العالم ككل في إطار ما عُرف بـ"التاريخ الجديد".
يشتمل الكتاب على قسمين، الأول يعنى بمجموعة من القضايا المرتبطة بالتاريخ في علاقته ببعض القضايا مثل الصحافة والاقتصاد والمجتمع والمقاولة والأسرة والنساء وكرة القدم والبروسبوغرافيا والبيوغرافيا والأنثروبولوجيا والعقليات والذاكرة والفلسفة والتأويل وسواها من القضايا والمفاهيم التي باتت بمثابة مباحث جديدة تدفع المؤرخ إلى الانفتاح عليها للخروج من ربقة التاريخ السياسي ـ الحدثي. بيد أن هذه المجالات العلمية لم يكن من الممكن التفكير فيها في خضم الانشغال الوضعاني بالوثيقة المكتوبة وعدم قدرة رواد هذه المدرسة على الإيمان بالتحولات العلمية التي طبعت صناعة التاريخ منذ النصف الثاني من القرن الـ19.
أما القسم الثاني من الكتاب، فيقف عند أهم تجارب البحث التاريخي في العالم والتي تتماشى من الناحية الفكرية مع القضايا التي جاءت في القسم الأول. ومن هذه التجارب نذكر فرانسوا فوريه وباتريك بوشرون وجون بوفييه وجون هيفر ونويل جورج بوتلين وميشال ييرو وألفريد فال وجون لاكوتور وجاك لوغوف وبيار نورا وبول ريكور وغيرهم. نجحت الأقلام المشاركة في الكتاب، وهي في أغلبها أكاديمية تدرّس التاريخ والحضارة بعدد من الجامعات المغربية، في تقديم جغرافيات متنوعة للبحث التاريخي، ممن ساهمت في تحديث الفكر التاريخي ووضعته في صلب الحداثة الفكرية.
يرتكز الكتاب بشكل خفي على إعطاء البعد الأدبي خاصية ملازمة للكتابة التاريخية، إذ يعد الكتاب من أولى الدراسات التي تعيد الاعتبار للرأسمال الأدبي داخل الكتابة التاريخية. إن العلاقة قوية بين التاريخ والأدب، خاصة وأن هذا الأخير يعتبر مصدرًا من مصادر التأريخ للتاريخ الإسلامي، بعد القرآن الكريم والسنة النبوية والمسكوكات (علم النقود) والكتابات المنقوشة، بحكم مركزيته في التاريخ العربي الإسلامي وقدرته على التأثير في المجتمع، وذلك لأنه في خضم الرجات السياسية والتحولات الاجتماعية والأحداث الاقتصادية كان الأدب موجودًا في البيئة التاريخية العربية.
وبالتالي كان صعبًا على المؤرخ أن يظل بمنأى عن الاهتمام بهذا الأدب. فإذا عدنا لكتابات من قبيل: ابن خلدون في "المقدمة" و"المسالك والممالك" لأبي عبيد البكري و"نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للشريف الإدريسي، سنعثر على نوع من الخلائط السردية الأدبية في متون هذه الأعمال التاريخية، لأن الأدب قبل أن يكون صورة استيهامية، فهو في أساسه عبارة عن لغة أدبية مبتكرة، لا يمكن للتاريخ أنْ لا يتأثر بها، بل ويستحيل للمؤرخين أن يسلموا منها، بسبب حساسيتها الجمالية وقدرتها على اختراق الجسد البشري وتحويل لغته إلى ماء وهواء.
العلاقة بين الأدب والتاريخ
أدرك كل من الطيب بياض ومحمد حبيدة قيمة الأدب في كتابة التاريخ. لذلك تطلعا إلى تفكيك هذا الطرح الذي يعتبر التاريخ المعاصر شكلًا من أشكال الأدب. فالعلاقة بين الأدب والتاريخ لها مسار طويل من التأثير والتأثر، إذ يعثر القارئ داخل مؤلفات تاريخية علمية أصيلة على بعض من أشكال التعبير الأدبي، سيما على مستوى وصف الوقائع والأحداث، حيث يروم المؤرخ البحث عن تعابير وصيغ للإقناع من أجل القبض على المعنى. كما أن التاريخ في المفهوم القديم لا يختلف عن الحكاية، حيث يصبح بمثابة حكاية في ذهن من يروي تلك الحكاية على حد تعبير المؤرخ المغربي عبد الله العروي.
إلى حد قريب كان من الصعب على المؤرخ أنْ يقترب من الأدب، فكانت لغة بعض المؤرخين المغاربة في الحقبة المعاصرة يطبعها نوع من الشلل المعرفي والفقر المدقع الذي يحول اللغة إلى أشبه ما يكون بالهيروغليفية، فهي تجعل القارئ يمتعض من قراءة مؤلفات التاريخ، فهي بالنسبة له رمزٌ لصرامة مفرطة تصبح فيها لغة المؤرخ أشبه بالقاضي الذي لا يهمه جماليات التعبير، بقدر ما يظل مرتبطًا بإطلاق الأحكام وترتيب القوانين والجهر بها.
يعد الطيب بياض ومحمد حبيدة من الأكاديميين العرب الذين فتحوا التاريخ على الأدب وآمنوا رفقة طلبتهم بقيمة الأدب في تغذية الرأسمال الرمزي للمؤرخ. فلا غرابة في أن يطالعنا محمد حبيدة برواية تحمل عنوان "عشتُ ثلاثمائة سنة" (2024) وهي نص روائي يهجس بالتاريخ، مع أنه لم يهدف إلى التأريخ، بقدر ما بقي أمينًا لعنصر التخييل الذي يعد بمثابة هوية رمزية للنص الروائي والأدبي بشكل عام. أما الطيب بياض، فيعتبر هو الآخر من الأسماء القليلة التي حين تقرأ لها تشعر بأنك تقرأ معرفة تاريخية بلغة أدبية، لأن الأدب يقتحم خطابه التاريخي، لكنه يظل محافظًا على حرارة الحدث وصدقية الوقائع وأمانة الرواية التاريخية ومصادرها.
حين نقرأ كتب التاريخ، فإننا عادة ما نميز بين "البحث التاريخي" و"المعرفة التاريخية"، ذلك أن الأول عبارة عن حفر في الوثائق المادية واللامادية وبحثٌ دائم في الأرشيفات الأجنبية، حيث تكون الكتابة عبارة عن مشروع علمي يهدف إلى كتابة التاريخ بالاستناد إلى وثائق جديدة يُعاد قراءتها وفحصها وتأملها، فيكون البحث أشبه باكتشاف جديد للفضاء الذي ننتمي إليه. فحين كتب المؤرخ المغربي عبد الله العروي كتابه الهام "مجمل تاريخ المغرب" لم يكن يهمه الإطار المعرفي للتاريخ، بل حاول كتابة تاريخ المغرب انطلاقًا من وثائق مختلفة، أو بالأحرى عبر منهج جديد يعيد الاعتبار للتأمل على حساب السرد. فكانت النهاية أن قدّم بحثًا تاريخيًا أصيلًا مجددًا في تاريخ المغرب، بسبب النظرة المختلفة التي أصبغها صاحب "مفهوم التاريخ" على بحثه، فجعله يندرج ضمن بحث تاريخي يستند إلى الوثائق في التأريخ.
أما الشق الثاني من الكتابة التاريخية فيرتكز في مجمله على تقديم معارف حول التاريخ، حيث يقوم بعض الباحثين والأكاديميين بشرح بعض السياقات أو محاولة تطوير بعض الموضوعات والمفاهيم وإعادة عرضها للقارئ وفق قالب يطغى عليه البعد التعليمي الذي تصبح معه الكتابة وسيلة لتقديم معلومات حول المدارس التاريخية وأساليبها ومفاهيمها. لكن بالرغم من الهاجس "التعليمي"، لا يمكن نزع الأهمية عن هذه المؤلفات لأن بعضها يساهم بقوة في بسط المعارف وبطريقة سلسة تظهر حجم المؤرخ ومكانته وسياحاته الطويلة في تاريخ الفكر البشري.
فطن العروي من خلال مصنفه الفكري هذا إلى قيمة الطرح الإشكالي في كتابة التاريخ. ذلك أنه تحاشى بشكل كبير النمط السردي في الكتابة التاريخية، فهو لم يتعامل مع التاريخ باعتباره حكاية أو كرونولوجيا ينبغي الحفاظ على تراتبية الأحداث من أجل فهمها بسلاسة وكأنها قصة أو حكاية، بل تعمّد مسح الطاولة من سلسلة مفاهيم ونظريات، ظلت إلى وقت قريب تعرقل سير وتطور الكتابة التاريخية العربيّة، وذلك من خلال عزمه على استشكال الإشكالات وتمحيص القضايا وتفكيك البراديغمات والتعامل مع التاريخ وفق آلية تركيبية تتأمل التحولات الاقتصادية والديمغرافية وتاريخ الأفكار والبنيات الذهنية المتراكمة في تاريخ المغرب.